وزارة الصحة تكشف طرق مهمة لمواجهة الاستغلال الإلكتروني للأطفال    انهيار كبير.. خبير يوضح السبب الرئيسي وراء الهبوط المفاجئ لسعر الذهب    أسعار الخضروات اليوم السبت 31 يناير في سوق العبور للجملة    سعر الريال السعودي في بداية تعاملات اليوم 31 يناير 2026    استقرار سعر الدولار في البنوك المصرية صباح اليوم السبت    رئيس الوزراء يبدأ جولة تفقدية بعدد من المشروعات التنموية والخدمية بالمنيا    وزير الدفاع الألماني عن علاقة أوروبا بأمريكا: لا يجوز للأرنب أن يحدِّق في الأفعى    وزير الخارجية: لا توجد حلول عسكرية لمختلف التحديات التي تواجه المنطقة    مصر ترحب باتفاق وقف إطلاق النار في سوريا    قبل مواجهة يانج أفريكانز.. تعرف على ترتيب مجموعة الأهلي    آرسنال يستقبل ليدز للعودة إلى الانتصارات في البريميرليج    جامعة القناة تحصد الذهب والفضة وثالث جماعي في الكاراتيه بدورة الشهيد الرفاعي    تواجد مصطفى محمد.. تشكيل نانت المتوقع أمام لوريان بالدوري الفرنسي    تفريغ كاميرات المراقبة في واقعة مقتل مواطن على يد جاره بفيصل    وفاة طفل سقطت عليه عارضه خشبية داخل نادي شهير بطنطا    مصرع شخص وإصابة 4 آخرين في تصادم على الطريق الإقليمي بالمنوفية    إخماد حريق بموقع خدمي خلف شارع السنترال بالفيوم دون إصابات    تزامنًا مع احتفالات مولد "القنائي".. ضبط 265 مخالفة متنوعة في حملة مكبرة بشوارع مدينة قنا    ضبط 3 طلاب بالزقازيق لإدارتهم صفحة تنشر أخبار كاذبة عن وفاة شخصيات عامة    807 آلاف زائر لمعرض القاهرة للكتاب أمس الجمعة    المستشار حامد شعبان سليم يكتب عن : نفحات الصالحين !?    " مناجاة " ..شعر / منصور عياد    الصحة: استفادة 4.6 مليون شاب وفتاة من مبادرة «فحص المقبلين على الزواج»    متحدث الصحة: الكشف المبكر عن الأمراض أولوية رئاسية لحماية صحة المواطنين    أسعار السمك والدواجن والبيض في محافظة أسوان اليوم الجمعة 31 يناير 2026    الشركة المتحدة تحتفل بإطلاق مسلسلات رمضان في أوبرا العاصمة    الكلمة.. رصاصة لا ترد    بعد نشر 3.5 مليون وثيقة.. كم عدد ملفات قضية إبستين التى تضمنت اسم ترامب؟    التنمر وكيس شيبسي سر الجريمة، تجديد حبس عامل وابنه بتهمة قتل نقاش بالزاوية الحمراء    "كيفن وارش" مرشح ترامب لخلافة "جيروم باول" برئاسة الاحتياطي الفيدرالي    من بيتك أو عبر "الماكينة".. اعرف حزمة الخدمات الجديدة لقطاع الأحوال المدنية    كريم الحمامي وفارس الدسوقي يتأهلان لنصف نهائي بطولة اسكواش أون فاير    وظائف حكومية| فرصة عمل ب وزارة النقل.. قدم الآن واعرف المطلوب    7 شهداء وعدد من الجرحى جراء غارات الاحتلال على مناطق متفرقة بقطاع غزة    السيسي: أطمئنكم أن الوضع الداخلي في تحسن على الصعيد الاقتصادي والسلع متوافرة    نشرة أخبار طقس اليوم السبت 31 يناير| الحرارة ترتفع ورياح مثيرة للرمال تسيطر علي الأجواء    صالون حنان يوسف الثقافي يفتتح موسمه 2026 تحت شعار «العرب في الصورة»    