البورصات العربية تستقر في المنطقة الخضراء بنهاية تعاملات اليوم.. والبورصة المصرية تخالف الاتجاه    أردوغان يزور السعودية غدا للقاء ولي العهد لبحث الأوضاع في غزة والقضايا الإقليمية    محافظ شمال سيناء من معبر رفح: 1200 فلسطيني أنهوا علاجهم بالمستشفيات المصرية    مصابون باستهداف إسرائيلي لبيت عزاء وسط غزة    تقرير: اتحاد جدة يتوصل لاتفاق مع موناكو من أجل ضم مهاجمه الشاب    تشكيل النصر - غياب رونالدو أمام الرياض بعد غضبه من إدارة النادي    جوناثان الكاميروني ثاني صفقات كهرباء الإسماعيلية الشتوية    الزمالك يوضح حقيقة وجود لجنة الأموال العامة داخل النادي    الطب البيطري بجنوب سيناء: توفير ملاجئ آمنة للكلاب الضالة    رئيس الوزراء يتابع الموقف التنفيذي لمشروعات حماية الشواطئ    جامعة القاهرة تحصد الصدارة في المسابقات الرياضية والفنية والثقافية على مستوى الجامعات    قرار جمهوري بتعيين الدكتورة منال فريد عميدًا لكلية التمريض بجامعة المنوفية    عاجل- الأرصاد تحذر: رياح محملة بالأتربة تضرب القاهرة والمحافظات وتحجب الرؤية طوال اليوم    الإعدام شنقًا لربة منزل قتلت زوجها وأطفاله الستة في دلجا بعد تصديق المفتي    محافظ كفرالشيخ يتقدم الجنازة العسكرية لشهيد الواجب النقيب «عمر معاني» معاون مباحث مركز شرطة الحامول| صور    كيفية إحياء ليلة النصف من شعبان    العلاج مجانًا.. طب الإسكندرية توقع الكشف على 725 حالة وتحول الحالات الحرجة لمستشفى الجامعة ضمن قافلة طبية بالعامرية    رقابة أبوية وتصنيف عمري، تشريع حكومي جديد لحماية الأطفال من محتوى السوشيال ميديا    محافظ أسيوط يطلق المرحلة الثانية من مبادرة "وحشتنا أخلاقنا"    مفوضة الاتحاد الأوروبي: أوكرانيا مستعدة لتقديم تنازلات صعبة    القاهرة الإخبارية: السوداني يبحث الاستحقاقات الدستورية مع رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني    رئيسة القومي للطفولة تشارك في جلسة حوارية بعنوان "حماية المرأة والفتاة من كافة أشكال العنف"    الهاتف يهدد الأطفال «8 - 10».. هل يمكن تقنين استخدام الصغار للأجهزة اللوحية؟    محمد حسن يكتب: وزارة الثقافة تعاني من غياب الرؤية وتجاهل المبدعين.. تحولت إلى عبء إداري لا مشروع تنويري.. وزير بلا استراتيجية ومؤسسات بلا روح    قبل عرض مسلسل مناعة.. كندة علوش تدعم هند صبرى فى سباق رمضان 2026    مديرية التضامن الاجتماعي بالقليوبية تعقد اجتماعا لاختيار الأم المثالية    المنتجة ماريان خوري تستقيل من مهرجان الجونة.. لهذا السبب    شريف مصطفى يفتتح معسكر التضامن الأوليمبي الدولي للكونغ فو استعداداً لأولمبياد الشباب    محمود عاشور يشارك في معسكر حكام الفيديو المرشحين لكأس العالم    وزارة الزراعة تطرح كرتونة البيض ب 110 جنيهات بمعرض المتحف الزراعى بالدقى    علاء عز: تفعيل التعاون بين الغرف التجارية المصرية والتركية لإنشاء مناطق صناعية تركية    رئيس