نائب الرئيس الأميركي: ترامب سيختار الحل العسكري مع إيران إذا لم يتبق سواه    الناقدة منال رضوان تكتب: من "أمير البيان" إلى اليوم.. مصر وتركيا لقاء صاغه التاريخ وتجدده الرؤى الحديثة    طريقة عمل بيكاتا الفراخ بخطوات سهلة وغير مكلفة    قوات الاحتلال تغلق الشارع الرئيسي قرب بلدية جناتة جنوب بيت لحم بالسواتر الترابية    مقتل شخص وإصابة آخرين بانفجار سيارة قرب حيفا في إسرائيل    زيلينسكي يكشف عدد قتلى أوكرانيا خلال الحرب مع روسيا    أمين عام منظمة التعاون الرقمي: الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل القطاعات الاقتصادية    العلاقات المصرية التركية وأفاق الشراكة    اليوم، قطع المياه عن مدينة إدفو بأسوان لمدة 10 ساعات    غوتيريش يعتبر انتهاء معاهدة نيو ستارت لحظة عصيبة    أسعار ومواصفات سيارات BYD الكهربائية داخل السوق المصري    بان على حقيقته، تصعيد خطير بين إمام عاشور والأهلي والإدارة تمنحه الضوء الأخضر (فيديو)    «كارثة في كل بيت».. «الشيوخ» يدق ناقوس الخطر حول هواتف الأطفال    ياسمين الخطيب تطل ببرنامج ورا الشمس في رمضان 2026    تراجع الأسهم الأمريكية في تعاملات الظهيرة بسبب انخفاض أسهم شركات التكنولوجيا    مقتل شاب على يد صديقه خلال مشاجرة بسبب خلافات مالية بينهما فى شبين القناطر    المؤبد وغرامة نصف مليون جنيه.. سقوط تاجر السموم بشبرا الخيمة في قبضة العدالة    نملة تُوقظ نبيًّا.. قصة بدأت بنملة وانتهت بحكمة إلهية    «الصاحب سند».. لقطة عفوية تجمع رضوى الشربيني وآن الرفاعي في ختام «هي وبس» (فيديو)    دعاء أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في شعبان    أمن أسيوط يكثف جهوده لكشف غموض العثور على جثة طالبة    معهد التغذية يدق ناقوس الخطر: المشروبات الغازية تعرض الأطفال ل 3 أمراض    تفشي الحصبة في الأمريكتين يدفع «باهو» لإطلاق إنذار وبائي... والمكسيك تسجل أعلى الإصابات    السيطرة على حريق منزل بحي المناخ في بورسعيد    علماء وخبراء في ملتقى علمي بالإسكندرية: الاستزراع المائي مفتاح الأمن الغذائي.. والبحث العلمي بوابة الاستدامة    رفضت العودة فقتلها.. جنايات مطروح تحيل أوراق قاتل طليقته شنقًا إلى المفتي    مصرع سيدة أثناء عبورها شريط السكة الحديد فى طلخا بالدقهلية    "سقط فوقهم جدار منزل".. وفاة سيدة وإصابة 3 آخرين أثناء تقديم واجب عزاء في البحيرة    ريال سوسيداد يحقق ريمونتادا أمام ألافيس ويتأهل لنصف نهائي كأس ملك إسبانيا    عمر مرموش: كنت أحلم بتسجيل الهاتريك.. وهدفنا تحقيق لقب كأس الرابطة    وزيرة التنمية المحلية ووزير التموين ومحافظ الدقهلية يفتتحون اليوم معرض "أهلا رمضان" بالمنصورة    مدرب كامويش السابق: لاعب رائع لكنه بحاجة لزيادة قدراته التهديفية    مصرع شاب وإصابة آخر فى حادث انقلاب موتوسيكل على طريق الرحمانية بالبحيرة    صبحي يهنئ منتخب مصر لكرة السلة على الكراسي المتحركة بفضية البطولة العربية    مصدر من الأهلي ل في الجول: مهاجم كاميروني تحت السن يخوض معايشة مع الفريق    النيابة الإدارية تُحدد موعد حلف اليمين القانونية لمعاوني النيابة الجدد    نيبينزيا: يجب حرمان داعش من تقنيات الاتصالات الفضائية والطائرات المسيرة    أحمد عبد اللطيف ل«البوابة نيوز»: «بلوغ روايتي للقائمة القصيرة شرف كبير والجائزة العالمية للرواية العربية هي الأهم عربيًا»    الفنانة نهال القاضي تدخل في غيبوبة بعد تعرضها لحادث سير    الخطر الحقيقي يبدأ، أمير كرارة يروج لمسلسل رأس الأفعى    غرفة السياحة: 7 فبراير آخر موعد لاستخراج شهادة الاستطاعة الصحية للحجاج    في محاولة لإعادة تمويل استحقاقات سابقة .. "المركزي "يطرح أذون خزانة بقيمة950 مليون دولار ؟!    