منحة كورية لتطوير تكنولوجيا صيانة السيارات الخضراء بقيمة 10 ملايين دولار    الدولار يرتفع بعد خلو خطاب ترامب من موعد محدد لوقف حرب إيران    محافظ أسيوط: توزيع 408 رأس أغنام على الأسر المستحقة بالقوصية والفتح ومنفلوط    تداول 21 ألف طن بضائع بموانئ البحر الأحمر    أمريكا لن تشارك.. 36 دولة برئاسة بريطانيا تجتمع اليوم للتنسيق لفتح "هرمز"    أسعار الذهب تتراجع 4% إلى 4580 دولارا للأونصة    "صدق عليه الكنيست".. مصر ودول عربية تدين قانون الإعدام في الضفة الغربية على الفلسطينيين    وزير الصحة يتابع تداعيات حادث المنوفية.. ويكلف نائبه بالتأكد من تقديم أقصى درجات الرعاية    السيطرة على حريق داخل برج سكني بطامية في الفيوم دون خسائر بشرية    دعاء للمسافرين وقت العواصف الترابية وانعدام الرؤية.. الشيخ أحمد خليل يحذر ويُوجه المسلمين للحذر والدعاء    المستشار حامد شعبان سليم يكتب عن : "الوقت" !?    طريق الأمل يبدأ من اليقين.. أفضل سبل تعامل أسرة الطفل المصاب بالتوحد مع المرض    فصل الكهرباء عن قرى ببيلا في كفر الشيخ 5 ساعات اليوم    طقس سيئ يضرب الشرقية والمحافظ يعلن الطوارئ القصوى    تفريغ كاميرات المراقبة بعيادة طبيب متهم بالتحرش بعاملة في مدينة نصر    السيسي وبوتين يقودان تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين القاهرة وموسكو.. محطة الضبعة النووية والمنطقة الصناعية الروسية بقناة السويس والطاقة والسياحة والقطاع الغذائي أبرزها    قائد الجيش الإيراني: من الضروري مراقبة تحركات العدو وأفعاله بدقة وحذر شديد    قصف جوي يستهدف مقر الحشد الشعبي في نينوى بالعراق    هيئة المسح الجيولوجى الأمريكية ترصد موجات تسونامى بعد زلزال ضرب إندونيسيا    مواعيد مباريات الخميس 2 أبريل- مصر أمام ليبيا في شمال إفريقيا للناشئين.. ودوري المحترفين    بعد التعادل مع إسبانيا.. عودة بعثة منتخب مصر إلى القاهرة    جامعة العاصمة تهنئ الطالب يوسف عمرو عبد الحكيم بعد التتويج بذهبيتي إفريقيا لسيف المبارزة    4 مباريات في افتتاح الجولة ال 28 من دوري المحترفين    طارق سليمان: مصطفى شوبير حجز مكانه في التشكيل الأساسي للمنتخب بكأس العالم    محافظ جنوب سيناء يتفقد أعمال تطوير مدرسة فيران الثانوية الصناعية    ارتفاع سعر الدولار الأمريكي أمام الجنيه في بداية تعاملات اليوم    محافظ المنوفية ينتقل إلى موقع حادث السادات الذي أسفر عن مصرع 8 أشخاص وإصابة 4 آخرين    هام من وزارة المالية بشأن زيادة الأجور من أول يوليو| ماذا قال كجوك؟    أسعار الأسماك بأسواق مطروح اليوم الخميس 2-4-2026 .. التونة ب 200 جنيه    بدء إنتاج السيارة كوينج سيج جيميرا بعد 6 سنوات من الانتظار    وزير الصحة يتابع التداعيات الصحية للتقلبات الجوية: لا وفيات واستقرار حالة المصابين    حكومة أبوظبي: أضرار بمحيط مناطق خليفة الاقتصادية بعد اعتراض صاروخ إيراني    «مصر وصراعات الشرق الأوسط».. ندوة فكرية تناقش تحديات الأمن القومي العربي    إسلام عفيفي يكتب: خطاب الكراهية وتكسير المناعة العربية    تعرف على التشكيل الكامل للجان المجلس الأعلى للثقافة لعام 2026    محافظ الدقهلية يتفقد مستشفى شربين لمتابعة انتظام العمل خلال الفترة الليلية    من شجرة السباجيتي إلى خدع جوجل.. اعرف أشهر