نادر هلال يقدم رؤية إنسانية جديدة في معرض «كاريزما»    أيمن أشرف يعلن اعتزاله اللعب    مجلس الشيوخ يوافق على حزمة تمويل مع قرب إغلاق جزئي للحكومة الأمريكية    227 ضحية في كارثة منجم جديدة تهز الكونغو الديمقراطية    الرئيس البرتغالي يمنح حاكم الشارقة أعلى وسام شرف ثقافي سيادي    حكم حضور «الحائض» عقد قران في المسجد    «صوت لا يُسمع».. الصم وضعاف السمع بين تحديات التعليم والعمل وغياب الدعم    بابا وبطريرك الإسكندرية وسائر إفريقيا يزور رئيس جمهورية بنما    عميد طب طنطا يستقبل وفد لجنة الاعتماد بالمجلس العربي للاختصاصات الصحية    قائمة متنوعة من الأطباق.. أفضل وجبات الإفطار بشهر رمضان    الحكومة تحسم الجدل: لا استيراد لتمور إسرائيلية ومصر تعتمد على إنتاجها المحلي    القيادة المركزية الأمريكية تحذر الحرس الثوري الإيراني من أي سلوك تصعيدي في مضيق هرمز    الكرملين يعلن الموافقة على وقف الضربات على كييف حتى الأحد    آدم وطني ينتقد تصرف إمام عاشور: ما حدث يضرب مستقبله الاحترافي    أطباء مؤسسة مجدي يعقوب يكشفون أسرار التميز: ابتكارات جراحية عالمية تنطلق من أسوان    شوبير يكشف تفاصيل العرض العراقي لضم نجم الأهلي    مجلس الوزراء يستعرض أبرز أنشطة رئيس الحكومة خلال الأسبوع الجاري    اليوم، انطلاق المرحلة الثانية من انتخابات النقابات الفرعية للمحامين    أجندة فعاليات اليوم العاشر من معرض الكتاب 2026    رسالة سلام.. المتسابقون ببورسعيد الدولية يطربون أهالي بورسعيد والسفن العابرة للقناة بمدح الرسول    الأوقاف توضح أفضل الأدعية والذكر المستجاب في ليلة النصف من شعبان    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



سد النهضة والمواجهة الضرورية لسياسة الأمر الواقع

مرة أخرى تعود قضية سد النهضة إلى صدارة المشهد فى قضايا المياه وعلاقات مصر الخارجية بعد انتهاء المفاوضات المصرية-السودانية-الإثيوبية فى الخرطوم دون اتفاق على القضايا المعلقة بشأن ذلك السد. والحقيقة أن ما يدهشنى ليس المماطلة وإطالة أمد التفاوض والتعنت الإثيوبى الطويل الأجل والممتد لأربعة أعوام والذى يتجاهل الاتفاقيات السابقة والقواعد التى تحكم العلاقات بين الدول المتشاركة فى أى نهر دولي، وإنما تأخر لجوء مصر إلى الأمم المتحدة والتحكيم الدولي. فالأنهار الدولية التى تشترك فى الانتفاع بها أكثر من دولة محكومة بالقانون والأعراف الدولية.
وربما يكون التطور الوحيد فى الموقف الإثيوبى هو الانتقال من التصريحات العدائية التى تفيد بأن بناء سد النهضة هو عمل من أعمال السيادة ولا علاقة لأى دولة به وأنهم يفعلون ما فعلته مصر عندما بنت السد العالي، إلى تصريحات أكثر ليونة حول التشاور مع مصر والسودان. لكن التصريحات اللينة تتحول إلى نوع من المراوغة الطويلة الأجل طالما أنها لا تقترن بالتوقيع على اتفاقيات تحفظ الحقوق التاريخية للشركاء فى النهر وتخضع تنفيذ السد وفترة ملء خزانه أو بحيرته لاعتبارات مصالح وحقوق هؤلاء الشركاء.
