بعد أن تحدثنا فى المقال السابق عن بعض مشكلات التعليم الجامعى فى مصر، وانتهينا إلى ضرورة تقييم جميع المناهج التى يتم تدريسها فى الجامعات المصرية حتى تكون فى مستوى أكثر الجامعات تقدما، وأيضا ضرورة ربط أعداد المقبولين بالجامعات فى كل التخصصات بالاحتياجات الفعلية للمجتمع، وعدم الموافقة على إنشاء أى كليات أو جامعات جديدة فى مصر، والبدء فورا فى تطوير وتحديث القائم منها، وأن يقتصر دعم الدولة للتعليم حتى نهاية التعليم الأساسي، والمتميزين فقط فى مرحلة التعليم الجامعي. ونستكمل حديثنا بمناقشة إيجابيات وسلبيات الجامعات الخاصة، وكذا مشكلات نظام التعليم المفتوح. ولاشك أن الجامعات الخاصة قد انتشرت فى مصر بدرجة كبيرة، ولها دور لا يمكن إنكاره فى توفير كوادر بشرية جامعية مؤهلة فى التخصصات المختلفة، وهى تتميز بمناهجها المتطورة التى تواكب كل المستجدات التى يصل إليها العلم الحديث، ويتم التدريس فيها وفقا لأساليب تعتمد على التفكير والإبداع، ولا تقتصر على الحفظ والتلقين، كما أنها لا تلجأ إلى أسلوب حشو المناهج الذى لا طائل من ورائه، وتمزج الدراسة النظرية بالواقع العملي، بل إنها تحرص على تدريب الطلبة فى مجالات تخصصهم لفترات محددة خلال فترة دراستهم بالكلية، الأمر الذى يساعدهم إلى حد كبير فى الحصول على فرص عمل حقيقية، ويسهل اندماجهم فى سوق العمل الفعلية. وعلى الجانب الآخر فإن لنا ملاحظات على التعليم فى الجامعات الخاصة، من أهمها: أنها باهظة التكاليف، ومغالى فيها إلى درجة كبيرة، وتقدر بعشرات الآلاف من الجنيهات فى العام الدراسى الواحد، لأن هذه الجامعات عبارة عن مشروعات اقتصادية خاصة تهدف إلى الربح، لذا لا يتمكن من الالتحاق بها إلا أبناء ذوى القدرة المالية الذين يستطيعون تحمل هذه المبالغ الطائلة. وإذا تحدثنا عن البعد الاجتماعى لهذا الأمر، سنجد له تأثيرات سلبية لا يمكن إغفالها، لأن هذا الوضع يؤثر على السلام الاجتماعى فى المجتمع، لعدم قدرة الكثير من أبنائنا على الالتحاق بهذا النوع من الجامعات، مما يترك أثرا سلبيا فى نفوسهم، ويزرع بذور الحقد والكراهية ضد أقرانهم الذين التحقوا بهذه الجامعات، خاصة مع تزايد النظرة الفوقية التى ينظر بها طلبة هذه الجامعات، خاصة الأجنبية منها، إلى غيرهم من طلبة الجامعات الأخري. كما أن المناخ الذى يسود عددا غير قليل من تلك الجامعات نجده يختلف عن مناخ الجامعات الحكومية المصرية من حيث مدى الالتزام بالعادات والتقاليد والأعراف السائدة فى المجتمع، ونلمس جميعا التأثير غير المباشر الذى يطرأ على أبنائنا خلال فترة دراستهم بتلك الجامعات، مما يؤثر بالتأكيد بدرجة أو بأخرى على ولائهم وانتمائهم للوطن، ونجدهم يميلون إلى النقد لمجرد النقد، لما يعانيه وطننا من مشكلات، ويشيدون دائما بالدول التى تأثروا بها خلال دراستهم. ويكون هذا النقد مقبولا إذا وجدنا أبناءنا يأخذون منه نقطة انطلاق للعمل بالبلاد، ومساهمتهم فى حل تلك المشكلات للبدء فى عملية تنمية حقيقية، إلا أننا للأسف نجد الكثيرين منهم يرغبون فى السفر