كأس الرابطة الإنجليزية - موعد نهائي أرسنال ضد مانشستر سيتي والقناة الناقلة    4 مكاسب من فوز الزمالك على كهرباء الإسماعيلية.. تعرف عليها    الصحة: تكثيف الرقابة على المنشآت الطبية وبخاصة التي تتعامل مع الصحة النفسية    طريقة عمل البسكويت بالجبنة، وجبة خفيفة سريعة التحضير    دعاء إبراهيم ل «البوابة نيوز»: وصول روايتي للقائمة القصيرة للجائزة العالمية فوز حقيقي أهديه لصغاري    مدير أوقاف شمال سيناء يكرم حفظة القرآن الكريم بمسجد السيدة حليمة السعدية بالعريش    حزب الشعب الجمهوري يفتتح ورش عمل آليات العمل البرلماني والميداني    خبير تربوي يضع روشتة ل التعليم للسيطرة على فوضي الإدمان الرقمي    عبد السند يمامة: مستمر في رئاسة الهيئة البرلمانية للوفد بمجلس الشيوخ    تعليم الشرقية: جاهزية المدارس للفصل الدراسي الثاني على رأس الأولويات    وكيل تعليم كفر الشيخ يعلن إجراء المقابلات مع المتقدمين للوظائف الإشرافية    المستشار حامد شعبان سليم يكتب عن : ربنا الله !?    خالد الجندى يوضح الفرق بين الجدل المحمود والمذموم    احتفالية الأزهر باليوم العالمي للأخوة الإنسانية تؤكد مركزية القيم الأخلاقية في بناء السلم المجتمعي    إنتر ميلان يواجه تورينو في ربع نهائي كأس إيطاليا.. متابعة حصرية للبث المباشر والتشكيل المتوقع    رحيل والدة نورهان شعيب.. رسالة وداع مؤثرة تطلب فيها الدعاء وتكتفي بالعزاء هاتفيًا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



بريد الجمعة يكتبه : أحمد البرى
الطلاق بعد السبعين!
نشر في الأهرام اليومي يوم 09 - 07 - 2015

أكتب إليك آملا فى أن ترشدنى إلى الطريق الذى أسلكه للخروج من اليم الذى أغرق فيه،
فلقد أوشكت حياتى على الانهيار بعد أن تخطيت أنا وزوجتى سن السبعين، والسبب هو شطوحها، وعدم قدرتى على التفاهم معها، فالمحطات فى حياتنا كثيرة، ولكننا وصلنا إلى محطة فارقة هى التى دفعتنى إلى أن أبعث بهذه الرسالة لكى أضعك فى الصورة التى نحن عليها لتنظر فى الأمر، وتوجهنا برأيك.
وأعود إلى نقطة البداية، فلقد تزوجت زواجا تقليديا بفتاة من عائلة معروفة بإحدى قرى الشرقية، حيث كان العرف السائد وقتها هو أن يختار الأهل العروس لابنهم من أسرة طيبة تصلح للنسب، وكانت عائلتها والحق أقول من كبريات العائلات فى محافظتنا، وفى حفل الزفاف فوجئت بما لم يكن فى الحسبان، إذ لم يحضره أهلها بالكامل، باستثناء شقيق واحد لها رحمه الله بل إن المستلزمات الأساسية من السجاد والصينى والكعك كأمثلة لم تكن ضمن ما تأتى به العروس عادة يوم الفرح فى الأرياف، وبرغم استغراب أهلى الشديد لذلك، فإننى لم أعره اهتماما، ولم يصدر منى ما يجرحها بقانون العيب ، وبدأنا حياتنا بلا ثلاجة ، ولا غسالة، وقررت أن أكون عمليا، وركزت اهتمامى على هدف أسمى سعيت إلى تحقيقه، ونال كل اهتمامي، حيث حصلت على الثانوية العامة القسم العلمى منذ اثنين وخمسين عاما، ولضيق ذات اليد، عملت فنيا فى مصنع حربي، وأصررت على استكمال تعليمي، وحققت ما أردت بالسهر والعرق، فحصلت على بكالوريوس الهندسة، فى الوقت الذى واصلت فيه عملى بالمصنع من أجل توفير مستلزمات الحياة لأسرتي، ولم أكن أملك رفاهية التفكير فى حياتى الخاصة طوال سنوات الدراسة.