حكايات «كذبة أبريل»    روبرت باتينسون يبدأ تصوير مشاهده في فيلم The Batman 2 الأسبوع المقبل    بعثة منتخب مصر تصل القاهرة بعد مواجهة إسبانيا وديًا    استمرار أعمال شفط وسحب تراكمات مياه الأمطار بمناطق الجيزة.. صور    بعد خطاب الرئيس الأمريكي.. إيران تشن هجومًا صاروخيًا واسعًا على إسرائيل    سلوك خطير، "الصحة العالمية" تحذر من تبادل الأدوية بين المرضى    رياح قوية تطيح بشجرة وعمود إنارة في شارع رمسيس بالمنيا    نائب بالشيوخ: خبرة ترامب في الأعمال تؤثر على قراراته السياسية    أحمد زكي يكتب: زلزال "أحمديات" سقط القناع عن شيطان "تقسيم" المنطقة!    نقابة الصحفيين تصدر بيان بشأن تصوير جنازة والد حاتم صلاح    محافظ قنا يعلن تعطيل الدراسة بجميع المدارس والمعاهد الأزهرية ومدارس التمريض بسبب حالة الطقس السيء    علي قاسم يرصد تحولات الفن السابع في كتاب سيرة السينما في مائة عام    2026 عام التكريمات فى مشوار الفنانة القديرة سهير المرشدى.. من عيد الثقافة مرورا بتكريمها من السيدة انتصار السيسي وختاماً مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية.. وتؤكد: المسرح علمنى الإلتزام والانتباه لقيمة الوقت    ليلة شتوية مرعبة.. حين يتحول الحنين إلى خوفٍ صامت    أحمد هشام يحقق الميدالية البرونزية ببطولة العالم للسلاح بالبرازيل    التعليم: تأجيل امتحانات الشهر المقررة غدا في كل المحافظات التي لم تعلن تعطيل الدراسة    صحيفة فرنسية: رينارد يطلب رسميا الرحيل عن منتخب السعودية    تأجيل الامتحانات مع استمرار الدراسة بسبب الطقس السيئ في بورسعيد    الصحة: التطعيم ضد فيروس HPV خط الدفاع الأول للوقاية من سرطان عنق الرحم    اللهم صيبًا نافعًا.. دعاء المطر وفضل الدعاء وقت الغيث    «الأوقاف» تحدد موضوع خطبة الجمعة عن رعاية اليتيم وترشيد الكهرباء    دار الإفتاء عن كذبة أبريل: المسلم لا يكون كذابا حتى ولو على سبيل المزاح    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



سد النهضة والمواجهة الضرورية لسياسة الأمر الواقع

مرة أخرى تعود قضية سد النهضة إلى صدارة المشهد فى قضايا المياه وعلاقات مصر الخارجية بعد انتهاء المفاوضات المصرية-السودانية-الإثيوبية فى الخرطوم دون اتفاق على القضايا المعلقة بشأن ذلك السد. والحقيقة أن ما يدهشنى ليس المماطلة وإطالة أمد التفاوض والتعنت الإثيوبى الطويل الأجل والممتد لأربعة أعوام والذى يتجاهل الاتفاقيات السابقة والقواعد التى تحكم العلاقات بين الدول المتشاركة فى أى نهر دولي، وإنما تأخر لجوء مصر إلى الأمم المتحدة والتحكيم الدولي. فالأنهار الدولية التى تشترك فى الانتفاع بها أكثر من دولة محكومة بالقانون والأعراف الدولية.
وربما يكون التطور الوحيد فى الموقف الإثيوبى هو الانتقال من التصريحات العدائية التى تفيد بأن بناء سد النهضة هو عمل من أعمال السيادة ولا علاقة لأى دولة به وأنهم يفعلون ما فعلته مصر عندما بنت السد العالي، إلى تصريحات أكثر ليونة حول التشاور مع مصر والسودان. لكن التصريحات اللينة تتحول إلى نوع من المراوغة الطويلة الأجل طالما أنها لا تقترن بالتوقيع على اتفاقيات تحفظ الحقوق التاريخية للشركاء فى النهر وتخضع تنفيذ السد وفترة ملء خزانه أو بحيرته لاعتبارات مصالح وحقوق هؤلاء الشركاء.