مجلس الشيوخ يهنئ رئيس الجمهورية بليلة النصف من شعبان    ب 15 مليون جنيه.. محافظ المنوفية يتفقد إنشاءات مدرسة مصطفى الربيعي الإعدادية بشبرا زنجي لتقليل الكثافة الطلابية    متفقهون في الدين.. المتسابقون ببورسعيد الدولية يتنافسون في فرع الحافظ المتفقه ولجان التحكيم تشيد بالمستوى    التخطيط تُطلق تقريرها السنوي لعام 2025 بعنوان "النمو والتشغيل والقدرة على الصمود.. تهيئة الاقتصاد المصري للمستقبل"    وزير المالية ومركز المعلومات يكرمان صاحب المبادرة المجتمعية الأعلى تقييمًا في «الإصلاح الضريبى»    الرقابة المالية ترفع الحد الأقصى لتمويل المشروعات متناهية الصغر إلى 292 ألف جنيه    «إكسترا نيوز» ترصد حجم الإقبال اليوم على معرض القاهرة الدولي للكتاب بمركز مصر للمعارض الدولية    وزير الثقافة ينعى الفنان التشكيلي حسام صقر    إصابة 23 عاملاً في انقلاب «ربع نقل» على طريق الإسماعيلية الصحراوي    حالة الطقس.. أتربة عالقة وأجواء مغبرة تغطى سماء القاهرة الكبرى والمحافظات    4397 مستوطنا يقتحمون باحات الأقصى خلال يناير 2026    بالورود ومساعدة كبار السن.. لقطات إنسانية من الهلال الأحمر مع الفلسطينيين.. صور    قوائم طويلة من الفلسطينيين تنتظر العبور عبر معبر رفح إلى مصر لتلقي العلاج    صوم يونان.. دعوة للقلب    فضل شهر شعبان.. دار الافتاء توضح فضل الصيام فى شهر شعبان    مواقيت الصلاه اليوم الإثنين 2فبراير 2026 فى المنيا.... اعرف مواعيد صلاتك بدقه    أسعار الدواجن البيضاء والبلدى بالأسواق والمحلات فى الأقصر اليوم الإثنين    تسليم نظارات طبية لأكثر من 5000 تلميذ بالمرحلة الابتدائية ضمن مبادرة «عيون أطفالنا مستقبلنا» في بني سويف    عمر كمال: رفضت 30 مليون جنيه من بيراميدز وهذا سبب رحيلي عن الأهلي    محافظ الأقصر يحضر احتفال العائلة الحجاجية بالليلة الختامية لمولد أبو الحجاج    حياة كريمة.. صحة دمياط تستهل فبراير بقافلة شاملة تخدم 1217 مواطنا بفارسكور    وزير الصحة: تفعيل الخطة القومية للخدمات الصحية الطارئة ورفع درجة الاستعداد بالتزامن مع فتح معبر رفح    لتجنب اضطرابات الهضم، طرق تهيئة المعدة لصيام رمضان    إبراهيم صلاح: فوز الزمالك على المصري مهم ويعكس جاهزية اللاعبين الشباب    جرامي ال68.. «الخطاة» يستحوذ على جائزة أفضل ألبوم موسيقي تصويري لأعمال مرئية    الجيش الإسرائيلي يعلن اغتيال رئيس قسم بدائرة الهندسة في حزب الله    دار الإفتاء: صيام يوم النصف من شعبان من جملة الأيام البِيض من كل شهر    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أدونيس : الثورة الكبرى تعنى فصل الدين عن السياسة
الربيع العربى نذير أخير .. استيقاظ العرب أو الانحدار

وسط عالم تتخاطفه الأحداث من كل جانب جاءت الحوارات , محاولة لترتيب أفكارنا والدوران فى فلك وعى جديد ,لعلنا نصل الى القدرة على اعادة التفكير فى الاسئلة المطروحة على الساحة العالمية .
