الفساد غول يلتهم ثروات البلاد والعباد دون وجه حق وهو عمل غير قانونى وغير دستورى بل هو عمل إجرامى يرقى إلى الخيانة العظمى لما يترتب عليه من تدمير خلايا المجتمع وأركانه الاقتصادية وإعاقته عن التقدم والتطور، وله أنواع وأشكال مختلفة مثل الفساد السياسى الذى يبتلع ارادة الدولة، والفساد التشريعى وهو يمثل السعى المنظم من الهيئات التشريعية إلى تجاوز وقائع الفساد أو محاباة الفاسدين على حساب مصلحة الوطن والشعب والخزانة العامة فضلاً عن الفساد المالى والإدارى واستغلال النفوذ.. وتجسدت أهم صور الفساد التى أضرت بالوطن فى عمليات توزيع الأراضى على أصحاب النفوذ والمقربين للسلطة وعمليات الخصخصة وإفساد صناعة الغزل والنسيج وبيع ديون مصر وتصدير الثروات بأبخس الأثمان وانتشار الفقر وارتفاع الأسعار وانعدام العدالة فى الأجور والفساد فضلا عن الاتفاقيات المشبوهة.. لذلك.. وفى السطور القادمة نفند قضية الفساد وكيفية القضاء عليه وعلى الفاسدين للبدء فوراً فى تنفيذ إرادة الشعب المطالب بالعدالة فى ثورتين.. بداية يؤكد الدكتور جمال زهران أستاذ العلوم ورئيس قسم العلوم السياسية بجامعة بورسعيد، والمنسق العام لحركة »برلمانيون عرب ضد الفساد وتحالف العدالة الاجتماعية« أن الفساد إحدى العلامات العاكسة لانعدام العدالة الاجتماعية فى البلاد ووصل إلى قمته فى عهدالرئيس الاسبق مبارك بسبب تحالف السلطة مع الثروة الذى كلف البلاد سنوياً 50 مليار جنيه وخلال فترة حكمه وصل اهدار المال العام الى تريليون ونصف تريليون جنيه من ثروات البلاد والشعب، وتمثل ذلك فى توزيع أراضى الدولة على فئة محدودة من الناس خصصت لهم الأرض بهدف الزراعة ثم تحولت إلى عقارات ومنتجعات سياحية تُباع بالمليارات ،ومنها أرض العياط التى تم تخصيصها ومساحتها 26 ألف فدان تم تخصيصها للزراعة بقيمة ألف جنيه للفدان ثم بيعت إسكان ومنتجعات سياحية. فلو بيع المتر الواحد بألف جنيه تكون قيمة الأرض 100 مليار جنيه فضلاً عن الكثير من الأمثلة من هذا النوع. ثانيا: حصلت جميع الشركات على الطرق الصحراوية على أراض لأجل الزراعة وحولتها بعد ذلك إلى منتجعات واسكان وتربحت بالمليارات وحققت الدولة خسائر تقدر بتريليون جنيه وهو الفرق بين سعر الأرض الزراعية الذى اشترت به هذه الشركات والسعر الذى بيعت بها الأرض كإسكان للناس وهذه الأرقام كانت كافية فى هذا التوقيت لسداد ديون مصر. ثالثا: خصخصة شركات القطاع العام التى تقدر قيمتها الحقيقية ب700 مليار جنيه وبيعت 70% منها بما لا يجاوز ال 60 مليار جنيه وهذا الرقم يكشف بما لا يدع مجالاً للشك عن حجم الفساد. رابعاً: فساد الجمارك الذى يقدر أيضاً بأرقام تفوق الخيال والتهرب الجمركى ولا ننسى واقعة أحد نواب الحزب الوطنى الذى اسقطت عنه العضوية بسبب تهريبه مئات من أجهزة الاتصال. خامساً: تحالف المال والسلطة الذى انتج رموزاً للفساد من رجال الأعمال الذين اشتركوا فى لجنة السياسات مع جمال مبارك وكانوا يساعدونه على التوريث. سادساً: الفساد فى قطاع البترول والغاز الذى بيع لإسرائيل ب75 سنتا فى حين أن سعره الحقيقى كان 6 دولارات للوحدة وهذا يمثل أيضاً صورة من صور النهب المنظم لثروات البلاد لمصلحة أفراد لأنه نقل ثروات الشعب إلى جيوب بطانة النظام. سابعاً: دعم الصادرات الذى بلغ 4 مليارات جنيه يستفيد منها الكبار فقط على حساب العامل والفلاح أو المنتج للسلعة التى تصدر للخارج. ثامناً: كان هناك خطة لتدمير صناعة القطن والكتان وشركات الغزل والنسج مثل شركات المحلة وإسكو. تاسعاً: جسدت الصناديق الخاصة والمنح والمعونات الأجنبية صورة من أهم صور الفساد فى البلاد. عاشراً: فساد الضرائب الذى تمثل فى عدم تحصيل 100 مليار جنيه متأخرات ورقية لدى العملاء وتهرب ضريبى يقدر ب 500 مليار جنيه حيث ان بعض العاملين بمصلحة الضرائب يعملون لدى رجال الأعمال وفى الشركات الخاصة مستشارين لهم .