والحقيقة أن الحديث عن أى تشابه بين سد النهضة والسد العالى لا يتسم بأى قدر من الوجاهة العلمية والقانونية. فمصر عندما قامت ببناء السد العالى كانت تنقذ مياها تذهب سدى إلى البحر المتوسط لأنها دولة المصب ولا يوجد بعدها دول أخرى على مجرى النهر يمكن أن تتأثر ببناء السد. أما إثيوبيا فهى دولة منبع وأى تصرف لها على روافد النيل يؤثر على دولتى المجرى الأوسط والمصب أى السودان ومصر، وبالتالى لا يحق لها القيام بأى أعمال على روافد النهر تؤثر فى حجم المياه المتدفقة منها إلا بالتشاور مع الدول التالية لها على مجرى النيل وروافده أى مصر والسودان. كما أن مصر أقدمت على بناء السد العالى لأنها كانت فى أمس الحاجة لكل قطرة مياه إضافية لدرجة أنها ظلت حتى تسعينيات القرن العشرين تقترض 4 مليارات متر مكعب من حصة السودان حيث كانت الأخيرة لا تستخدمها لأنها فائضة عن حاجتها قبل أن تبدأ فى استخدامها لخدمة التوسع الزراعى.
الوضع المائى فى مصر وإثيوبيا
تبلغ احتياجات مصر من المياه فى الوقت الراهن أكثر من 70 مليار متر مكعب. ولا يتوافر لدى مصر مياه نقية متجددة من نهر النيل سوى حصتها البالغة 55.5 مليار متر مكعب. وتضطر مصر لاستخدام مياه الصرف بعد معالجتها وتنقيتها، وهى مياه تظل أقل نوعية ولها آثار جانبية على التربة. كما تضطر لنزح كميات كبيرة من خزان المياه الجوفية المتجددة وغير المتجددة بصورة مرهقة لذلك الخزان ويمكن أن تصيب أجزاء منه بالتملح سريعا رغم أنه من المفترض أن يحفظ ذلك الخزان كاحتياطى استراتيجي. أى أن كل قطرة مياه تحصل عليها مصر من حصتها وحقوقها التاريخية فى مياه النيل تساوى حياة وترتبت عليها بالفعل حياة البشر والزرع والماشية.
وبالمقابل فإن إثيوبيا لديها مصادر مياه داخلية متجددة تبلغ 122 مليار متر مكعب استخدمت منها نحو 5.6 مليار متر مكعب فقط عام 2013 حسب بيانات البنك الدولى فى تقريره عن مؤشرات التنمية فى العالم (2015). ويتدفق منها نحو 75 مليار متر مكعب إلى مصر والسودان عبر أنهار السوباط والنيل الأزرق وعطبرة ليتبقى نحو 41.4 مليار متر مكعب قابلة للاستخدام ولا يتم استخدامها فعليا فى إثيوبيا. وأكثر من ثلث تلك المياه عبارة عن إيرادات نهرى جوبا وشبيلى اللذان يتدفقان من إثيوبيا إلى الصومال وتنتهى مياههما إلى المحيط الهندى حيث لا يستخدم منها سوى جزء محدود. أما الجزء الباقى من المياه الفائضة فهو موجود فى إثيوبيا من خلال عدد كبير من الأنهار الصغيرة والمتوسطة، فضلا عن المخزون الهائل من المياه الجوفية المتجددة التى تغذيها الأمطار الموسمية الغزيرة التى تسقط على إثيوبيا فى الفترة من مايو حتى أكتوبر سنويا والتى تبلغ أقصى مستويات غزارتها خلال شهور الصيف.
وهذا يعنى بوضوح أن إثيوبيا لا تحتاج إلى مياه النيل. بل إنها يمكن أن تزيد رصيدها من المياه بإقامة مشروع لإنقاذ مياه النيل من التبدد فى منطقة مستنقعات مشار على نهر البارو وهو الرافد الرئيسى لنهر السوباط. وفى تلك المستنقعات تضيع أربعة مليارات متر مكعب يمكن إنقاذها.
وترتيبا على ذلك فإن حسن النيات يفترض أن تقوم إثيوبيا باستقامة وبشكل مباشر لا يحتمل المراوغة أو التأجيل بتوقيع اتفاق بعدم المساس بأى قطرة من حصة مصر من مياه النيل. وهذا الحق مدعوم باتفاقات سابقة مع إثيوبيا يمكن الاستناد إليها فى اى تحكيم دولي. أما الأمر الثانى والذى يخص سد النهضة فيتعلق بحجم خزان السد، وفترة ملء هذا الخزان.
