إلى وقت قريب كانت الأسرة المصرية تداوم على "خروجه" السينما فتجد الرجل يأخذ زوجته " أنكاچيه " أو خطيبته أو حتى أخته و كانت" الست من " دول " بتلبس" اللى على الحبل" احتفاءاً بالذهاب لمشاهدة الأفلام السينمائية الجديدة وغالباً ما يكون معيار الإختيار هو بطل أو بطلة الفيلم قبل قصة الفيلم نفسه وكان هناك تنوع بين الأفلام الكوميدية والواقعية والتاريخية وكان هناك ما يعرف بنجم الشباك والذى يجذب الجمهور بعضلاته المفتورة أو بشكله الوسيم أو بجاذبيته أو حتى بطيبته المفرطة وإنسانيته و ما ينطبق على النجم مثله على النجمة، وتجد الرجل وأبنائه فى حيرة ياترى هيتفرجوا على أى فيلم خاصة إذا كانت الخروجه أسرية كما كان بطل الفيلم غالباً ما يمثل فتى أحلام البنات بملبسه المنمق وسيارته "الآخر" موديل وطوله وعرضه ، ففى الستينات كان حسين صدقى وعماد حمدى ومحسن سرحان هم مثال الرجولة وحلم كل فتاة أن ترتبط بشخص بهذه المواصفات وبعد فترة فى السبعينات والثمانينات حل محلهم" الواد التقيل" حسين فهمى والفنانون محمود عبد العزيز ومحمود ياسين ونور الشريف و أصبحوا هم نجوم الشباك ويجذبون الفتيات ثم ظهر جيل أحمد السقا وأحمد عز وكريم عبد العزيز وإلى هذا الحد كانت الأفلام لها قصة وهدف، ورغم ان أفلاهم تمثل جيل الشباب إلا أن جمهورهم كان يتنوع بين المراهقين والشباب والأسر أيضاً ولكن مثلما تبدل الحال فى كل شئ اختفت "خروجه" السينما واختفت صناعتها أيضا ًخاصة مع تدهور الوضع الإقتصادى خلال الثلاث سنوات الماضية وانسحاب أغلب المنتجين من الساحة الفنية وترك الملعب الإنتاجى لشركتين أو ثلاثة ، وأصبحت السينمات مرتعاً للشباب العاطل هذا الأمر يعكس حال المجتمع فحينما يكون "عبده موته" " وقلب الأسد " و" الألمانى" و" حديد" هم أبطال الأعمال فطبيعى أن يكون الذوق العام قد اختلف وكذلك نوعية المترددين على السينما فئة مختلفة أيضاً وإن كانت صناعة السينما من الصناعات التى تدر دخلا ً قومياً للدول وازدهارها وتعكس ثقافة شعوبها وفى مصر كانت إلى وقت قريب كانت تشكل ثانى أكبر دخل للبلد بعد القطن فى عهد الزعيم الراحل جمال عبدالناصر، فمن المفترض أن نكون الآن رابع أكبر سينما فى العالم تأثيرا و حينما شغل ثروت عكاشة منصب وزير الثقافة أيام الزعيم الراحل جمال عبدالناصر، قدم إنجازات كثيرة لصناعة السينما، ومن قبله طلعت حرب الذى أسس استوديو مصر، ومن وقتها لم يقدم أى مسؤول شيئا للصناعة وعلى مدار عقود طويلة والأدهى من ذلك أن هناك أفلام بتغير قوانين كفيلم" أريد حلا ً" والذى غير قانون الأحوال الشخصية لصالح المرأة فقد غيّر واقعاً مؤلماً كانت تعيشه المرأة المصرية، وأعطاها ضمانات قانونية بتعديل القانون المصري مما منحها حقوقاً أكثر لها ولأطفالها. وكذلك فيلم ”الارض” الذى رصد الظواهر والابعاد للتناقضات الطبقية التي حكمت المجتمع الريفي في مصر خلال حقبة الثلاثينيات الحالكة من تاريخه، ولكن هذه الصورة القادمة من الماضي القريب تتحدث ايضا عن صفحات من الواقع المعاصر باتصال متين وتلقي عليه ظلالها. ويصور ايضا نماذج من المصالح الشخصية عندما تصبح عائقا امام حركة المجاميع، فهناك الفلاح الذي يخون زملاءه، والتاجر الذي لا يهمه سوى الربح حتى لو كان عن طريق استغلال الفلاحين، ورجل الدين الذي يترك المواجهة ويغادر الى المدينة. ولا ننسى الفيلم التاريخي ”الناصر صلاح الدين " وهو ليس مجرد فيلم تاريخي فقط، وانما اتى بدلالات قوية واضحة ومعاصرة رغم ان احداثه تدور في حقبة زمنية تحكي عن فترة القائد صلاح الدين الايوبي وانتصاراته على الصليبيين وتحرير الاراضي المقدسة، وفي الفيلم تبرز مدى اهمية وحدة العرب في صنع التحرير وطرد المستعمر وفق إنتاج تاريخي ضخم يخلو من التعصب الديني، مركزاً على احترام المسلمين للآخرين، ومبتعداً عن اي شوفينية، وهو يصور مظاهر الخداع والدسائس والمؤامرات والجشع الذي اتسم به تجار وزعماء اوروبا ذوو الاطماع المتلاقية احيانا والمتنافسة احيانا اخرى، وتفادى فيه ان يصور الصليبيين كأشرار والعرب كأخيار. وأظهر الناصر صلاح الدين لا رجلَ قتال فحسب، بل بوصفه طبيبا ورياضيا ورجل دولة وفيلسوفا انسانيا دارت معركته الرئيسية ضد الحملات الصليبية على الشرق. ولكن الأمر عبارة عن صناعة سينما وصناعة كيان، فالسينما صناعة أمن قومى، وأمريكا تسيدت العالم لاهتمامها بالسينما وفنانيها، ونجحت بالفعل فى ذلك، وأثرت فى فئة كبيرة من المجتمعات العربية والأوروبية، فالأطفال يعتقدون أن الضابط الأمريكى أقوى ضابط بالعالم، لأن سينماتهم نقلت للشعوب هذا الفكر، والأزمة هنا غير متمثلة فى ، ولكنها أشمل وأعم . [email protected] لمزيد من مقالات نيفين شحاتة