في مسرحيتها القط توم اختارت الكاتبة البريطانية كاريل تشرشل أرضا لم تحدد لها اسما، وزمنا اقرب ما يكون للعصور الوسطي. حيث ساد الجهل وفُرغ الدين من جوهره ليصبح مجرد قشرة زائفة تبرر العفن لصالح الأثرياء وتجار الدين والمشعوذين، بما يضمن استمرار غيبوبة المستضعفين ضحايا الفقر والجهل وسحق الحلم والفكرة لحظة الميلاد. وبقدر الألم والمرارة اللذين يتسربان للنفس مع توالي مشاهد المسرحية، بقدر حالة التنوير الكاشفة لكل ملامح الشخصية المقهورة، امرأة كانت أم رجلا، المحاصرة بعجز وخرافات يدفعانها لاحتضان آلامها ويحولان بينها وبين مواجهة الحقيقة والسعي لتغيير واقع مزر والاستنامة لفكرة أن القوي الشريرة والشيطان هما المسئولان عن مأساتها أيا ما كانت.. في هذا الإطار قدمت كاريل تشرشل مجموعة من الشخصيات المطحونة بسبب الفقر أو لرفض تقاليد بالية أو لحاجة اقتصادية أو إحباط عاطفي.. الكل أحلامه مكبلة ومرهونة بقوي خارجية مُستعصية، الأمر الذي يضطرهم للجوء لعجوز القرية الموصومة بالسحر وبتسخيرها للشيطان، الذي تلبس جسد قطها العجوز«توم»، لقضاء حاجاتها والانتقام من أهل القرية، لتنتهي المسرحية بمحاكمة الجميع ومحاولة إخراج الشيطان من أجسادهم ثم حرقهم.. وهنا لابد أن اعترف أنني عندما قرأت مسرحية «القط توم» أول مرة انتابتني حالة من الذهول، ففي ذلك الحين كانت أحاديث الجن والسحرة وليمة يومية علي صفحات بعض الجرائد المصرية، بل إن الممارسات التي كتبت عنها كاريل تشرشل تطابقت مع ما كان يُنشر آنذاك عن أساليب المشعوذين المصريين لإخراج الجن من البيوت والممسوسين !!.. وهنا يصبح السؤال المنطقي هل الشعوذة موروث إنساني أم أن انتشارها مرهون بتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والجهل؟! ففيما تروي لنا الأساطير القديمة حكايات من عصور سحيقة عن رقي وأحجبة وتمائم لتأليف القلوب ودفع الضرر ومقاومة الأرواح الشريرة أو توظيفها، يؤكد الواقع أن إنسان العصر الحديث رغم التقدم العلمي والتطور الفكري لا يزال يحمل رواسب التطير والتفاؤل وتراوده الرغبة، وإن خشي التصريح بها وكرر الحديث الشريف »كذب المنجمون ولو صدقوا«، في قراءة الطالع و معرفة الحظ والاطلاع علي الغيب. الأكثر من ذلك أن فكرة السحر الأسود التي ارتبطت بالقارة السمراء لقرون طويلة، والتطير من أوقات بعينها وحيوانات وأرقام في ثقافتنا المصرية، لها ما يقابلها في الثقافة الغربية (كالبيوت المسكونة وعدد زوار مواقع قراءة الطالع وتفسير الأحلام علي شبكة الإنترنت). وفي كتابهما »البحث عن التوافق في عصر العلم و التكنولوجيا« أشار لينر وكوبي لإحصائية صدرت في ستينيات القرن الماضي قدرت حجم أنفاق الأمريكيين سنويا علي التنجيم بثلاثمائة مليون دولار، وحددت عدد المنجمين ب 250 آلف مقابل 80 آلف قارئ للبخت وعددت 2500 جريدة ومجلة تنشر حظك هذا اليوم أو الأسبوع. في المقابل ظهرت أكثر من دراسة عن المركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية في بدايات الألفية الثالثة، أثبتت أن المصريين ينفقون ملايين الجنيهات سنويا علي الدجالين والمشعوذين، وأن 300 ألف شخص يعملون في مجال الدجل والشعوذة في مصر، وأن مليون مصري يعتقدون انهم ممسوسون، وأن 50% من السيدات المصريات يعتقدن بتأثير السحر، وأن اللجوء للدجالين ليس قاصرا علي الأميين بل يشمل مثقفين وأصحاب مناصب رفيعة!!.. كذلك فقد قدرت دراسة ميدانية بنفس المركز البحثي إجمالي الخرافات التي تسيطر علي المصريين ب 274 خرافة، منها أن القطط تتلبسها العفاريت ليلا.. في ذات السياق تتداعى إلي ذاكرتي دراسة عرض لها زميلنا الأستاذ خميس البكري في الأهرام قبل عشر سنوات، أثبتت أن مدينة المحلة نظرا لطبيعتها الصناعية لم تكن بيئة صالحة لتغلغل الشعوذة والدجل بعكس مناطق أخري في القطر المصري عانت تداعيات الظاهرة. ولعل الدراسة الأخيرة تحديدا لا تفسر لنا فقط أسباب ظهور ثقافة الشعوذة بل أيضا محدودية أثارها السلبية في مناخ مستقر اقتصاديا وعلميا يحقق طموحات الإنسان، وخطورتها في البلدان التي تفتقد ذلك. ففيما يوضح د. كمال دسوقي في كتابه علم النفس ودراسة التوافق أن الإحباط والحرمان وعدم الرضا عن النفس تدفع الإنسان للبحث عن وسائل غيبية لتأمين ذاته، يشير علماء الاجتماع لتعقد وصعوبة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية باعتبارها دافعا لشيوع الشعوذة بحثا عن طمأنينة ولو كانت كاذبة.. وعند هذا الحد وبغض النظر عن الأسماء والأماكن أظن أن قط كاريل تشرشل وساحراتها سيظلون التعبير المناسب عن ضحايا القهر الذين لن يجدوا متنفسا لحلم محبط و غضب مكبوت إلا بين يدي مشعوذ.. لمزيد من مقالات سناء صليحة