فالحوارات التى نقدمها بدءا من اليوم حول المستقبل بمثابة حفر معرفى فى أذهان النخبة العالمية الذين قبلوا بشجاعة تحدى الاجابة على أسئلة محورية وشاملة حول الموضوعات الاكثر أهمية وحيوية على الساحة العالمية المعاصرة وارتدادتها على المحيط المصرى والعربى , ونتوقف عمدا عند محطات فكرية ذات دلالة فى السياق التاريخى والحضارى منها التجربة الديمقراطية... ونتاجات الحداثة... وحوار الحضارات والتعددية الثقافية فى مواجهة العولمة.... ولا يمكننا أن نغفل هذه الثلاثية التى تثير جدلا صعودا وهبوطا ,كرا وفرا ,وهى الدين بالمعنى العام ,والعلمانية ,والاسلام السياسى بوجه خاص . فجاءت حوارات المستقبل محاولة لقراءة هذا الوضع المتفجر بالاسئلة المتشابكة.باختصار هى قراءات متأنية فى زمن متعجل .

ربما يكون السؤال الذى لم نسأله لأدونيس ..كيف تأتى البراءة لعقل فلسفى درس الفلسفة وبعدها رحل إلى عالم منفتح..؟!! هذه الرحلة التى بدأها على احمد سعيد اسبر المعروف بإسمه المستعار «ادونيس» (تيمنا بأسطورة أدونيس الفينيقية) من نصابين فى سوريا ثم إلى بيروت ثم إلى باريس وهو يحمل براءته أينما ذهب- كيف لة أن يفرح خلالها وهو يعايش عالمين مختلفين، عالم النشأة والجذور المشدود إليها بحكم ثقافته العربية، وعالم يود أن يكشفه ليستطيع من خلال هذا الاكتشاف أن يصنع شيئاً لثقافته...؟!! فإذا به يجد نفسه أمام تجربة إنسانية شديدة الوطأة تضعه فى اختبار وجودى من الطراز الأول.. هذا الاختبار الذى طرحه رائد الوجودية «كير كيجارد « حينما رفع شعاره الشهير (إما أو) ومع (إما أو)..لا يمكن الحديث عن البراءة ..لكن يمكن الحديث عن موقف حاسم يصنع حياة ويخلق موقفاً محددا للاتجاه, ورؤية غير منقسمة على ذاتها ..وقد قرر «أدونيس «أن يذهب بثقافته إلى آخر الرحلة... إما التجديد وإما الموت ..إما الحداثة أو التقليد... ولان ادونيس له العديد من المؤلفات التى نال بها جوائز عالمية , ياتى فى مقدمتها «الثابت والمتحول», وكان ومازال مرشحا لنوبل.. فقد اخترنا فكرة هذا الحوار عن «الحداثة» ومابعدها .. إشكالية الاتصال والانفصال.
وأبدأ حوارى حول كتابه «الثابت والمتحول» الذى كتبه منذ أربعين عاما ومدى أهمية هذا الطرح الان ... بعد أن جرت مياه كثيرة فى النهر ؟
يبقى كتاب «الثابت والمتحوّل» البداية الأولى لقراءة الثقافة العربية والحياة العربية، فى منظور الحداثة وانقلاباتها وتحوّلاتها وآفاقها المعرفيّة والإنسانية.ولا بدّ من أن ترافقه كتبٌ أخرى تعتمد على هذه القراءة فى مختلف المجالات السياسية والاجتماعيّة والثقافيّة. فالعرب اليوم لا يعرفون من هم. وإنّه لبؤسٌ ثقافيٌّ عربيّ فاضح ألاّ نجد فى المكتبة العربيّة، على سبيل المثال كتاباً واحداً عن اللغة الشعرية العربية وجماليّتها، ومعنى كينونة الإنسان فيها، مع أنّنا نوصَف بأنّنا « أمّة الشعر «! فما نراه فى هذا الإطار ليس إلا استعادةً وتكراراً لما أشار إليه جزئيّاً بعضُ نقّادنا القدامي. وما يُقال عن اللغة الشعريّة هنا، يمكن أن يُقال فى ميادين أخرى اجتماعيّة وأنتروبولوجيّة وتاريخية وفلسفيّة وفنّيّة.
