ترفض النيابة العامة ومحاكم الجنايات سماع أقوال ودفاع محامى المتهم الغائب عن جلسات المحاكمة، تطبيقًا لنص المادة (388) من قانون الإجراءات الجنائية المصرى، التى تحظر حضور محام عن المتهم الغائب ليدافع أو ينوب عنه أمام المحكمة، وهذا النص معيب ومخالف لأحكام صريحة بالدستور المصرى والمعاهدات الدولية المنضمة لها مصر. يعقب على ذلك المستشار ثروت عبد الشهيد بمجلس الدولة سابقا ، بقوله " إن هذه الاحكام الغيابية الصادرة طبقا لهذه المادة تخالف مبدأ حياد القاضى وهذا المبدأ هو أساس المحاكمة، فهو يفترض خلو ذهن المحكمة من موضوع الدعوي التي تنظرها وتجردها الكامل عن كل هوي أو ميل قد يجعل لها رأياً مسبقاً فيها، وعدم توافر الحياد فى القاضى تجعله غير صالح للجلوس للحكم وترتب فى حقه أحد موانع الصلاحية، فغيابية الحكم هى وصف له يتصل بمسألة غياب المتهم ولا تتعلق من قريب أو بعيد بمضمون الحكم وما شمله من عقيدة المحكمة في الدعوى، لأن المفروض أن المحكمة سواء حضر المتهم أو غاب أنها قرأت القضية وكونت فيها عقيدة ثم أصدرت حكمها. ولما كان السبيل الوحيد أمام المحكوم عليه غيابياً للطعن فى هذا الحكم هو التقدم لإعادة الإجراءات أمام ذات المحكمة التى أصدرت الحكم الغيابى طبقاً لنص المادتين 395، 401 من قانون الإجراءات الجنائية، فإن السماح لذات المحكمة بنظر الدعوى مرة أخرى يعد سابقة إصدار حكم غيابى فيها يوفر على الأقل لدى هذه المحكمة عدم خلو ذهنها عن الموضوع. وكذلك مخالفة النص المشار إليه لأحكام الدستور وأحكام المحكمة الدستورية العليا ومنها حكم المادة (388) سالفة الإشارة يخالف صراحة نص المادتين (96) و(98) من الدستور المصري الحالى ومثيلاتهما فى الدساتير السابقة، حيث تنص المادة (96) على " أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية عادلة"، تكفل له فيها ضمانات الدفاع عن نفسه." ، وتنص المادة (98) على أن "حق الدفاع أصالة أو بالوكالة مكفول " كما يخالف النص المذكور أحكام الاتفاقيات الدولية المنضمة لها مصر. موقف الفقه المصرى في ظل النظام القضائي المصري، تعتبر القواعد الخاصة بمحاكمة المتهم غيابيًا في جناية في منتهى القسوة، وتم انتقادها مرارًا من جانب الفقهاء المصريين، وذلك لأنها تقيد من حق المتهم في محاكمة عادلة، وبصفة خاصة، فإن منع المتهم أو السماح له بوجود محام للدفاع عنه في غيابه، يحرم المتهم من فرصة إثبات براءته في مرحلة مبكرة، وهو ما يُفيد نظام العدالة الجنائية ذاته، كما أن تطبيق هذا النص المعيب على إجراءات التحقيق ليس له سند من القانون. بالرغم من أن نص المادة (388) سالف الإشارة يخاطب محاكم الجنايات فقط إلا أن النيابة العامة تصر على تطبيقه أمامها فلا تجيز للمحامى الحضور أمامها في الاتهام بجناية وتقديم دفاع المتهم الغائب، ومن ثم تحيله إلى محكمة الجنايات محرومًا من الاستفادة من مرحلة التحقيق التمهيدية، ويصدر الحكم ضده غيابيًا دون سماع دفاعه مما أدى إلى ظاهرة انتشار الأحكام الغيابية.والتى تترك آثارا سلبية خطيرة حيث تقرر النيابة العامة إدراج اسم المحكوم عليه غيابياً على قوائم ترقب الوصول بالمنافذ الجمركية ومنعه من السفر وتخطر إدارة الشرطة الجنائية الدولية والعربية "الأنتربول" لتتبعه والقبض عليه. فضلًا عن فقدانه لإهليته القانونية (الموت المدني)، لذلك نطالب المشرع علي نحو عاجل بتدارك هذه الآثار بنصوص قانونية تلغى مسألة الأحكام الغيابية في الجنايات وأن تكون جميع الأحكام حضورياً بوضع نص يجيز حضور محام عن المتهم الغائب بتوكيل.