والحقيقة أن الحديث عن أى تشابه بين سد النهضة والسد العالى لا يتسم بأى قدر من الوجاهة العلمية والقانونية. فمصر عندما قامت ببناء السد العالى كانت تنقذ مياها تذهب سدى إلى البحر المتوسط لأنها دولة المصب ولا يوجد بعدها دول أخرى على مجرى النهر يمكن أن تتأثر ببناء السد. أما إثيوبيا فهى دولة منبع وأى تصرف لها على روافد النيل يؤثر على دولتى المجرى الأوسط والمصب أى السودان ومصر، وبالتالى لا يحق لها القيام بأى أعمال على روافد النهر تؤثر فى حجم المياه المتدفقة منها إلا بالتشاور مع الدول التالية لها على مجرى النيل وروافده أى مصر والسودان. كما أن مصر أقدمت على بناء السد العالى لأنها كانت فى أمس الحاجة لكل قطرة مياه إضافية لدرجة أنها ظلت حتى تسعينيات القرن العشرين تقترض 4 مليارات متر مكعب من حصة السودان حيث كانت الأخيرة لا تستخدمها لأنها فائضة عن حاجتها قبل أن تبدأ فى استخدامها لخدمة التوسع الزراعى.
الوضع المائى فى مصر وإثيوبيا
تبلغ احتياجات مصر من المياه فى الوقت الراهن أكثر من 70 مليار متر مكعب. ولا يتوافر لدى مصر مياه نقية متجددة من نهر النيل سوى حصتها البالغة 55.5 مليار متر مكعب. وتضطر مصر لاستخدام مياه الصرف بعد معالجتها وتنقيتها، وهى مياه تظل أقل نوعية ولها آثار جانبية على التربة. كما تضطر لنزح كميات كبيرة من خزان المياه الجوفية المتجددة وغير المتجددة بصورة مرهقة لذلك الخزان ويمكن أن تصيب أجزاء منه بالتملح سريعا رغم أنه من المفترض أن يحفظ ذلك الخزان كاحتياطى استراتيجي. أى أن كل قطرة مياه تحصل عليها مصر من حصتها وحقوقها التاريخية فى مياه النيل تساوى حياة وترتبت عليها بالفعل حياة البشر والزرع والماشية.
وبالمقابل فإن إثيوبيا لديها مصادر مياه داخلية متجددة تبلغ 122 مليار متر مكعب استخدمت منها نحو 5.6 مليار متر مكعب فقط عام 2013 حسب بيانات البنك الدولى فى تقريره عن مؤشرات التنمية فى العالم (2015). ويتدفق منها نحو 75 مليار متر مكعب إلى مصر والسودان عبر أنهار السوباط والنيل الأزرق وعطبرة ليتبقى نحو 41.4 مليار متر مكعب قابلة للاستخدام ولا يتم استخدامها فعليا فى إثيوبيا. وأكثر من ثلث تلك المياه عبارة عن إيرادات نهرى جوبا وشبيلى اللذان يتدفقان من إثيوبيا إلى الصومال وتنتهى مياههما إلى المحيط الهندى حيث لا يستخدم منها سوى جزء محدود. أما الجزء الباقى من المياه الفائضة فهو موجود فى إثيوبيا من خلال عدد كبير من الأنهار الصغيرة والمتوسطة، فضلا عن المخزون الهائل من المياه الجوفية المتجددة التى تغذيها الأمطار الموسمية الغزيرة التى تسقط على إثيوبيا فى الفترة من مايو حتى أكتوبر سنويا والتى تبلغ أقصى مستويات غزارتها خلال شهور الصيف.
وهذا يعنى بوضوح أن إثيوبيا لا تحتاج إلى مياه النيل. بل إنها يمكن أن تزيد رصيدها من المياه بإقامة مشروع لإنقاذ مياه النيل من التبدد فى منطقة مستنقعات مشار على نهر البارو وهو الرافد الرئيسى لنهر السوباط. وفى تلك المستنقعات تضيع أربعة مليارات متر مكعب يمكن إنقاذها.
وترتيبا على ذلك فإن حسن النيات يفترض أن تقوم إثيوبيا باستقامة وبشكل مباشر لا يحتمل المراوغة أو التأجيل بتوقيع اتفاق بعدم المساس بأى قطرة من حصة مصر من مياه النيل. وهذا الحق مدعوم باتفاقات سابقة مع إثيوبيا يمكن الاستناد إليها فى اى تحكيم دولي. أما الأمر الثانى والذى يخص سد النهضة فيتعلق بحجم خزان السد، وفترة ملء هذا الخزان.
