أحد الموروثات العظيمة لبريطانيا، العصر الفيكتوري بالإضافة لقواعد كرة القدم كان النظام البرلماني، فالناخبون يختارون بين حزبين كبيرين، أما مجموعات الحافة فلها حزب ثالث صغير منتشر بأعداد قليلة عبر القطر يناضل كي يكون له تأثير، والبريطانيون موعودون بحكومات قوية مستقرة تستطيع إنجاز الأعمال. واعتقدت أقطار كثيرة أن هذا النظام جدير بالاتباع. ولكن قبيل الانتخابات المزمع إجراؤها في مايو 2015 يبدو أن هذه الآلية على وشك التحطم؛ فعلى حين حصل الحزبان المحافظ والعمالي معًا عام 1951 على 97% من الأصوات، تشير استطلاعات الرأي إلى أن كلا منهما لن يحصل بالكاد إلا على ثلث الأصوات في الانتخابات المقبلة. لقد انخفضت عضوية حزب المحافظين من ثلاثة ملايين في الخمسينيات إلى حوالي مائة وخمسين ألفًا. كما أن حزب العمال الذي اعتاد أن يحصل على الأغلبية في سكوتلاندا انخفض تأييده إلى حفنة من المقاعد هناك لصالح الليبراليين الديمقراطيين وكل من أيد استقلال سكونلاندا عن بريطانيا أو الذين يريدون إخراج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والخضر الذين يريدون تجاوز الرأسمالية. وكانت تلك أكبر صدمة لحزب العمال منذ بواكير القرن العشرين حينما حل محل الليبراليين كحزب ثان كبير. وقد شهد عام 2014 لأول مرة انخفاض مجموع الأصوات التي يحصل عليها الحزبان مجتمعين إلى أقل من 70% كل شهر، وانخفضت نسبة المواطنين ذوي الانتماء المحدد لأحد الحزبين إلى أقل من 50%. و كان التصويت على المقاعد الخالية في الانتخابات التكميلية لمجلس العموم تصويتًا احتجاجيًا ضد الحزبين الكبيرين لصالح الأحزاب الصغيرة، وشكل حزب المملكة المتحدة المستقلة اليميني تهديدًا مباشرًا لحزب المحافظين مستقطبًا الناخبين الذين يستجيبون للأصوات الرافضة للهجرة والانتماء إلى الاتحاد الأوروبي. ومن اليسار يصعد حزب الخضر الذي ارتفعت عضويته إلى خمس وخمسين ألفًا في انجلترا وويلز، وتركز دعايته الانتخابية على الاقتصاد والتغير المناخي والصحة آملاً في الحصول على عدد من المقاعد يسمح بتكوين مجموعة قوية في البرلمان. وقد أظهرت إحدى الإحصائيات أن واحدًا من أربعة سيصوت للخضر إذا تأكد من فوزهم. وتعول رئيسة الحزب ناتالي بينيت على تصويت الناخبين على أساس المباديء لا الولاء التقليدي لحزب أو آخر. ومن المعتاد أن يبني كل من الحزبين الكبيرين الدعاية الانتخابية ضد الحزب الآخر، فحزب العمال يصور أي فوز محتمل لحزب المحافظين كعودة إلى ثلاثينيات القرن الماضي، لتخفيضات كبيرة في الميزانية مضرة بالخدمات وضعف لدور الدولة، بينما يصور المحافظون فوزًا محتملاً للعمال كعودة إلى بدايات القرن الحالي حيث يزداد الدين العام ويتضخم دور الدولة. وستلعب نتائج الإحصاءات عن الصحة ومعدلات النمو والبطالة ومستوى المعيشة ومعدلات الجريمة دورًا في الحشد لمصلحة هذا الحزب أم ذاك. ولكن التحدي الأكبر الذي يواجهه الحزبان هو ما إذا كانت بريطانيا على حافة عصر تصبح فيه التحالفات هي الأمر المعتاد الجديد في الحياة السياسية البريطانية. فالحزبان يواجهان عدم ثقة الناخبين المتزايدة منذ الأزمة الاقتصادية في 2008 وفضيحة البنوك. ويسود جو عام من عدم الثقة في الطبقة السياسية في العالم ولم يعد الناخبون أسرى للإعلام التقليدي وحده، وأتاحت وسائل التواصل الاجتماعي على الإنترنت مجالاً لتأثير مجموعات الضغط والأحزاب الصغيرة ليوصلوا رسالتهم إلى الجمهور.