الاتفاقيات الدولية تضمن حقوق مصر عند التحكيم
بالنسبة لحقوق مصر فى مياه النيل وبالتحديد فى المياه المتدفقة من المنابع الإثيوبية، فإن مصر لديها اتفاقات تضمن تلك الحقوق. وكانت بريطانيا التى احتلت مصر عام 1882، قد وقعت فى 15 أبريل عام 1891، بروتوكولا مع إيطاليا التى كانت تحتل إريتريا، تعهدت فيه إيطاليا بعدم إقامة أى منشآت لأغراض الرى على نهر عطبرة. وهو نهر ينبع رافداه الكبيران «نهر ستيت وبحر السلام» من إثيوبيا ويبلغ إيراده المائى نحو 13 مليار متر مكعب يصل منها نحو 11.5 مليار متر مكعب عند أسوان. وهو نهر موسمى الجريان ويكون قويا فى موسم فيضانه الصيفى ولون مياهه قاتم لكثرة الطمى الذى يحتويه وهو السبب فى تسميته «عطبرة» التى تعنى الأسود. أما فى موسم الجفاف فإنه يكاد يكون نهرا ميتا أو واديا جافا لأنه ليس له منبع يرفده بمياه دائمة.
كما وقعت بريطانيا اتفاقية مع اثيوبيا فى 15 مايو عام 1902. تعهد فيها منليك الثانى ملك اثيوبيا بألا يقوم بإنشاء أو يسمح بإنشاء أعمال على النيل الأزرق أو بحيرة تانا أو نهر السوباط من شأنها الحد من تدفق المياه منها إلى مصر والسودان إلا بعد الرجوع والاتفاق مع حكومتى بريطانيا ومصر.
وفى ديسمبر عام 1906، وقعت بريطانيا وفرنسا وإيطاليا اتفاقا فى لندن بشأن الحبشة (إثيوبيا)، تضمن فى البند الرابع منه، موافقة الدول الثلاث على العمل معا لتأمين مصالح بريطانيا العظمى ومصر فى حوض النيل، وعلى الأخص تأمين وصول مياه النيل الأزرق وروافده إلى مصر.
وفى 7 مايو عام 1929 وافق المندوب السامى البريطانى على المذكرة التى أرسلها رئيس وزراء مصر محمد محمود باشا بشأن مياه النيل، وبذلك أصبحت اتفاقية مياه النيل سارية منذ ذلك التاريخ، علما بأن موافقة وتوقيع الجانب البريطانى على تلك الاتفاقية كان نيابة عن الإدارات الحكومية البريطانية القائمة فى كل من السودان وأوغندا وكينيا وتنجانيقا (اتحدت تنجانيقا مع جزير زنجبار وكونتا اتحاد تنزانيا الحالي). وأهم ما تنص عليه اتفاقية عام 1929 هو تحديد حق مصر المكتسب من مياه النيل أى حصتها السنوية بمقدار 48 مليار متر مكعب، كما أكدت الاتفاقية على أن لمصر نصيبا فى كل زيادة تطرأ مستقبلا على موارد النهر فى حالة القيام بمشروعات جديدة فوق النيل أو روافده الاستوائية أو الإثيوبية.
وطبقا لقاعدة «الاستخلاف» فى العلاقات الدولية، فإن مصر ورثت تلك الاتفاقيات من دولة الاحتلال (بريطانيا) بعد إزاحة احتلالها البغيض لمصر، ومن بينها الاتفاقيات الخاصة بضمان تدفق الروافد الإثيوبية لنهر النيل إلى السودان ومصر دون أى انتقاص من إيراداتها المائية. وكانت مصر قد أضافت لحصتها نحو 7.5 مليار متر مكعب لتصبح 55.5 مليار متر مكعب بعد بناء السد العالى وإنقاذ مياه الفيضان التى كانت تتبدد فى البحر، بينما حصل السودان وفقا للاتفاق الذى وقعته مصر والسودان فى 8 نوفمبر 1959 على 14.5 مليار متر مكعب من ذلك المشروع الذى تكفلت مصر وحدها بكل تكاليفه، بما فى ذلك التعويضات التى قُدمت لأهل النوبة السودانية، لتصبح الحصة السودانية 18.5 مليار متر مكعب.