يوما بعد يوم، مما يؤثر تأثيرا شديدا على معدلات العمل والإنتاج والتنمية. وفى السياق نفسه نلاحظ جميعا أن غالبية الجامعات الخاصة تقتصر على تدريس العلوم الإنسانية والاجتماعية مثل علم النفس والاجتماع والآداب واللغات والقانون والإدارة... وغيرها، والقليل منها هو الذى يتضمن تدريس علوم الطب والصيدلة والهندسة وطب الأسنان، وهذا الوضع يزيد من ارتباك المشهد، وتعقيد المشكلة فى مصر، لأننا نعانى أساسا من تضخم أعداد خريجى الجامعات فى تلك النوعية من العلوم. وبالتالى علينا أن نطرح سؤالا مهما: ما الفائدة على أرض الواقع من كل هذا العدد الضخم من خريجى الجامعات؟ وهل تتم الاستعانة بهم فعلا فى سوق العمل؟ أم هى فى النهاية استمرار للثقافة المجتمعية المغلوطة التى تصر أن يكون أبناؤنا من حملة الشهادات الجامعية لأسباب شخصية واجتماعية غير موضوعية. إن الأمر يطرح ضرورة تقييم هذا الوضع برمته، ودراسة جدواه للتوصل إلى نتائج عملية بشأنه، وحتى يتم إنجاز هذه الدراسة من الأهمية بمكان عدم الموافقة على إنشاء أى جامعات خاصة جديدة. وإذا ما انتقلنا إلى ما يسمى «التعليم المفتوح» الذى تم استحداثه فى مصر منذ عدة سنوات، والذى يتمكن من خلاله حملة الثانوية العامة والثانوية الفنية التجارية والصناعية والزراعية من استكمال دراستهم الجامعية بعدد من الكليات النظرية. هنا تظهر أسئلة جوهرية من الضرورى الإجابة عليها بمنتهى المصداقية: ما المستهدف من استحداث هذا النظام؟ هل نحن فى حاجة إلى كل هؤلاء الخريجين؟ وهل سيفيدون المجتمع فعلا بهذه التخصصات؟ بالتأكيد تكون الإجابة بالنفي، لأنه لا توجد أى أهداف واضحة يمكن الاقتناع بها من استحداث هذا النظام، اللهم إلا أنه يحقق فائدة مالية لتلك الكليات وأساتذتها الذين لديهم مؤلفات يتم بيعها للطلبة، كما أن عدم اشتراط حضور الطلبة خلال العام الدراسى يؤكد عدم تحقيق أى فائدة تذكر من هذا النظام. ومن متابعتى الدقيقة لتطبيق هذا النظام، يمكن أن أؤكد أنه عديم الفائدة، ويفتح باب الفساد على مصراعيه، ويصبح الطالب حاصلا من حيث الشكل فقط على شهادة جامعية، برغم اقتناعه التام أنه لم يحقق أى استفادة أو إضافة علمية على أرض الواقع، ويقوم باستخدام هذه الشهادة فقط للبحث عن أى وظيفة، أو لتعديل وضعه الوظيفى الذى يشغله لتحسين دخله، وتحميل الدولة أعباء مالية إضافية دون أن تقابل ذلك زيادة حقيقية فى إنتاجيته، كما يمكن استخدام هذه الشهادة كواجهة اجتماعية لتحسين وضعه الاجتماعى فى مواجهة الثقافة المجتمعية المغلوطة التى تنظر إلى الجامعيين نظرة تختلف عن غيرهم من المهنيين والحرفيين. ونؤكد مرة أخرى أنه إذا لم تتسم تصرفاتنا بالموضوعية والجدية والمصداقية، ووضوح الأهداف لتحقيق فائدة حقيقية لوطننا، فإنه لا لزوم لبذل أى جهد فى هذا الشأن، لأنها تنطوى على إهدار للوقت والجهد والأموال، لذا فإن الأمر يطرح ضرورة إعادة دراسة هذا النظام دراسة جادة لتقييم إيجابياته وسلبياته، تمهيدا لاتخاذ القرار السليم بشأنه.. وللحديث بقية... لمزيد من مقالات احمد جاد منصور