فى مقابل مسجد الإمام الحسين...يقف الجامع الأزهر صاحب المآذن العالية، والتاريخ المحمل بعبق كفاح أهل مصر، والرائحة العطرة للجمالية والحسين والغورية. الأزهر الشريف, الذى يقترب من عامه الخامس والاربعين بعد الألف, هو من أهل العزم منذ بدأت القاهرة. ولاأحد يعرف ما إذا كان الفاطميون اختاروا له هذا الاسم بديلا عن أسم جامع القاهرة تيمنا باسم السيدة فاطمة الزهراء ابنة الرسول صلى الله عليه وسلم، أم أنه نسب إلى القصور الزاهرة التى أنشئت فى زمن الفاطميين ووصلت مساحتها إلى سبعين فدانا كاملة. ولكن ما نعرفه يقينا أن الأزهر تأثر بحياة المصريين، فلم يخرج عن مسارهم الوطنى منذ أرسيت قواعده عام 970 م، لتصلى فيه أول جمعة بعدها بعامين فى السابع من رمضان. بعدها يلاقى الأزهر بعض الجفاء فى زمن الأيوبيين الذين اعتبروه جزءا من تراث وأفكار الفاطميين. وقد ظهرت هذه المشاعر بوضوح حين انحسرت مساحة الرحبة الكبيرة أمام الجامع التى أقرها القائد الفاطمى جوهر الصقلى وكانت تمتد من السكة الجديدة إلى التبليطة ،وحينما أفتى بن درباس القاضى الشافعى بعدم جواز إقامة خطبة الجمعة به وأقرها فى جامع الحاكم بأمر الله لأنه يمتلك مساحة أكبر للصلاة. كاد الأزهر ان يبتعد عن المشهد لولا الظاهر بيبرس السلطان المملوكى صاحب السيرة الشعبية الشهيرة والذى أحبه المصريون, وكان من ضمن ما قدمه للبلاد والعباد إعادة الصلاة فيه بعد مدة طالت إلى المائة عام، لتتوالى الاصلاحات فى زمن المماليك، وكأن كل من حكم بر مصر أراد أن يكون له بصمته حتى ولو لم يكن سلطان البلاد. فعبد الرحمن كتخدا قائد الجيوش فى زمن على بك الكبير يضيف بابا للصعايدة وبابا للمزينين وباب الشوربة، ويبنى زاوية العميان ويجدد رواق الأتراك والسليمانية و الشوام. أما شيخ الأزهر - وتبعا لكتاب شيوخ الأزهر الشريف - فيعتبر شيخا لعلماء القطر المصرى، و أول من تولى هذا المنصب هو الشيخ الخراشى عام 1101 هجرية, بعد أن استوعب علوم عصره و تخرج على يديه أكثر من مائة عالم على مذهب الامام مالك. ويظهر مشايخ الأزهر الذين يشاركون فى الحياة العامة, منهم مشايخ شديدو الثراء مثل محمد شنن الذى شارك بماله فى إصلاحات الأزهر، ومنهم شاعر وأديب من علماء الشافعية وهو الشيخ الشبراوى، ومنهم قائد مثل الشيخ العروسى الذى ثار العلماء واعتصموا بمسجد الامام الشافعى عندما أراد إبراهيم بك المملوكى تولية غيره، وأيضا الشيخ الشرقاوى الذى جاهد ضد الحملة الفرنسية و قاوم طغيان محمد بك الألفى، وكان هو وعمر مكرم زعماء المقاومة الشعبية. أما الشيخ الدمهوجى فلقب بالزاهد الورع وهو للعلم الجد الأكبر للدكتورة عائشة عبدالرحمن «بنت الشاطى»، فى حين كان الشيخ حسن العطار شديد الرغبة فى الانفتاح على علوم الغرب وكان أستاذا لرفاعة الطهطاوى. ويرتفع صوت الأزهر فى زمن الشيخين الحنفى والانيابى اللذين كانا صوت الحق فى مواجهة الخديو واللورد كرومر. يتكرر الأمر مع الشيخ المراغى الذى أصدر نشرة ثائرة وهى عن منكوبى الثورة فى مصر وصف فيها ما حدث فى مصر للسودانيين الذين ثاروا هم الآخرون على الانجليز تعاطفا مع المصريين الثائرين عام 1919. كما أصدر قانون الأحوال الشخصية، وكانت له عبارة شهيرة قالها للملك فاروق الذى أراده أن يصدر فتوى بتحريم زواج الملكة فريدة من بعده فقال( فأما الطلاق فلا أرضاه، وأما التحريم فلا أملكه) ويرتفع نجم الأزهر أكثر مع الشيخ الظواهرى تلميذ الامام محمد عبده، والشيخ مصطفى عبد الرازق باشا الشاعر والصحفى والفيلسوف، والشيخ شلتوت صاحب جهود التقريب بين المذاهب، والعالم الكبير عبد الحليم محمود واضع القواعد الاساسية لمجمع البحوث الاسلامية. ثورات وفورات وغضب ضد المماليك وضد الفرنساوية والاحتلال البريطانى. ولهذا عندما يعلن عن إصلاحات وترميمات فإن هذا لا يؤكد الا شيئا واحدا: أنه كيان يلتف حوله المصريون يرفع راية الاعتدال, كالماء الصافى حين يقتحم كل تصحر أو غلظة قد تصيب قلب رجل مؤمن.