فى مقارنة مع الحداثة الغربية انت تضع علامات فارقة بين الحداثة كما فهمها وطبقها الغرب, والحداثة كما لم نفهمها ,وإن كنا نستخدم منجزاتها....؟
الحداثة الغربية مغامرة فى المجهول (فيما لم يعرف) أما الفهم العربى للحداثة فهو عودة إلى المعلوم وبينما تؤكد الأولى على الذات (الغربية) تؤكد الثانية على نحن فى الماضى أى (الأمة الأولي). وبينما تكون السمة المميزة للأولى التساؤل والشك تؤكد الثانية على اليقين والتسليم وأخيراً الأولى تخصص بمعنى الانفتاح واللانهائية بينما تتوقف الثانية على المذهبية والانغلاق. .
واضيف..لا يزال المجتمع العربيّ، فى بنيته العميقة وفى رؤيته الأساسيّة إلى الإنسان والحياة والفنّ، وإلى الكون، بعامّة، يعيش فى مرحلة «ما قبل الحداثة». وفى مرحلة ما سُمّى ب «عصر النهضة» خان «حداثته» الأولى التى أسّس لها الشعر والفكر فى القرن الثانى الهجريّ (القرن الثامن الميلاديّ )، وعاد إلى محاكاة الأقدمين الذين أسّسوا لثقافةٍ تقوم على تقليد الأصول : الدينيّة واللغويّة، كما أرساها هؤلاء، وفقاً للشرع الدينيّ. وهذا ما مهّدت له أنقاض الأمبراطوريّة العثمانيّة، ودعمه الاستعمار الذى حلّ محلّها. وهكذا أُضيفت إلى محاكاة «القديم» العربيّ، محاكاة «الحديث» الأجنبيّ. لم يتابع المجتمع العربيّ «حداثته»«، ولم يأخذ من الحداثة الغربيّة مبادئها العقليّة والإبداعيّة، وإنّما اكتفى بأخذ منجزاتها فى جميع المجالات. فهو فى علاقته بالماضى مقلِّدٌ وهو فى علاقته بالغرب مقلِّد مُستَهلِك.
المجتمع العربيّ، الآن، ركامٌ وأنقاضٌ، حنينٌ وبكاء، عذابٌ وضياع، تمزُّقٌ وتشتُّت. والمسرح ضخمٌ يتموّج فى الهواء الطَّلق، بدءاً من الجزائر وانتهاءً بالعراق، مروراً بسُرّة الانهيار: فلسطين.
إنه مجتمعٌ يشكِّل، فى هذا الإطار وعلى هذا المستوي، ظاهرة قد تكون، بعجزها ومأساويتها وشللها، فريدةً فى التاريخ. فهو خليطٌ عجيب متنافرٌ ( ومتماسكٌ فى الآن ذاته ) من القرون الوسطي، ومن قرون الحداثة الغربية بجوانبها العثمانية المترسّبة، المتأصّلة وبجوانبها العسكرية الاقتصاديّة المُهَيمِنة حتى الطّغيان.
ولكن هذا ما سبق ان ذكرتة كثيرا واتهمت بسببة بانك تهدم التراث وتقوض اركان التقليد لتؤسس ما تبتغيه..فيما يرى مناصروك انك اصطنعت طريقا جديدا بصياغة معاصرة للتراث باحثا عن مواضيع مضيئة فى تاريخ الثقافة العربية ؟.