وأدركت منذ اليوم الأول لزواجنا أنها لا تتحمل أى مسئولية، بل تنفر من أى تكليف لها مهما يكن بسيطا، ولا أنسى أنها تركت البيت بعد خمسة أشهر فقط من الزواج، وذهبت إلى شقيقها الذى قلت لك انه الوحيد الذى حضر حفل الزفاف، وللحقيقة فإنه كان الوحيد العاقل فى أسرتها، فما أن وصلت الى منزله حتى اصطحبها معه، وجاءنى فى الحال ، فرويت له ما حدث أمامها. فسكتت، فاستغرب موقفها، وقال لها «لم يحدث ما يجعلك تتركين البيت، وليس معقولا مع كل كلمة أن تتصرف الزوجة بهذا الأسلوب»، ونهرها وعنفها، وحذرها من أن تفسد حياتها وبيتها.. وظل ذلك هو دأبه معها، أما باقى أهلها، فلا يهمهم إلا أنفسهم والاستيلاء على حقوق اخوتهم ، حتى أمهم ظلمت نفسها ولم تعدل بين أبنائها، وعلى هذا النحو سارت حياتنا، وتكررت الأخطاء ولكن سبق السيف العزل، إذ وضعت زوجتى طفلتنا الأولى بعد حمل سبعة أشهر ، وتلتها الثانية فى العام التالي، فهى لا ترضع الأطفال، والبركة فى اللبن الصناعي، إذ أقنعتها أختها بأن حبوب تنظيم النسل مسرطنة، ولذلك رفضت أن تتعاطاها وكانت النتيجة أنها أنجبت خمسة أولاد، ولم تبال بما قلته لها بأن مسألة الإنجاب تتطلب التنظيم ولا تكون بهذه الصورة التى تجر المتاعب، وأعترف بأننى عانيت حالة خوف وقلق على مستقبل الأولاد أكثر من اللازم كما يقولون وانعكست هذه الحالة علىّ شخصيا، ولكن متابعتى المستمرة لهم أسفرت عن تفوقهم، فصاروا مضرب الأمثال بمنطقتنا فى التعلم والأخلاق، وعبروا جميعا عقبة الثانوية العامة، بفضل الله وبمساعدتى لهم فى جميع المواد، وكنت فى معظم الأوقات أقوم بشغل البيت لتكرار غضب زوجتى بالشهور لدى شقيقها الذى فاض به الكيل منها.
وفكرت فى السفر إلى الخارج حتى أجنب أبنائى ما عانيته فى بداية حياتي، وتقدمت بطلب إجازة إلى إدارة المصنع الذى أعمل به، فرفضه المسئولون، واشترطوا للموافقة على سفرى أن أقدم استقالتي، فاستقلت وذهبت إلى بلد عربي، وعملت به، واستقرت أوضاعى الوظيفية فيه، ولكن ظل أولادى يسيطرون على تفكيري، إذ أعرف أن أمهم لن تراعيهم ، ولن تتابع أحوالهم سواء فى التعليم أو فى الحياة عموما، وحدث ما توقعته، فعندما رجعت فى الإجازة الصيفية، وسألت عن نتائج الأولاد وطلبت إطلاعى على شهاداتهم، قالت إنهم نجحوا، لكنى استشعرت أن فى الأمر شيئا غامضا، ولعدم ثقتى فى كلامها، وخوفى عليهم، خرجت وهى معى فى السيارة، ووجدتنى أذهب إلى كلية التجارة الخارجية فاستغربت أن أفعل ذلك، وقالت «إنت بتشكك فى كلامي» فرددت عليها «أريد أن يطمئن قلبى على التقدير الذى حصل عليه». فكانت الطامة الكبرى أنه راسب، وبعدها لم أدر بنفسي، وهرولت إلى باقى الكليات فوجدت إبنتى طالبة الهندسة راسبة، وبعدها ابنى الطالب بكلية العلاج الطبيعى راسبا، أما طالب الهندسة الآخر وطالبة الصيدلة، فوجدتهما ناجحين بتقدير.. وثرت عليها ثورة عارمة، ووجدتنى بين نارين، إما أن أرضى بالأمر الواقع وأبحث عن حل، أو أن أطردها، ووقتها لن أجد من يخدم الأولاد الخمسة وأفصحت لى عن أن الأولاد الثلاثة الراسبين لا يذهبون إلى كلياتهم، وأنهم يطلبون منها أن توقظهم صباحا، وعندما تأتيهم فى الموعد الذى أبلغوها به، يقولون لها «النهاردة إجازة مفيش محاضرات «وتكرر ذلك طول السنة» ولم أجد بدا من أن أكتم غيظي. وألزمت نفسى بمتابعتهم والشدة معهم، حتى تخرجوا جميعا.
