نعلم جميعا أن التعليم فى مصر يعانى الكثير من المشكلات المزمنة، ويحتاج منا إلى وقفة جادة ونظرة عميقة لتشخيص الداء ووضع الحلول الموضوعية لمواجهته والتغلب عليه.. الأمر الذى جعلنى أحاول ولو بقدر متواضع الإسهام فى حل تلك المشكلات.. من خلال عرض بعض الرؤى والمقترحات فى مقالات متتابعة.. وسوف أبدأ بالتعليم الجامعى ثم التعليم الفنى والمهنى.. يلى ذلك مرحلة التعليم الأساسى. وبادئ ذى بدء أؤكد أنه إذا لم يكن لدينا القدرة والإرادة والإصرار، والمصارحة والشفافية فى تحديد السلبيات والمعوقات.. فلا داعى لبذل أى جهود صورية أو جزئية حتى لا نضيع الوقت والجهد والمال. وفيما يتعلق بالتعليم الجامعى، فإن أولى خطوات الإصلاح تتمثل فى ضرورة تقييم الوضع القائم كله بالنسبة للمناهج التى يتم تدريسها فى الجامعات المصرية سواء فى مجال العلوم الطبيعية التطبيقية (الطب/ الصيدلة/ الهندسة/ العلوم/ .....) أو فى مجال العلوم الإنسانية (علم النفس/ علم الاجتماع/ علم الإدارة/ الفلسفة/ القانون/ .....).. وأن يكون نصب أعيننا دائما المركز المتأخر المؤسف الذى تحتله الجامعات المصرية حاليا سواء على المستوى الدولى (6021) أو الشرق أوسطى (23) أو الإفريقى (01)، حتى لا تغيب هذه الحقيقة عن أذهاننا. وعلينا أن نسأل أنفسنا سؤالا صريحا.. هل مستوى المناهج التى يدرسها أبناؤنا فى مصر فى نفس مستوى المناهج التى يتم تدريسها فى جامعات الدول المتقدمة.. أم أن هنالك فارقا بين الاثنين؟ أؤكد لك عزيزى القارئ وجود هذه الفجوة، وهو ما يُعرف بظاهرة التخلف الحضارى، والتى تعنى الفارق بين أعلى مستويات التكنولوجيا فى العالم وبين ما هو موجود فى العقل البشرى من علم ومعرفة، وعلينا أن نسارع بالقضاء على هذه الفجوة، حتى نصل إلى درجة العلم التنافسى الذى يمنح خريجى الجامعات المصرية قيمة علمية تنافسية دولية مع نظرائهم فى أى دولة من دول العالم المتقدم. وإذا لم نفعل ذلك، فإننا نكون نموذجا لإضاعة الوقت والجهد وإهدار المال فى أمور لا طائل من ورائها، لأننا سنظل خارج المنافسة لعجزنا الدائم عن تصنيع أى منتجات منافسة للمنتجات العالمية، والتى مازلنا نستوردها حتى اليوم لعدم قدرتنا على إنتاجها محليا، وهذا ما يؤكده واقعنا الحالى، لأننا نحتل المركز (811) فى التنافسية العالمية من بين (312) دولة يتكون منها المجتمع الدولى. وفى ذات السياق ينبغى تكثيف البعثات الخارجية لأبنائنا الطلبة والخريجين إلى الخارج للاستفادة من خبرات الدول المتقدمة فى كل المجالات، وسرعة استحداث هيئة مستقلة فى الدولة تتولى رعاية المتميزين من الخريجين، لابتعاثهم للخارج ومتابعتهم لتحقيق استفادة حقيقية منهم فى مجالات العلوم والتنمية التى تحقق التنمية والتقدم الاقتصادى للبلاد. ومن المشكلات الجوهرية أيضا فى النظام الجامعى عدم سلامة نظام القبول بالجامعات لأسباب عديدة من أهمها عدم ربط أعداد المقبولين بالجامعات فى كل التخصصات بالاحتياجات الفعلية للمجتمع، فمن غير المقبول أن يتم تحديد تلك الأعداد على أساس سعة الكليات.. هل هذا منطق مقبول؟ وماذا بعد مرور سنوات الدراسة؟ ماذا سنفعل بكل هؤلاء الخريجين خاصة أننا فى غنى تماما عن زيادة نسبة البطالة على (31%) والتى تشكل (11) مليون عاطل.. ولك أن تعلم عزيزى القارئ أن نسبة البطالة فى الدولة المتقدمة تتراوح بين (2%، 3%)، وبالتالى فإن النتيجة الطبيعية هى عدم الاحتياج إلى أعداد كبيرة منهم، ولن يجدوا هم وظائف يشغلونها، وهنا تتزايد مشكلات ارتفاع معدل البطالة، وتتزايد مشاعر الاحباط والنقمة على المجتمع، وسيضطر الغالبية منهم إلى تغيير مساره العلمى وتعديل تخصصه من خلال الانتظام بعدد من الدورات التدريبية فى تخصصات أخرى يقومون بالبحث عنها بأنفسهم وكلهم أمل فى الحصول على فرص عمل فى مهن وتخصصات أخرى يحتاجها سوق العمل. لذا فإننى أؤكد ضرورة عدم الموافقة على إنشاء أى كليات أو جامعات جديدة فى مصر، والبدء فورا فى تطوير وتحديث القائم منها.. وأن يقتصر دعم الدولة للتعليم على مرحلة التعليم الأساسى.. ومن يرغب بعد ذلك فى استكمال دراسته الجامعية عليه أن يتكفل بنفسه وأن يسعى إلى ذلك.. وهذا هو النظام المعمول به فى الدول المتقدمة مع التنبيه بعدم الاكتفاء بحصول الطالب على شهادة الثانوية العامة للالتحاق بالجامعة، وإنما لابد من اجتيازه اختبارات قدرات علمية موضوعية تؤكد قدرته ومهارته وصلاحيته للالتحاق بالكلية التى يرغب فى الالتحاق بها، ويمكن لنا فى هذا الشأن الاستفادة من تجارب الدول المتقدمة التى طبقت هذا النظام منذ زمن بعيد. عزيزى القارئ.. نستكمل حديثنا فى المقال القادم عن مشكلات التعليم الجامعى الخاصة بإيجابيات وسلبيات الجامعات الخاصة، والكارثة الكبرى التى يطلق عليها «التعليم المفتوح» ومدى جدواها وتأثيرها على الجهاز الإدارى للدولة.. وللحديث بقية. لمزيد من مقالات احمد جاد منصور