يقول أدونيس: هذا ما يحدث فى الواقع الثّقافيّ العربيّ المتهالك التّابع، ولكن دعنى اشير الى جهود اخرى قام بها متعلمون عرب انتبهو إلى أشكال التعبير الحديثة فى الغرب، وبخاصّةٍ فى ميدان الشعر والأدب والفنون بعامّةٍ. وتبنّوا هذه الأشكال، وأنجزوا - بدءاً من النصف الثانى من القرن العشرين المنصرم- أعمالاً بالغة الأهميّة تضاهى إبداعات الغرب، وأحياناً تتفوّق عليها. وإذا كانت هذه الأعمال أثبتت مواهب الفرد العربيّ وقدراته الخلاّقة، فإنها على العكس، أثبتت تخلّف المؤسّسة الثقافيّة العربيّة، والعقليّة التى تسيّرها أو تستند إليها، وأثبتت قصورها سياسيّاً واجتماعيّاً واقتصاديّاً. فالفرد العربيّ أكثر تقدّماً ووعياً وإبداعاً من «البنية» التى ينتمى إليها. وهذه مفارقة كبيرة سوف تظلّ قائمة إذا لم نقم بالثورة الكبري: الفصل الكامل بين ما هو دينيّ من جهة، وما هو سياسيّ ثقافيّ اجتماعيّ من جهة ثانية. كلّ ما هو حداثة فى المجتمع العربيّ نوعٌ من «العدوى»، ثقافيّاً، وهو، اقتصاديّاً واجتماعيّاً، استهلاكٌ محض.
ما الذى يمكن أن يسجله مفكر بحجم أدونيس - يعيش اللحظة الراهنة فى العالم العربي- للحداثة والتجديد والإبداع ..,كيف يرى ثورات أو هبات تتطلع إلى المستقبل فإذا بها تشدنا إلى ماضيٍ عتيد.. كيف يمكن للثورة ألا تكون تحولا إلى المستقبل ، هل نختلف عن العالم فى مفهومنا للثورة ؟!!
هنا يستشهد أدونيس بمقولة بسمارك «الزمن معلِّمٌ كبير». ومع أنّ أوساطنا الاجتماعيّة تكرر مثل هذا القول، بشكلٍ أو آخر، فإننا نحن العرب نبدو كأننا نعيش دون إحساس بالزمن، وكأنّنا لا نتعلّم شيئاً من التّجارب حتّى تلك التى تدمّرنا، وأنّنا نعيش هانئين فى الماضى وذاكرته، مرفرفين طائرين على أجنحة الأبديّة. وفى رفضنا الزّمن ما يفسّر رفضنا التراجيديا. فنحن العرب شيء من الغناء والرقص والموسيقي.أمّا التراجيديا فنعدّها ضدّ معتقداتنا.
هكذا تبدو الثورات التى قمنا بها، ماضياً وحاضراً، جزئيّة وسطحيّة محصورة فى تغيير السلطة. إنها ثورات أبويّة، دينيّة، تقليدية. كأننا نقول لأنفسنا وللعالم: لسنا فى حاجة إلى بناء مجتمع عظيم، إنسانيّاً وحضاريّاً. بل إلى «قائد» ننصِّبه بوصفه «الأوحد» و «الأعظم»، ثمّ بعد فترة، نعمل على تغييره بآخر «أوحد» و «أعظم». كأننا فى حاجة دائمة إلى أبٍ صورة، يضمن لنا فكرة « الأب المعنى «، ويخلّدها.
يقال أن الشعر ديوان العرب، واللغة هى وسيلة التعبير عن الوجود الحى فإذا لم يمثل الشعر حالة الوجود الحى فى لغة مبتكرة جديدة وأساليب مستحدثة تعبر عن الإنسان العربى بكل ما يجول فيه من أحلام وعذابات ورغبات وانكسارات، فإنه يضع اللغة على هامش الحياة اليومية إذ أنه بوسعه أن يطورها ويساعدني. فهى بدورها يمكنها أن تعطيه وتعطينى آفاقاً رحبة نحو التعبير. ؟
لابدّ للشاعر العربيّ اليوم أن يتذكّر وأن يعي، فى ضوء التجربة الكتابيّة الشعريّة، منذ منتصف القرن العشرين المنصرم، ثلاثة أمور: الأول هو أنّ الإيديولوجيّ السياسيّ، فى الفنّ والشعر، سرعان ما يذبل ويتخطّاه التاريخ، والثانى هو أنّ الفرديّ البكائيّ، سرعان ما يذبل هو أيضاً.