العدالة الاجتماعية أولاً ولأجل القضاء على ظاهرة الفساد التى رسخ لها نظام مبارك يطالب الدكتور جمال زهران بضرورة العدالة الاجتماعية وإعادة توزيع الثروة فى البلاد بشكل عادل على غرار ما فعله الرئيس الراحل جمال عبد الناصر فى قانون الاصلاح الزراعى وبعد ذلك نسعى إلى تحقيق الحرية والديمقراطية.. وهذا يعنى المشاركة والرقابة من خلال الانتخابات العامة. ويأتى بمن يراقب الحكومة حتى يمنع الفساد من المنبع . ويطالب زهران أيضاً باسترداد جميع شركات قطاع الأعمال العام من مشتريها إذا كانوا قد خالفوا شروط البيع طبقاً للعقد المبرم مع الدولة. مشيرا الى ان الجميع قد خالف شروط التعاقد التى نصت على عدم تغيير نشاط الشركة وعدم التفريط فى العمال وإضافة استثمارات إضافية جديدة فى المجال نفسه وهو ما لم يحدث على الاطلاق بل حدث العكس وهو ما يُبطل العقود. سلطة تشريعية قاهرة ويقول المستشار محمد إبراهيم خليل نائب رئيس محكمة النقض سابقاً أن الفساد قد استشرى فى البلاد وخيم على سمائها فطال أكثر من فيها لا فى الدرجات الدنيا فحسب بل فى الدرجات العليا مشيراً إلى أن الالتجاء إلى الدين والأخلاق لن يجدى فى مكافحة الفساد. ويرى المستشار خليل أنه لابد من سلطة تشريعية قاهرة مؤمنة بأن الوطن يجب أن يكون حسن السمعة حسن المسار وحسن النتائج. بأن يضع من التشريعات المفصلة لتحكم جوانب الحياة. ففى العملية الواحدة يجب أن يحدد المشرع كيفية الرقابة والانتهاء بقواعد محددة مفصلة يقوم عليها أمن الدولة فى أجهزتها المختلفة لا الجهات الأمنية، فهذه تحتاج بدورها أولاً إلى إصلاح تستطيع معه أن تقف إلى جهات أمن الدولة بمعناه الواسع لا الأمنى والشُرطي، فإذا استطعنا ذلك وعرف كل مواطن حقوقه وواجباته التزم كل مواطن بالعمل العام والخاص. ويجب على الدولة ان توفر للمواطن أولاً سُبل العيش الكريم النظيف حتى لا يمد يده ليحصل على مقابل تيسير الأعمال مع علمه بمخالفتها للقانون. فإذا استطعنا كدولة أن نوفر ذلك العيش الكريم استطعنا أن نحقق الطهارة وحسن السمعة للدولة وتقدمها بين الدول والقضاء على الفساد والمفسدين فى الدولة وترسيخ العدل والعدالة بين كل أفراد الشعب ونحقق العيش الكريم للناس.