الاتفاقيات الدولية تضمن حقوق مصر عند التحكيم
بالنسبة لحقوق مصر فى مياه النيل وبالتحديد فى المياه المتدفقة من المنابع الإثيوبية، فإن مصر لديها اتفاقات تضمن تلك الحقوق. وكانت بريطانيا التى احتلت مصر عام 1882، قد وقعت فى 15 أبريل عام 1891، بروتوكولا مع إيطاليا التى كانت تحتل إريتريا، تعهدت فيه إيطاليا بعدم إقامة أى منشآت لأغراض الرى على نهر عطبرة. وهو نهر ينبع رافداه الكبيران «نهر ستيت وبحر السلام» من إثيوبيا ويبلغ إيراده المائى نحو 13 مليار متر مكعب يصل منها نحو 11.5 مليار متر مكعب عند أسوان. وهو نهر موسمى الجريان ويكون قويا فى موسم فيضانه الصيفى ولون مياهه قاتم لكثرة الطمى الذى يحتويه وهو السبب فى تسميته «عطبرة» التى تعنى الأسود. أما فى موسم الجفاف فإنه يكاد يكون نهرا ميتا أو واديا جافا لأنه ليس له منبع يرفده بمياه دائمة.
كما وقعت بريطانيا اتفاقية مع اثيوبيا فى 15 مايو عام 1902. تعهد فيها منليك الثانى ملك اثيوبيا بألا يقوم بإنشاء أو يسمح بإنشاء أعمال على النيل الأزرق أو بحيرة تانا أو نهر السوباط من شأنها الحد من تدفق المياه منها إلى مصر والسودان إلا بعد الرجوع والاتفاق مع حكومتى بريطانيا ومصر.
وفى ديسمبر عام 1906، وقعت بريطانيا وفرنسا وإيطاليا اتفاقا فى لندن بشأن الحبشة (إثيوبيا)، تضمن فى البند الرابع منه، موافقة الدول الثلاث على العمل معا لتأمين مصالح بريطانيا العظمى ومصر فى حوض النيل، وعلى الأخص تأمين وصول مياه النيل الأزرق وروافده إلى مصر.
وفى 7 مايو عام 1929 وافق المندوب السامى البريطانى على المذكرة التى أرسلها رئيس وزراء مصر محمد محمود باشا بشأن مياه النيل، وبذلك أصبحت اتفاقية مياه النيل سارية منذ ذلك التاريخ، علما بأن موافقة وتوقيع الجانب البريطانى على تلك الاتفاقية كان نيابة عن الإدارات الحكومية البريطانية القائمة فى كل من السودان وأوغندا وكينيا وتنجانيقا (اتحدت تنجانيقا مع جزير زنجبار وكونتا اتحاد تنزانيا الحالي). وأهم ما تنص عليه اتفاقية عام 1929 هو تحديد حق مصر المكتسب من مياه النيل أى حصتها السنوية بمقدار 48 مليار متر مكعب، كما أكدت الاتفاقية على أن لمصر نصيبا فى كل زيادة تطرأ مستقبلا على موارد النهر فى حالة القيام بمشروعات جديدة فوق النيل أو روافده الاستوائية أو الإثيوبية.
وطبقا لقاعدة «الاستخلاف» فى العلاقات الدولية، فإن مصر ورثت تلك الاتفاقيات من دولة الاحتلال (بريطانيا) بعد إزاحة احتلالها البغيض لمصر، ومن بينها الاتفاقيات الخاصة بضمان تدفق الروافد الإثيوبية لنهر النيل إلى السودان ومصر دون أى انتقاص من إيراداتها المائية. وكانت مصر قد أضافت لحصتها نحو 7.5 مليار متر مكعب لتصبح 55.5 مليار متر مكعب بعد بناء السد العالى وإنقاذ مياه الفيضان التى كانت تتبدد فى البحر، بينما حصل السودان وفقا للاتفاق الذى وقعته مصر والسودان فى 8 نوفمبر 1959 على 14.5 مليار متر مكعب من ذلك المشروع الذى تكفلت مصر وحدها بكل تكاليفه، بما فى ذلك التعويضات التى قُدمت لأهل النوبة السودانية، لتصبح الحصة السودانية 18.5 مليار متر مكعب.