وترتيبا على الاتفاقيات المشار إليها آنفا فإن حصة مصر من مياه النيل ومن الروافد الإثيوبية محمية باتفاقات دولية تعزز موقف مصر لدى أى لجوء للتحكيم الدولى وللأمم المتحدة. كما أن استخدام مصر لكل قطرة من حصتها من مياه النيل، بل واضطرارها للنزح الجائر من مخزون المياه الجوفية، واضطرارها لاستخدام مياه الصرف المعالج المتدنية النوعية يعزز موقفها فى اى تحكيم دولي. وتشكل إيرادات النيل الأزرق عند أسوان نحو 57% من إجمالى الإيراد السنوى لنهر النيل عند أسوان، ونحو 86.5% من حصة مصر الصافية من مياه النيل (بعد خصم فواقد البخر)، ونحو 65% من مجموع حصتى مصر والسودان الصافيتين من إيراد النيل عند أسوان بعد خصم فواقد البخر.
أما الأمر الثانى المتعلق بسد النهضة فإن مصر تتفهم تماما حاجة إثيوبيا لاستغلال مساقط المياه على النيل الأزرق لتوليد الكهرباء، شرط ألا يمس ذلك حقوق مصر فى مياه النهر. وعدم المساس هذا يتطلب قبول اثيوبيا بحجم تخزين أقل ومدة أطول لملء خزان أو بحيرة سد النهضة. وهذا الأمر يمكن ترتيبه فنيا من خلال قياس الكمية المحتجزة سنويا كنسبة لا تزيد على 10% من رصيد المخزون الفائض عن الاستخدام السنوي. وذلك المخزون الفائض تراكم كاحتياطى استراتيجى أو كبنك مركزى للمياه فى السنوات التى زاد إيراد النيل فيها عن المتوسط المقدر عند أسوان بنحو 84 مليار متر مكعب. وربما يكون من الأكثر ملاءمة أن يتم ملء خزان تبلغ طاقته الاستيعابية 50 مليار متر مكعب بدلا من 74 مليار متر مكعب وفقا للمخطط الراهن. وهذا الملء التدريجى يحتاج عشر سنوات على الأقل حتى لا يضر بالمصالح الحيوية لمصر. كما أنه لو جاءت إيرادات النيل فى أى عام اقل من المتوسط فإن ذلك سيستدعى تخفيض أو إيقاف احتجاز أى مياه جديدة فى بحيرة سد النهضة بصورة مؤقتة.
مفاوضات الفرصة الأخيرة
يجب أن تكون المفاوضات المصرية مع إثيوبيا والسودان فى أواخر الشهر الحالى فرصة أخيرة ونهائية للحل الودى لقضية سد النهضة، وبعدها لابد لمصر أن تلجأ فورا لخيار التحكيم الدولى وتفعيل كل الخيارات التى تحمى مصالح مصر وحياة شعبها. لقد اهتمت مصر دائما بعدالة توزيع مياه النيل، واقتطعت من لحمها الحى لتمول بناء مشروعات لإنقاذ مياه النيل من التبدد فى المستنقعات أو البحر. ولو فعلت باقى دول حوض النيل الأمر نفسه يمكن مضاعفة الإيرادات المائية لنهر النيل وتوزيعها بشكل عادل وكاف للجميع. واستندت مصر إلى الاستخدام التاريخى الفعلى للمياه وارتباط حياة البشر والزرع والماشية بهذا الاستخدام، وليس مجرد التدفق التاريخى للمياه. إنها باختصار تتبنى منطقا عادلا تماما فى هذا الشأن.
وكانت بعض التصريحات الغريبة وغير المنطقية قد ترددت عن تصريح أحد المسئولين الإثيوبيين بأن مصر أضعف من أن تدخل فى مواجهة مع إثيوبيا بسبب سد النهضة. وحسنا فعلت إثيوبيا بنفى تلك التصريحات المنسوبة لمسئوليها لأنها غير لائقة ولا تمت لحقائق الواقع بصلة.