وكان لدى اقتناع بأنه نظرا لظروف بلدنا، فإن من يملك شقة ولو على البلاط، يستطيع تكوين أسرة، حتى لو عاش على «الفول»، ومن هنا تدبرت أمرى مع شح الموارد. واشتريت قطعة أرض لمساحة شقة واحدة فى مكان يحلم به الكثيرون من نظراء أبنائي، وعملت «أكروبات» من أجل اقامة عقار عليها، فبعت ثلاث شقق منه، وبثمنها أقمت ستة أدوار، وخصصت لكل واحد من البنين شقة، وزوجت البنتين، ورفعت رأسيهما أمام الشابين اللذين ارتبطا بهما، ثم جاء الدور على الأولاد فزوجت اثنين منهم. كل واحد فى شقة كاملة التشطيب والأثاث بادئا حياته بلا أقساط، ولا متاعب. أما الولد الأخير وخوفا من أن ألقى المصير المحتوم قبل زواجه، فإننى وضعت له فى البنك نفس تكاليف شقيقيه بالإضافة إلى شقة على المفتاح.. كل هذا وأنا أصارع الأمواج وحدى دون سند من زوجتي، وأديت رسالتى نحو أبنائى ، وأصبحت خالى الوفاض، وانتهت السيولة المادية لدّى إلا من معاش بسيط لأن مدة خدمتى قصيرة.. وسوف تسألني: أين المشكلة إذن؟.. فأقول لك، لقد بدأت مشكلتنا منذ ثمانى سنوات، وقبل زواج الأولاد إذ طلبت زوجتى وقتها منى أن أبيع البيت، وكان المتبقى حينئذ ثلاث شقق وهى التى خصصتها للأولاد فيما بعد وبدروم، وأن تشترى بدلا منها شقة بجوار أختها فى مصر الجديدة من أجل «البرستيج» فرفضت، وقلت لها أين سيذهب الأولاد لكنها تمسكت بموقفها الغريب، وذهبت إلى ابنتنا الكبري. وأحالت حياتها إلى نكد لكثرة الحديث فى هذا الموضوع، لدرجة أن زوجها لم يطق هذا الوضع فطلقها ومعها أربعة أطفال، وتصورت أن زوجتى سوف تتراجع عن موقفها، لكنها أصرت عليه، وطلبت الطلاق.. «يا الله طلاق بعد السبعين».. أى والله «هذا ما أعانيه الآن، ولا أتخيل أبدا أن تلجأ زوجة إلى الطلاق فى هذه السن بلا سبب مقنع متناسية وضعنا الاجتماعي، ووضع أولادنا فى محيط معارفهم، وأسر زوجاتهم، وأقاربنا، وكل من لهم صلة بنا، ولم تفلح محاولاتى لإثنائها عن موقفها. فوسطت عمدة بلدتنا، ففشل هو الآخر فى إقناعها، ولم يستطع أهلها ممن لها علاقة بهم أن يغيروا موقفها غير المفهوم، ومازالت منذ خمس سنوات تريد الطلاق، وبصراحة فإننى أريد الإبقاء عليها ليس حبا فيها، ولكن من أجل صورتنا أمام الآخرين، وحتى أولادها لم تتعب فى تربيتهم، ولو أنها تعبت فيهم لما فكرت فى هدمهم. نعم يا سيدى إنها لا تفكر إلا فى الهدم حتى ونحن على شفا الرحيل، وأرجوك أن تبصرها بما هو غائب عنها، فلقد شل تفكيري، وصرت عاجزا عن حل الغاز زوجتي، ولك منى التحية والسلام.