وترتيبا على الاتفاقيات المشار إليها آنفا فإن حصة مصر من مياه النيل ومن الروافد الإثيوبية محمية باتفاقات دولية تعزز موقف مصر لدى أى لجوء للتحكيم الدولى وللأمم المتحدة. كما أن استخدام مصر لكل قطرة من حصتها من مياه النيل، بل واضطرارها للنزح الجائر من مخزون المياه الجوفية، واضطرارها لاستخدام مياه الصرف المعالج المتدنية النوعية يعزز موقفها فى اى تحكيم دولي. وتشكل إيرادات النيل الأزرق عند أسوان نحو 57% من إجمالى الإيراد السنوى لنهر النيل عند أسوان، ونحو 86.5% من حصة مصر الصافية من مياه النيل (بعد خصم فواقد البخر)، ونحو 65% من مجموع حصتى مصر والسودان الصافيتين من إيراد النيل عند أسوان بعد خصم فواقد البخر.
أما الأمر الثانى المتعلق بسد النهضة فإن مصر تتفهم تماما حاجة إثيوبيا لاستغلال مساقط المياه على النيل الأزرق لتوليد الكهرباء، شرط ألا يمس ذلك حقوق مصر فى مياه النهر. وعدم المساس هذا يتطلب قبول اثيوبيا بحجم تخزين أقل ومدة أطول لملء خزان أو بحيرة سد النهضة. وهذا الأمر يمكن ترتيبه فنيا من خلال قياس الكمية المحتجزة سنويا كنسبة لا تزيد على 10% من رصيد المخزون الفائض عن الاستخدام السنوي. وذلك المخزون الفائض تراكم كاحتياطى استراتيجى أو كبنك مركزى للمياه فى السنوات التى زاد إيراد النيل فيها عن المتوسط المقدر عند أسوان بنحو 84 مليار متر مكعب. وربما يكون من الأكثر ملاءمة أن يتم ملء خزان تبلغ طاقته الاستيعابية 50 مليار متر مكعب بدلا من 74 مليار متر مكعب وفقا للمخطط الراهن. وهذا الملء التدريجى يحتاج عشر سنوات على الأقل حتى لا يضر بالمصالح الحيوية لمصر. كما أنه لو جاءت إيرادات النيل فى أى عام اقل من المتوسط فإن ذلك سيستدعى تخفيض أو إيقاف احتجاز أى مياه جديدة فى بحيرة سد النهضة بصورة مؤقتة.
مفاوضات الفرصة الأخيرة
يجب أن تكون المفاوضات المصرية مع إثيوبيا والسودان فى أواخر الشهر الحالى فرصة أخيرة ونهائية للحل الودى لقضية سد النهضة، وبعدها لابد لمصر أن تلجأ فورا لخيار التحكيم الدولى وتفعيل كل الخيارات التى تحمى مصالح مصر وحياة شعبها. لقد اهتمت مصر دائما بعدالة توزيع مياه النيل، واقتطعت من لحمها الحى لتمول بناء مشروعات لإنقاذ مياه النيل من التبدد فى المستنقعات أو البحر. ولو فعلت باقى دول حوض النيل الأمر نفسه يمكن مضاعفة الإيرادات المائية لنهر النيل وتوزيعها بشكل عادل وكاف للجميع. واستندت مصر إلى الاستخدام التاريخى الفعلى للمياه وارتباط حياة البشر والزرع والماشية بهذا الاستخدام، وليس مجرد التدفق التاريخى للمياه. إنها باختصار تتبنى منطقا عادلا تماما فى هذا الشأن.
وكانت بعض التصريحات الغريبة وغير المنطقية قد ترددت عن تصريح أحد المسئولين الإثيوبيين بأن مصر أضعف من أن تدخل فى مواجهة مع إثيوبيا بسبب سد النهضة. وحسنا فعلت إثيوبيا بنفى تلك التصريحات المنسوبة لمسئوليها لأنها غير لائقة ولا تمت لحقائق الواقع بصلة.

