إن أردنا تشخيصا للاقتصاد البرازيلى فى السنوات الأخيرة، فعلينا ببساطة قياس العلامات الحيوية الثلاث لتحديد أعراض هذا الاضطراب الذى شهده الاقتصاد البرازيلى،حيث إن التضخم والعجز الخارجى لا يزالان مرتفعين على الرغم من أن النمو انخفض إلى الصفر تقريبا.وهذا يعنى ان البلد ينفق أكثر مما ينتج. وقد شهدت الفترة الماضية ارتفاع العجز الخارجى إلى 3,73٪ من الناتج المحلى الإجمالى، وعلى مدى 12 شهرا، حتى شهر أكتوبر، وصل هذا العجز إلى مستوى غير مسبوق منذ عام 2000 حيث تعتبر الفترة الاكثر اضطراباً.وحسابيا، فان الإنفاق الزائد فى الخارج بالعملة الصعبة، ينبغى ان يمول من تدفق الأموال من نفس النوع. وهذا الامر لا يمكن ان يحدث إلا من خلال الاستثمار الأجنبى فى القطاع الانتاجى او من خلال قروض أو استثمارات أى ايداعات مصرفية من غير المقيمين فى البرازيل.وقد تم تمويل نحو 75٪ من هذه الاصول المالية عن طريق الاستثمار الأجنبى المباشر، والتى بالمناسبة تعتبر حصة كبيرة وتعد تمويلاً آمناً من القروض على سبيل المثال لتغطية العجز الخارجى البرازيلى. ومع ذلك ففى السنوات الأخيرة، فإن هذه الاستثمارات فعلت ما هو أكثر من تغطية العجز، حيث ، سجلت البرازيل بين عامى 2003 و 2007 فائضا فى الحسابات الخارجية ، وهذه حقيقة نادرة، ويرجع ذلك بصفة خاصة إلى مزيج من ارتفاع أسعار الصادرات البرازيلية وسعر صرف الريال البرازيلى المواتى مقابل الدولار والاستهلاك المنخفض. فى السياق الحالى، تسير فى اتجاه آخر تماما، حيث الاستهلاك مستمر على مستواه العالى المتزامن مع انخفاض فى أسعار الصادرات البرازيلية، وارتفاع فى التكلفة، فضلاً عن سعر صرف عال للريال مقابل الدولار ، كل ذلك لا يزال يؤثر على مبيعات السلع الصناعية فى الخارج. فى ظل هذا السيناريو، تراجعت ميول المقرضين والمستثمرين الأجانب لتمويل العجز البرازيلى، ونظرا للتغيرات فى مجال التمويل الدولى والتصور الحالى للتجاوزات البرازيلية، ومناخ عدم الثقة فقد انعكس ذلك كله على انخفاض قيمة الريال البرازيلى مقابل الدولار. فى مطلع عام 2000 ، عندما عانت البرازيل ديونا خارجية و تراجع احتياطيات العملة الصعبة، بلغت نسبة العجز التجارى 3,7 % بالنسبة للناتج الاجمالى المحلى تسببت فى قلق كبير وحقيقى ومعها جف الاستثمار الاجنبى المباشر ومعه شهدj البرازيل انخفاضاً حاداً فى قيمة الريال مقابل الدولار وبالتالى تلا ذلك مزيد من التضخم والركود . إن الاقتصاد الوطنى البرازيلى فى تطوره خلق حول نفسه نوعاً من المناعة إلا أن هذا لا ينبغى أن يخلق ايضاً اوهاماً فالاضطرابات الاخيرة خير مثال على ان المستثمرين الاجانب ينظرون للبرازيل على انها بلد يمر فى حالة من المخاطر وهذا بحد ذاته قد يجعلهم وبشكل مفاجئ يقللون من ضخ ارصدتهم فى الاسواق البرازيلية. الركود ليس فقط فى القطاع الاقتصادى ، إنما ايضاً فى القطاع التعليمى والصحى والنقل العام والامن العام لا بل فى صميم البنى التحتية..حيث تحتاج البرازيل إلى أفكار جديدة تعتمد فرض ضريبة استثنائية على الاملاك ، والنتيجة سوف تكون مخصصة لإلغاء أو تخفيض الدين العام. ولكن مع إعلان المعهد البرازيلى للاحصاء والجغرافيا الشهر الماضى وهو المصدر الرسمى المعتمد للبيانات الحكومية أن الاقتصاد البرازيلى، قياسا بالناتج المحلى الإجمالى قد نما بنسبة 0,1٪ فى الربع الثالث من هذا العام 2014 . فقد أعطى ذلك أملا كبيرا فى العودة مرة أخرى إلى مدار التوازن، والبدء فى مرحلة جديدة، حيث يشير التقرير إلى أنه فى الربع الثانى من ديسمبر ، انكمش الاقتصاد البرازيلى بنسبة 0,6% بعد 6 أشهر من الركود، حيث بلغ الانخفاض 0,2% فى الربع الأول، إلا أنه ومع النظر لنتائج الفصول الأربعة الأخيرة، فقد زاد الناتج المحلى الإجمالى بنسبة 0,7%. ورغم التحسن الملحوظ فى ال6 أشهر الماضية ، ما زالت البرازيل تعتبر من الناحية الفنية فى حالة ركود، علما بأن هذا لم يحدث منذ الأزمة المالية العالمية فى 2008 و2009، ولكن النتيجة الإيجابية التى تم تسجيلها فى الربع الثالث سوف تنتشل البلاد من حالة الركود. وتؤكد الشواهد أن الوضع الحالى لا يدل بشكل من الاشكال على تطور جديد فى نشاط الاقتصاد البرازيلى ،ولكن مع تغيير الاتجاه فى السياسة الاقتصادية، فإن نسبة ال0,1% التى تم تسجيلها فى الربع الثالث قد انعشت الآمال فى حدوث تحسن، حتى لو كان من الناحية النفسية، لأن التخلص من كلمة "ركود" يجلب بعض التشجيع والامل. إن اختيار جواكيم ليفى للشئون المالية، ونيلسون باربوسا للتخطيط والابقاء على الكسندر تومبينى فى رئاسة البنك المركزى يمثل من قبل الرئيسة روسيف، محاولة لتهدئة السوق واستعادة المصداقية المفقودة . وستكون اولوية الحكومة التقليل من ارتفاع اسعار الفائدة والحد من التضخم ، وتآكل القوة الشرائية للشعب. و تنصيب وزير للمالية معروف عنه خبرته فى إدارة العجز فى حسابات الحكومة يعطى أملا كبيرا فى تصحيح المسار وطمأنة المستثمرين وتفعيل قطاعات الإنتاج، وتحقيق فائض أولى، وتوفير احتياجات الطبقات الشعبية