ولكاتب هذه الرسالة أقول:
البناء القائم على أساس هش لا يصمد أمام الرياح، إذ سرعان ما يتصدع وقد ينهار تماما فى أى لحظة، وكذلك الزواج الذى يعتمد على الشكل دون الجوهر، مصيره الفشل، لكنك لم تدرك ذلك فنظرت أنت وأهلك الى العائلة الكبيرة ذات الاسم الشهير فى المنطقة التى تسكنون فيها، وخطبتها ممنيا نفسك بالحسب والنسب والحياة الرغدة، فإذا بك تكتشف عكس ما توقعته، فلم يحضر معظم أهلها حفل الزفاف لسبب لم تذكره، وفوجئت بأن عفش الزوجية خال من أدوات المطبخ وخلافه، وكذلك الأجهزة الكهربائية وغيرها من الأمور التى يتم الاتفاق عليها بين الأسرتين قبل اتمام عقد الزواج، والحقيقة أن الوضع ظل عالقا فى عقلك الباطن وتعاملت مع زوجتك على أساسه، فطاردك بمرور الأيام، وضرب سياجا من الخلافات بينكما، فلم تأمن جانبك، لكنها وبدلا من أن تضع النقاط على الحروف فيما يتعلق بمسيرة حياتكما، إذ بها تترك نفسها للحمل والولادة، وهى تظن أن الإنجاب سيكون القيد المكبل لك والذى يمنعك من التفريط فيها، ولذلك لم تستخدم حبوب تنظيم النسل، وتوقفت عن إرضاع أبنائها، ولجأت الى اللبن الصناعي.. وكلها شواهد على عدم الأمان الذى شعرت به.
ولقد ساهمت فى تعميق الفجوات بينكما بشدتك عليها، وأنت تعترف بذلك مبررا هذه الشدة بخوفك على مستقبل الأولاد، فهى لم تتابعهم، ولم تتأكد من انتظامهم فى الدراسة، فكانت النتيجة أن ثلاثة منهم رسبوا فى كلياتهم فى العام الذى سافرت فيه الى الخارج، ولكن عندما دققت المتابعة واحكمت الرقابة عليهم، نجحوا وتفوقوا وهو قول فيه مغالاة شديدة ويختزل دور الأم فى أنها لم تكن سوى وعاء للإنجاب، لا أكثر، وهو تفكير يخالف العقل والمنطق حتى وان شهدنا بدورك الكبير ورحلة كفاحك فى الحياة، فأبناؤكما لم يصلوا الى هذه الدرجة من التفوق لمجرد أنك تابعتهم، وشددت عليهم فقط، وانما حققوا ما هم فيه الآن من نجاح أيضا نتيجة جهد أم دؤوب سهرت وتعبت هى الأخري، وان اختلف دورها عن دورك.
وأحسب أنه كان بإمكانها أن تستوعبك، وأن تترفق بك وأنت تكافح فى الحياة، فلا تغضب كثيرا عند أهلها، أو تترك المنزل لأسباب تافهة كالخلاف فى الرأى أو شجار بسيط، أو سوء تفاهم فى موقف ما، وغير ذلك من الأسباب التى يمكن تجنبها بقليل من المرونة..
ونتيجة هذه التراكمات وصل الأمر الى نقطة الخلاف الحالية والمتعلقة بالشقة الفاخرة التى تقول انها سعت اليها من أجل الوجاهة الاجتماعية، ولكى تكون بجوار أختها فى الحى الراقي.. ولا أدرى ما الذى يدفعها الى ذلك الآن وبعد أن ولى العمر فى منزل الأسرة الذى شهد أجمل وأروع لحظات حياتكم، بزواج الأولاد والبنات، وفيه يلتئم شمل الجميع.
اننى استغرب موقفها بعد أن بلغتما هذه السن المتقدمة، وأقول لها، خير لك أن تجمعى شمل أبنائك فى بيت واحد، من أن تسكنى فى فيللا بأرقى الأحياء بعيدا عنهم، واذا كان زوجك قد أخطأ كثيرا فى حقك كما أعتقد فأرجو أن تصفحى عنه وأن تتقى الله فيه، فهو فى حاجة اليك بدليل أنه برغم كل ما جرى لم يفكر لحظة واحدة فى تطليقك، وجاءت المبادرة بطلب الطلاق منك، ومع ذلك فإنه يماطل منذ خمس سنوات فى الرضوخ لطلبك، ولو أنك تريدين الانفصال حقا لطلبت الخلع، لكنك لم تفعلى ذلك، وانما تطيلين أمد الخلاف بطلب الطلاق وأنتما مازلتما زوجين، فلماذا لا تلينى له جانبك وترحما نفسيكما، من العذاب النفسى وتفكك الأسرة، وتصلحا ما أفسدته الأيام بينكما.. إن صوت العقل والحكمة يقضى بأن تتداركا ما فات، وأن تصفحا عن بعضكما، ويكفى أن تكونا مطمئنى البال، فالراحة والطمأنينة بين الزوجين أفضل ما فى الدنيا، وليس المال ولا الجاه، ولا العقارات، ولا أى شيء آخر.