وبينما بشر كاميرون بحزب للمحافظين يجتذب الشباب وسكان الشمال وغير البيض والعاملين بالقطاع الحكومي، تراجعت سياسات الحزب في الواقع عن كل هذا عائدة إلى سياسات المحافظين التقليدية. وربما يرجع ذلك جزئيًا إلى صعود الأصوات الاحتجاجية المؤيدة لحزب المملكة المتحدة المستقلة وهروب نواب من المحافظين إلى صفوفه حائزين على مقاعد في مجلس العموم في الانتخابات الفرعية، مما يجعل تبني خطاب أكثر يمينية ضرورة للحفاظ على ناخبي حزب المحافظين التقليديين الذين يعارضون فتح باب الهجرة من أوروبا الشرقية ويعارضون بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي. ومن ناحية أخرى يعول حزب العمال على اتجاه قطاع كبير من الناخبين لليسار كرد فعل للأزمة الاقتصادية وسياسة التقشف التي اتبعها المحافظون ويبدو أن قيادته المتمثلة في إد ميليباند لا تحظي بشعبية كبيرة ولا تبدو قادرة على جذب أصوات خارج الدائرة التقليدية للمؤيدين. ورغم ضرر انتظار إعادة ميلاد نظام الحزبين، فإن تشظي السياسة مفعم بالخطر. وأحد أسباب ذلك أن الأحزاب الصاعدة ليس لديها أجندة للحكم، على الرغم من أنهم يعدون جميعًا بأنها السياسة المعتادة وكل ما يضعونه هو هرب من القرارات الصعبة. وليس لأحد منها خطة اقتصادية مقبولة، وليس من المحتمل أن يرغموا على إعلان خطة بمجرد تجربة دور كبير في الحكومة. إنهم ثوريون دون وسائل ثورية. والسبب الآخر للقلق هو أن عدم عدالة النظام يمكن أن يصير مزعزعًا للاستقرار. فالنظام القائم يعتمد الحصول على الأغلبية في الدائرة الانتخابية حيث يحصل الفائز على كل شيء لا على التمثيل النسبي، مما يسمح بعدم التناسب بين عدد المقاعد في البرلمان ونسبة الأصوات الكلية التي حصل عليها حزب ما. ولكن الناخبين لا يزالون يفضلون هذا النظام كما أظهرت نتيجة الاستفتاء العام الذي أجري في 2011. ورغم صعوبة توقع النتائج النهائية للانتخابات البريطانية في 7 مايو 2015، يبدو أن أحد الحزبين لن يكون قادرًا على تشكيل حكومة دون التحالف مع أحد الأحزاب الصاعدة أو إذا تحالف حزب العمال في حالة فوزه مع حزب سكوتلاندا القومي الذي يعود ليلعب دورًأ كبيرًأ في البرلمان بعد الاستفتاء بلا على انفصال سكوتلاندا عن بريطانيا. ولكن التحالف القائم الآن بين المحافظين والديمقراطيين الأحرار قد أفقد الأخير هويته وبالتالي شعبيته التي تراجعت على نحو ملحوظ ليجيء في مرتبة بعد الخضر في بعض الاستفتاءات، وهي معضلة سيواجهها أي حزب يدخل في تحالف جديد محتمل. لمزيد من مقالات ابراهيم فتحى