ورث عن أبيه شعره الكثيف الكستنائى اللون، وابتسامته الصغيرة تسخر أحيانا بهدوء، وورث من أمه عينين سوادهما العميق فيهما لمعة دافئة كلما دخل أحد المقربين إليه فى مكتبه الواسع تناثرت فيه قطع الأثاث الفاتحة اللون ، المصنوعة من خشب الأرو توحى بلمسة أنثوية تتجاوب مع وسامة تقاطيعه وليونة قوامه فى أثناء المشى. كان يعيش وحده فى منزل كبير بعد أن انفصل عن زوجته وهو لا يزال شابا، تاركا لها ابنتهما الوحيدة ليمارس حياته وتعدد علاقاته النسائية متحررا من أي قيود. كل صباح فى طريقه إلى النادى حيث يمارس لعبة الإسكواش كان يمر بشارع عريض يمتد إلى جوار النيل ينقسم إلى حارتين بينهما رصيف لا يزيد عرضه علي نصف متر وفيه مشتل كبيرأُقيم أمامه مطب تسبقه خواببر معدنية مدكوكة فى الأسفلت يحرص السائق على اجتيازها ببطء حتى لا تهتز السيارة فتزعج سيده المستغرق فى قراءة تقاريرالإنترنت عن حالة السوق، وكتابة بعض الملاحظات فى الكمبيوتر الصغير يسقط من ظهر المقعد القائم أمامه. فى صباح أحد أيام الشتاء والسيارة تجتاز المطب سرح السائق وأخطأ فى نقل «الفيتيس» فتوقفت عن السير لحظة، طالت قليلا إلى أن أستأنف المحرك دورانه. أطل من النافذة فلمح بطانية ملقاة على الرصيف الضيق الذى يفصل ما بين الحارتين، وقد ارتفع جزء منها قليلا عن مستوى الأرض. كان الوبر فيها متآكلا، ومتسخا التصقت به طبقة كثيفة من التراب ظهرت من تحتها مساحات وردية باهتة، ورسومات بنية اللون. اندهش لوجودها على هذا الرصيف الضيق تكاد تحتك به السيارات المارة بسرعة على جانبيه. خطر فى باله تساؤل، ترى هذا الارتفاع البسيط هل يمكن أن يكون جسم آدمي رقد تحت الغطاء طوال النهار والليل فقد كان ضئيلا للغاية يكاد لا يلاحظ إلا إذا أمعنت العين النظر فيه. تحركت السيارة فعاد إلى التقرير الذى كان يقرأ فيه. كان ينتظره اجتماع مهم لمجلس إدارة البنك فى هذا اليوم فعاد إلى البيت متأخرا. تناول عشاء خفيفا أعدته له الشغالة الفليبينية، صعد بعده إلى غرفة نومه. وهو يخلع ملابسه وقعت عيناه على الغطاء المنسوج من الصوف الكاشميرى والمفروش على سريره. شىء في ألوانه أعاد إليه الغطاء الذى لمحه فى الصباح على الرصيف الممتد بين الحارتين. فى تلك الليلة جاءه كابوس رأى فيه أباه راقدا على الأرض يطل وجهه الشاحب المنكمش من تحت غطاء وقد برزت عظامه حادة كأنها قد تخترق الجلد. بدا مجرد هيكل أدمى تآكل لحمه. كانت ألوانه تشبه تلك التى لمحها فى الغطاء الراقد على الرصيف بعدها بأسبوعين تقريبا عندما أبطأت السيارة لتجتاز المطب تصادف أنه أطل من النافذة لحظة سريعة كأن إحساسا غامضا دفعه ليطل، فلمح البطانية وهى راقدة فى مكانها، لكن هذه المرة بدا له أنه فى تلك اللحظة حدثت فيها حركة ارتفاع بسيطة. فى الأيام التى توالت بعدها صار ينتظر اللحظة التى ستمر فيها السيارة فوق كانه يريد أن يرى إن كانت مازالت موجودة هناك. فى أحد أيام الأحد قريبا من نهاية شهر فبراير فوجئ وهو يطل من النافذة بيد سمراء نحيلة، أظافرها المدببة مكسورة وتناثرت على ظهرها نقاط غامقة كالدم عندما يجف. نحت طرف من البطانية جانبا. بدت كأنها معلقة على ذراع يشبه عودا من البوص قد تسقط منها فى أي لحظة، ثم ظهر وجه كان يمكن أن ينتمى إلى جثة تم تحنيطها، فتملكه مزيج من القرف والخوف. تمتم السائق ببضع كلمات وتوقف عن السير لحظة أمسك فيها ببعض النقود المعدنية كان يضعها فى التابلوه وهم بالضغط على مفتاح النافذة فزعق فيه قائلا «إنت بتعمل ايه؟ أوعى تفتح الشباك. الشغل مالى البلد لكن دول مش عايزين يشتغلوا»، فأنطلق بالسيارة مسرعا على الطريق. سارت أمور الحياة فى مجراها الطبيعى بين العمل على رأس البنك الذى أنشأه جده فى بداية عصر الملك فاروق، وبين النادى وبعض سهرات الليل. أصبح السائق يتفادى المرور فى هذا الشارع تنفيذا لتعليماته، لكن بين الحين والحين عندما يصعد إلى غرفة النوم كانت نظراته تقع على غطاء السرير الكاشميرى الجميل الذى أهداه له رجل أعمال هندى فينتابه إحساس بخوف غامض. تذكره ألوانه بالبطانية الملقاة على الرصيف. أمر بتغييره فتلاشى هذا الإحساس لكن بالتدريج صار نومه متوترا وفى إحدى الليالى جاءه كابوس رأى فيه أباه راقدا على الأرض تحت بطانية ممزقة، قديمة تشبه بطانية المتسول الذى مد يده عند المطب طلبا للصدقة. صار يشعر بالتعب والتوتر، بأن الحياة لم تعد كما كانت، فقرر أن يقوم بإجازة لمدة أسبوعين يقضيهما وحده بعيدا عن العمل ومشكلاته، إجازة لن يصطحب فيها حتى خليلة من خليلاته، وأن يقضى الإجازة على شواطىء بحر إيجيه. يوم أن وصل إلى الفندق الذى حجز فيه سويت كان البحر الأزرق هادئا يغرى بالغطس فيه، صار يسبح كل يوم ساعة شروق الشمس، يتناول بعده إفطاره فى حجرته جالسا على الشرفة فى الشمس وهويتطلع إلى البحر، وإلى الجبال الخضراء البعيدة. بعد أن مر أسبوع أحس بتحسن فى حالته، أن معنوياته عادت كما كانت، رغم أن شيئا من التوتر الخفى ما زال يتحرك فى أعماقه لحظات، لكنه كان قد مل الوحدة والبعد عن عمله فى البنك فقرر أن يختصر الإجازة. فأبلغ إدارة الفندق أنه سيغادر فى اليوم التالى، وقام بتغيير مواعيد رحلات الطيران عن طريق مكتب السفرالقائم فيه. فى اليوم التالى نقر الجرسون الذى يحمل له الإفطار على باب غرفته مبكرا حسب رغبته، لكنه لم يسمع ما يفيد الإذن بدخوله. ظن أنه لا يزال نائما فعاد بالصينية إلى المطعم. لكن الرجل المقيم فى الغرقة لم يخرج منها حتى الساعة التى كان يتناول فيها غداءه، رغم إبلاغه إلإدارة بأنه سيغادر الفندق فى العاشرة صباحا، واتفاقه معها على حجز سيارة لتنقله إلى حيث سيبدأ رحلة العودة. حتى الساعة الخامسة بعد الظهر لم يظهر، ولم يرد على التليفون. نقروا على بابه مرات بهدوء، ثم بقوة متزايدة لكنه لم يرد، فصعد مدير الفندق ليقف مع العاملين الذين تجمعوا أمام باب غرفته. أمرهم بفتحه، ودخل هو قبلهم. فوجئ برجل عجوز راقد فى الفراش، نحيل الوجه برزت عظامه حادة من تحت الجلد. كانت يداه النحيلتان ظاهرتين أعلى الغطاء الكاشميرى المطرز برسومات بنية وحمراء زاهية اللون. كان يتنفس بصعوبة ويغمغم بكلمات غير مفهومة، فرفع المدير سماعة التليفون، واتصل بطبيب الفندق لكن عندما صعد الرجل الى الغرفة وجده جثة غاب عنها النبض.