مصر وإثيوبيا.. مقارنة للتذكير
من باب التذكير بحقائق الجغرافيا والاقتصاد فإن إثيوبيا هى دولة داخلية لا تملك حدودا بحرية، وهى نقطة ضعف جغرافية خطيرة لأى دولة. وتتحكم جيبوتى واريتريا والصومال فى المنافذ البحرية التى تربط إثيوبيا بالعالم. وإثيوبيا اسمها التاريخى هو «الحبشة» ومعناها الخليط نتيجة وجود عدد كبير من القبائل والأعراق فيها. وبلغ عدد سكانها عام 2014 نحو 97 مليون نسمة. ووفقا لبيانات البنك الدولى فى تقريره عن مؤشرات التنمية فى العالم (2015)، بلغ الناتج القومى الإجمالى لإثيوبيا نحو 53.2 مليار دولار، مقارنة بنحو 273.1 مليار دولار لمصر. وبلغ متوسط نصيب الفرد من الدخل القومى فى إثيوبيا نحو 550 دولارا، مقارنة بنحو 3050 دولارا للفرد فى مصر عام 2014. ولو تم احتساب الناتج القومى طبقا لتعادل القوى الشرائية فإنه بلغ فى إثيوبيا نحو 144.4 مليار دولار عام 2014، مقارنة بنحو 919.2 مليار دولار لمصر فى العام نفسه. وبلغ متوسط نصيب الفرد من الدخل القومى طبقا لتعادل القوى الشرائية نحو 1490 دولار فى إثيوبيا، مقارنة بنحو 10260 دولارا فى مصر. وبلغت تدفقات الاستثمار الأجنبى المباشر لإثيوبيا نحو 1.2 مليار دولار عام 2014 مقارنة بنحو 4.8 مليار دولار لمصر رغم الظروف التى تمر بها. وبلغ رصيد الاستثمارات الأجنبية المباشرة المتراكمة فى إثيوبيا نحو 7.3 مليار دولار فى إثيوبيا، مقارنة بنحو 87.9 مليار دولار فى مصر.وتبلغ الديون الخارجية لإثيوبيا نحو 12.6 مليار دولار تعادل نحو 26.8% من الناتج القومى الإثيوبى عام 2013، فى حين تبلغ الديون الخارجية لمصر نحو 44.4 مليار دولار تعادل 16.7% من الناتج القومى الإجمالى لمصر فى العام نفسه. وأكثر من ثلاثة أرباع سكان إثيوبيا تحت خط الفقر، مقارنة بنحو 27 % فى مصر. وتحقق إثيوبيا واحدا من أفضل معدلات النمو فى الوقت الراهن حيث بلغ معدل النمو الحقيقى لناتجها المحلى الإجمالى نحو 10.5% سنويا فى المتوسط من عام 2007 حتى عام 2014، مقارنة بنحو 4% سنويا فى المتوسط بالنسبة لمصر فى الفترة نفسها التى مرت مصر خلالها بثورة يناير وما تلاها.
بعيدا عن المسار الإثيوبي.. الترشيد والتنمية
بغض النظر عن مسار التفاوض أو التحكيم مع إثيوبيا فإن مصر يجب أن تبدأ فورا فى ترشيد استهلاك المياه داخليا والتحول إلى الرى بالتنقيط والرش للمحاصيل التى يمكن استخدام هاتين الطريقتين لريها، مع إعادة هيكلة التركيب المحصولى لتقليل المساحات المزروعة بالمحاصيل الشرهة للمياه. كما أن هناك ضرورة لطرح خطة شاملة لتطوير الإيرادات المائية لنهر النيل فى منابعة الاستوائية بالتعاون مع أوغندا وتنزانيا وكينيا وجنوب وشمال السودان، والبدء فى تنفيذ ما يمكن تنفيذه منها وبالذات فى أوغندا حيث يفقد النيل 20 مليار متر مكعب فى مستنقعات وبحيرة كيوجا، وكذلك جنوب السودان حيث يفقد النيل نحو 17.5 مليار متر مكعب فى مستنقعات بحر الجبل ونهر النعام فى جنوب السودان، ونحو 15 مليار متر مكعب فى حوض بحر الغزال. وكل تلك المياه المفقودة يمكن أن تكون موضوعا لمشروعات كبرى لتطوير الإيرادات المائية لنهر النيل . وتلك المشروعات ضرورية لمصر وباقى دول الحوض لأن احتياجات تلك الدول وضمنها مصر أكبر كثيرا من حصصها الراهنة من مياه النيل.
لمزيد من مقالات أحمد السيد النجار


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.