حماية المُبلغ عن الفساد أما الدكتور رشاد عبده أستاذ الاقتصاد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة فيقول: مطلوب فوراً عمل تشريع واضح يتضمن كل أنواع وأشكال الفساد ووضع العقوبات بشكل مُغلظ جداً.. على أن يتضمن هذا القانون إعفاء المبلغين عن جرائم الفساد وحمايتهم. وكذلك تفعيل دور وزارة التنمية الإدارية من خلال قانون جديد واللوائح المنظمة للعمل فى البلاد وضرورة أن يكون لدينا معايير دولة فى قياس ومعالجة ومحاسبة ومكافحة الفساد ولا مانع أبداً من أن نستفيد ونستعين ببعض التجارب الخارجية الناجحة فى هذا الاتجاه والتى استطاعت مكافحة الفساد والقضاء عليه ونجحت وحققت العدالة ومعدلات تنمية جيدة..كما يجب ترسيخ العدالة فى فرص العمل والاستثمار والدخول والخدمات والتملك فى الأراضى والمشروعات.
روشتة لمكافحة الفساد ويؤكد المستشار أحمد الخطيب بمحكمة استئناف القاهرة أن مكافحة الفساد الذى أضر بالبلاد والاقتصاد وأخل بميزان العدالة تتم عن طريق الاصلاح الاقتصادى ذلك لأن سد منابع الفساد من شأنه توفير موارد مالية لمصلحة الخزانة العامة بما يدعم الاقتصاد الوطنى ويعتمد ذلك على عدة محاور هي: 1 المحور القانوني: ويعتبر الأداة اللازمة لتنظيم التعاملات داخل الدولة ووضع الضوابط الحاكمة لها العقوبات اللازمة التى تطبق عند وجود الفساد من خلال إصدار التشريعات وتعديل القائم منها ويأتى على رأسها تعديل قانون المناقصات والمزايدات بما يناسب الظروف الحالية ويعالج أوجه القصور التى تفتح الباب للتلاعب فى المال العام. وإعادة النظر فى قانون تحصين العقود لأن إغلاق الباب أمام المواطن العادى فى الطعن يتعارض مع الدستور الذى كفل للمواطن حق التقاضى دون تفرقة وباعتبار أنه شريك فى ملكية الأموال العامة ومن حقه الدفاع عنها خاصة أن أغلب العقود التى أبرمتها الدولة قضى ببطلانها وكان الطعن عليها بواسطة أفراد عاديين. ولم يقدم من الدولة وتم إعادة الكثير من الأموال للخزانة العامة وهو ما يؤكد فساد تلك العقوبة. ويترك الأمر للقضاء فله الحق فى قبول الدعوى أو رفضها.. وعلينا أن نشجع الاستثمار بالعقود الصحيحة وتذليل العقبات الإدارية وإيجاد مناخ جاذب له. ثانيا: ضرورة منح الأجهزة الرقابية الحق فى متابعة قضاياها أمام المحاكم فهى الأكثر خبرة بملابساتها وبإمكانها تقديم ما يدعم موقفها وقضاياها فى أى مرحلة من مراحل التقاضي. ثالثا: ضرورة انشاء مفوضية أو مجلس أعلى لمكافحة الفساد يضم رؤساء أو ممثلين عن الهيئات الرقابية على أن يكون من اختصاصه وضع استراتيجية لمكافحة الفساد ووضع الخطوط العامة للقضاء عليه والتنسيق بين كل الجهات منها لأى تضارب أو تعارض بينها . فضلاً عن القيام بنشر الوعى والثقافة القانونية لدى المواطنين بنوعية المخالفات التى تتعرض لها أموال الدولة ووسائل التصدى لها والأثر المترتب عليها. رابعاً: ضرورة انشاء محاكم خاصة تتولى نظر جميع القضايا المتعلقة بأوجه الفساد تحقيقاً لسرعة الفصل فيها والعدالة الناجزة حتى نستفيد من الخبرات التراكمية لدى القضاة العاملين فى ذلك النوع من القضايا وهو أحد أنواع القضاء المتخصص الذى يتم تشكيله من قضاة عاديين ولا يعتبر محاكم خاصة أو قضاء استثنائيا وطبعاً يفضل نشر جميع الاجراءات التى تم اتخاذها من جرائم الفساد حتى تكون رادعا.