جاء فى بعض الصحف خبر تحت عنوان (القضاء الإدارى تحدد فى حيثيات حكم أساليب تجديد الخطاب الديني), وأوردت تحت هذا العنوان ما انتهت إليه هذه المحكمة من حيثيات حكمها فى دعوى مرفوعة أمامها, بالقطع لم تكن مرفوعة بخصوص تجديد الخطاب الديني, إلا أن هذه المحكمة ذكرت فى حيثيات حكمها (إن أساليب تجديد الخطاب التى يتعين انتهاجها فى العصر الحديث لمواجهة ظاهرة الإرهاب, يجب أن تصلح ولا تفسد, تيسر ولا تعسر, وعلى العلماء المتخصصين بوزارة الأوقاف والأزهر الشريف أن يراعوا عدة نقاط عند تجديد الخطاب الديني, منها: بيان أن الإسلام يدعو إلى السلام فى الأرض... إلى آخر ما ورد فى هذه الصحيفة وغيرها من نقاط تسع, حددت سبل تجديد الخطاب الدينى وفقا لها, هذا إن صحت حكايتها لحيثيات هذا الحكم. ولما كان نص الدستور فى مادته السابعة (أن الأزهر الشريف هيئة إسلامية علمية مستقلة, يختص دون غيره بالقيام على كافة شئونه, وهو المرجع الأساسى فى العلوم الدينية والشئون الإسلامية, ويتولى مسئوليه الدعوة ونشر علوم الدين واللغة العربية فى مصر والعالم .. وشيخ الأزهر مستقل ..), فإن ما ورد بالحكم السابق وفق ما أوردته الصحيفة, يتنافى مع نص هذه المادة, بحسبان هذا الحكم يلزم الأزهر –بهذه الصياغة المنشورة- باتباع طرق محددة لتجديد الخطاب الديني, وإلا كان مخالفا لما أورده الحكم, مما ينزع عن الأزهر استقلاليته فى اتخاذ ما يراه متعلقا بالشئون الإسلامية فى الدولة, سواء فيما يتعلق بالدعوة أو نشر الفكر الصحيح عن الإسلام, ويجعل الأزهر تابعا لغيره, غير مستقل بشئونه, وأنه يتلقى المنهج الذى يسير عليه فى تجديد الخطاب الدينى من القضاء, وهذا أمر مناف لما قرره الدستور فى شأن الأزهر, ويسيء أبلغ إساءة إلى الأزهر جامعا وجامعة, وإذا نظرنا إلى ما أوردته الصحيفة من تفصيلات الحكم, وفيما يجب على الأزهر اتباعه لتجديد الخطاب الديني: من ( ..إعادة فهم النصوص على ضوء واقع الحياة وما تستحدثه البيئة المعاصرة, بحيث تتناسب مع روح التطور، وعدم المساس بثوابت الدين نفسه من نصوص قطعية الثبوت والدلالة، وأن يعالج تجديد الخطاب الدينى «مفهوم الوطن» فى ضوء «حقيقة مفهوم» الفكر السياسى الإسلامي, وأنه يجب أن يكون التجديد عالميا يتعدى حدود الأقطار الإسلامية والعربية، وأن يعتمد على الاعتدال ووسطية المنهج، وأن يقيم وزنا لشبكة المعلومات الدولية، ومواجهة الفكر بالفكر، وأن يعتمد التجديد, وأن يكون التجديد فى الفكر المرتبط بتطور الحياة وليس فى الدين ذاته, وأن وزارة الأوقاف والأزهر الشريف .. ملزمون بالعمل على تجديد الثقافة الإسلامية وتجريدها من الفضول والشوائب وآثار التعصب الدينى الذى ينتج عنه الانحراف فى الفكر المذهبى والسياسي، وإبراز تجليات جوهر الدين الأصيل, الخالص وتوسيع نطاق العلم بها لكل مستوى وفى كل بيئة، وبيان الرأى فيما يجد من مشكلات مذهبية أو اجتماعية تتعلق بالعقيدة، والتصدى للدراسات الزائفة ودعاة الفكر المنحرف وتفسيراته الخاطئة ضد الدين, والرد على الافتراءات والشبهات والأباطيل وتوضيح الحقائق..), فإن أكثر هذه الواجبات فضلا عن إساءتها لمن تجب عليه, يناقض بعضها بعضا, وهى فى الوقت نفسه بعيدة كل البعد عن الواقع, وغير دقيقة من وجهة نظر العلم, ومن التناقضات فى هذا الحكم: أنه كيف يكون التجديد عالميا يتعدى حدود الأقطار الإسلامية والعربية, ثم يلزم بإعادة فهم نصوص الشرع على ضوء واقع الحياة وما تستحدثه البيئة المعاصرة, بحيث تتناسب مع روح التطور, وهذا ينزع بالتجديد إلى المحلية التى تراعى واقع المجتمع ومقتضياته, والقول ب (عدم المساس بثوابت الدين نفسه من نصوص قطعية الثبوت والدلالة), يفيد بالمفهوم المخالف أن من السائغ المساس بالنصوص الظنية الدلالة وإن وردت فى كتاب الله, والمساس بنصوص السنة غير المقطوع بثبوتها, وهى التى تمثل أكثر من 90% من السنة النبوية, وتفترض مفردات الواجبات الوارد فى الحكم أن الأزهر لا يقيم وزنا لشبكة المعلومات الدولية, ولا يواجه الفكر بمثله, وأن قضية التجديد فى شتى مناحى الحياة لا وجود لها فى مناهج الأزهر, وأن فى الثقافة الإسلامية شوائب وفضولا يجب على الأزهر التخلص منها, وأن بهذه الثقافة آثار تعصب دينى يجب على ألأزهر تخليصها منه, .. إلى آخر ما ورد, مما ينتقص صراحة من جهود علماء الأزهر فى هذه الأمور, ويسيء إليهم أبلغ إساءة, بحسبان أن ما ورد من واجبات فى هذا الحكم على الأزهر وعلمائه, فيه مخالفة شديدة للواقع الذى ينتهجه علماء الأزهر قبل أن تعتلى هيئة هذه المحكمة منصة القضاء بزمن بعيد, فضلا عن أن قضايا التجديد فى العبادات والمعاملات والسياسة وشئون الحكم, ونحوها, ومقارعة الفكر بالفكر, ومراعاة واقع المجتمع عند الفتوى ونشر الوعى الديني, وبيان الفكر الضال, ودحض الأسس التى يقوم عليها بالحجج والبراهين, وغير ذلك منهج سار عليه علماء الأزهر منذ أن ألقى فيه أول درس, ولا يتصور أن علماء الأزهر بلغ بهم العى وعدم الاهتداء إلى الوجهة الصحيحة فى مسيرتهم العلمية, حتى يلزموا بتجديد خطابهم الدينى إلى الناس بحكم قضائي, ووفق أسس وضعها هذا الحكم وألزمهم بها, إن هذا إلا منتج زمان نكد رضى فيه علماؤه بالذل والصغار والهوان, وتقبل الإهانات من كل مشرق ومغرب برأس منحنية, وصوت خفيض.