مصر وإثيوبيا.. مقارنة للتذكير
من باب التذكير بحقائق الجغرافيا والاقتصاد فإن إثيوبيا هى دولة داخلية لا تملك حدودا بحرية، وهى نقطة ضعف جغرافية خطيرة لأى دولة. وتتحكم جيبوتى واريتريا والصومال فى المنافذ البحرية التى تربط إثيوبيا بالعالم. وإثيوبيا اسمها التاريخى هو «الحبشة» ومعناها الخليط نتيجة وجود عدد كبير من القبائل والأعراق فيها. وبلغ عدد سكانها عام 2014 نحو 97 مليون نسمة. ووفقا لبيانات البنك الدولى فى تقريره عن مؤشرات التنمية فى العالم (2015)، بلغ الناتج القومى الإجمالى لإثيوبيا نحو 53.2 مليار دولار، مقارنة بنحو 273.1 مليار دولار لمصر. وبلغ متوسط نصيب الفرد من الدخل القومى فى إثيوبيا نحو 550 دولارا، مقارنة بنحو 3050 دولارا للفرد فى مصر عام 2014. ولو تم احتساب الناتج القومى طبقا لتعادل القوى الشرائية فإنه بلغ فى إثيوبيا نحو 144.4 مليار دولار عام 2014، مقارنة بنحو 919.2 مليار دولار لمصر فى العام نفسه. وبلغ متوسط نصيب الفرد من الدخل القومى طبقا لتعادل القوى الشرائية نحو 1490 دولار فى إثيوبيا، مقارنة بنحو 10260 دولارا فى مصر. وبلغت تدفقات الاستثمار الأجنبى المباشر لإثيوبيا نحو 1.2 مليار دولار عام 2014 مقارنة بنحو 4.8 مليار دولار لمصر رغم الظروف التى تمر بها. وبلغ رصيد الاستثمارات الأجنبية المباشرة المتراكمة فى إثيوبيا نحو 7.3 مليار دولار فى إثيوبيا، مقارنة بنحو 87.9 مليار دولار فى مصر.وتبلغ الديون الخارجية لإثيوبيا نحو 12.6 مليار دولار تعادل نحو 26.8% من الناتج القومى الإثيوبى عام 2013، فى حين تبلغ الديون الخارجية لمصر نحو 44.4 مليار دولار تعادل 16.7% من الناتج القومى الإجمالى لمصر فى العام نفسه. وأكثر من ثلاثة أرباع سكان إثيوبيا تحت خط الفقر، مقارنة بنحو 27 % فى مصر. وتحقق إثيوبيا واحدا من أفضل معدلات النمو فى الوقت الراهن حيث بلغ معدل النمو الحقيقى لناتجها المحلى الإجمالى نحو 10.5% سنويا فى المتوسط من عام 2007 حتى عام 2014، مقارنة بنحو 4% سنويا فى المتوسط بالنسبة لمصر فى الفترة نفسها التى مرت مصر خلالها بثورة يناير وما تلاها.
بعيدا عن المسار الإثيوبي.. الترشيد والتنمية
بغض النظر عن مسار التفاوض أو التحكيم مع إثيوبيا فإن مصر يجب أن تبدأ فورا فى ترشيد استهلاك المياه داخليا والتحول إلى الرى بالتنقيط والرش للمحاصيل التى يمكن استخدام هاتين الطريقتين لريها، مع إعادة هيكلة التركيب المحصولى لتقليل المساحات المزروعة بالمحاصيل الشرهة للمياه. كما أن هناك ضرورة لطرح خطة شاملة لتطوير الإيرادات المائية لنهر النيل فى منابعة الاستوائية بالتعاون مع أوغندا وتنزانيا وكينيا وجنوب وشمال السودان، والبدء فى تنفيذ ما يمكن تنفيذه منها وبالذات فى أوغندا حيث يفقد النيل 20 مليار متر مكعب فى مستنقعات وبحيرة كيوجا، وكذلك جنوب السودان حيث يفقد النيل نحو 17.5 مليار متر مكعب فى مستنقعات بحر الجبل ونهر النعام فى جنوب السودان، ونحو 15 مليار متر مكعب فى حوض بحر الغزال. وكل تلك المياه المفقودة يمكن أن تكون موضوعا لمشروعات كبرى لتطوير الإيرادات المائية لنهر النيل . وتلك المشروعات ضرورية لمصر وباقى دول الحوض لأن احتياجات تلك الدول وضمنها مصر أكبر كثيرا من حصصها الراهنة من مياه النيل.
لمزيد من مقالات أحمد السيد النجار


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.