وتجرنا قضيتك الى الحديث عن التربية وتدليل البنت فى بيت أبيها، حتى اذا انتقلت الى بيت زوجها فوجئت بظروف وأوضاع مغايرة تماما لما كانت عليه، ولذلك تتعرض لصدمة نفسية تنعكس على سلوكها مع زوجها، حيث تثور وتغضب اذا لم يستجب لطلباتها معتبرة أنه لا يحبها، وبالتالى تتنصل من واجباتها كزوجة مما يزيد الأمور تعقيدا، وأى زوج لا يقبل التعامل مع زوجته بالطريقة التى كانت تعامل بها فى بيت أهلها، لذلك يجب على الأسر تدليل فتياتها باعتدال وبيان الصواب والخطأ لهن من خلال توجيههن، واشراكهن فى اتخاذ القرارات وأداء الواجبات على أكمل وجه، فالفتاة بهذه الطريقة تجمع بين الرقة والحساسية والقوة والصلابة والقدرة على تحمل المسئولية فى حياتها الجديدة لأن الزواج يحتاج إلى الصبر والتفاهم والثقة بمعنى أن يتخذ كل من الزوج والزوجة من شريك الحياة صديقا يبوح له بكل شيء سواء كان صوابا أو خطأ، لكى يتفاديا الأخطاء ويعمقا الايجابيات وتسير سفينة الحياة.
أما عن انقلاب بعض الزوجات وتطرفهن فى اختيار الطلاق فى سن متقدمة فإنه يرجع إلى عدم استمتاعهن بحياتهن الزوجية فى كل مرحلة من مراحل الحياة، وهناك من يشعرن بأن شبابهن ضاع هباء، وأن الحل الوحيد أمامهن هو الطلاق، والحياة بطريقة مختلفة عن التى كن يعشنها من قبل! وهو تصور خاطئ تماما.. وهذا كله مرده إلى غياب ثقافة التفاهم وعدم الاستمتاع بالوقت والحياة، حيث تشعر الكثيرات بأنهن يقتربن من الموت، ولم يحققن شيئا على المستوى الشخصي، ولذلك يلجأن إلى الطلاق.. ولا شك أن الوسطية تعنى أن نعيش الحياة لحظة بلحظة ونستمتع بكل مرحلة فيها حتى لا يأتى وقت نشعر فيه بأن حياتنا سرقت لمصلحة الآخرين سواء الزوج أو الأولاد، والحياة الزوجية حزمة مترابطة من المشاعر والمهام، وليست أشياء منفصلة تعلو فيها مصلحة كل طرف على مصلحة الطرف الآخر.
على جانب آخر فإن تمرد النساء بعد فترة من الزواج يكون نابعا من عدم رضائهن عن العلاقة الزوجية من الأصل، ولكنهن يصبرن إلى أن تنتهى مهمتهن الخاصة بتربية الأولاد وتزويجهم، ثم يفكرن فى الانفصال، وقد يكون السبب فيه نابعا من «قانون التراكمات» والمقصود به تراكم المشكلات الصغيرة داخل طرفى الزواج، خصوصا الزوجة وعدم التوجه لمعالجتها أو التخلص منها مما يجعلها بعد فترة معينة لا تحتمل ولو بعض ما كان يحدث معها من قبل كالقشة التى تقصم ظهر البعير، فالتراكمات الكثيرة غير المعالجة تؤدى فى النهاية الى القضاء على ظهرالبعير. وهو هنا «العلاقة الزوجية».. وهكذا فإن الأزمة تتصاعد فى سن اليأس ولكن اصلها فى الحقيقة كان طول الوقت فى الزواج.
من هذا المنطلق يتعين على الزوج أن يوفر جوا عائليا هادئا لزوجته، وأن يرتب الأمور لكى يذهبا معا فى لقاء خاص يتناقشان فيه حول كل شيء فى حياتهما على مر السنين وأحسب أنك يا سيدى قادر على ذلك وأحسبها أنها أيضا سوف تستجيب لك، وأرجو أولادكما أن يساعداكما على رأب هذا الصدع فتعم السعادة والود والمحبة على الجميع والله المستعان.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.