والثالث هو أنّ القصيدة نهرٌ ضفتاه الذاتيّ الخاصّ، من جهة، والإنسانيّ العامّ، من جهة ثانية. وفيما وراء الإيديولوجيات بأنواعها كلّها، والبكائيّات الفرديّة، فى مختلف مستوياتها. وأنّ الشعر ليس مجرّد لغة جماليّة، وإنّما هو لغة الكينونة. إنّ شعر امريء القيس وطرفة وأبى تمّام وأبى نواس والمتنبّى والمعرّى ليس شعر الحياة الفرديّة وحدها، وإنّما هو كذلك شعر العروبة أو الكينونة .
هل أطمع فى مزيد من التوضيح حول هذه النقطة بالتحديد؟
مثلاً، أرى فى النثريّة الابتذاليّة الشائعة اليوم فى وسائل الإعلام، الورقيّة والإلكترونيّة، باسم الشعر، وبحجّة التواصل الثقافى الاجتماعيّ، كارثةً جماليّة ولغويّة. كارثة شعريّة .لا أحد يعرف عمّا يتكلّم، لا أحد يعرف كيف يتكلّم،لا أحد يبنى نفسه بما هو، وإنّما يبنيها بما ليس هوالمظهر المباشر لهذه الكارثة هو أنّ الشعر الذى هو الاختصاص الأعلى فى طرق التعبير، يتحوّل إلى مجرّد هواية سطحيّة وصغيرة.
وهكذا يتراجع النّبضُ التمرُّديّ الخلاّق فى الشعر، وفى الثقافة، بعامّة، وتهيمن هواجس التمأسس، أو الدخول تحت قبّة المؤسَّسة: المدرسيّة الجامعية، السسياسية، الاجتماعيّة. تتراجع أيضاً الطّاقات الخاصّة بابتكار أشكال كتابيّة جديدة. حتّى ما سميناه، اصطلاحاً، بقصيدة النثر، يتحوّل إلى شكلٍ تقليديّ شبه أعمي.
كنت ترغب دائما فى إحداث ثورة شعرية تجهز الحاضر لآفاق مستقبلية منفتحه ولانهائية ولكن ثمة مشكلةٌ معقَّدة وضخمة تتمثّل فى ثلاث نقاط: الأولي، ثقافيّة، وهى تتجلّى فى انعدام الإبداع العلميّ التِّقنيّ، مجسّداً فى مؤسّساتٍ بحثيّة تقنيّة، والثانية فى انعدام الإبداع المعرفيّ الفلسفيّ الذى تحول دونه المعوّقات الدينيّة، على الأخصّ.وأخيراً فى الخلَل والالتباس اللذَيْن يرتبطان بالإبداع الأدبيّ الفنّيّ، وبخاصّةٍ الشعريّ. وهما يتمثّلان فى أنّ الشاعر لا يقدر أن يخلق جماليّةً جديدة بلغة يجهل أسرارها الجماليّة، ويجهل تاريخها الجماليّ.؟؟
العالم العربيّ مليءٌ بالأفراد الخلاّقين فى جميع الميادين، لكنّه فى الوقت نفسه مليءٌ بكلّ ما يحول بينهم وبين الإبداع الحرّ. والمؤسّسةُ الدينيّة فى طليعة المعوّقات، أو هى ركيزتها الأولي.
الثانية، اجتماعيّة، وهى تتجلّى فى انعدام المواطنيّة، أى فى انعدام المساواة. وتتجلّى تبعاً لذلك فى استحالة الديمقراطيّة. فهذه تفترض، بدئيّاً، الاعتراف بالآخر المختلف، بوصفه شريكاً فى الحريّة والقانون والبحث عن الحقيقة. ومثل هذا الاعتراف لا يتحقّق، موضوعيّاً، إلا فى مجتمع فصَلَ الدين عن الدولة والسياسة فصلاً كاملاً.
الثالثة، سياسيّة وهى نتيجة للثانية، ومشتَقَّة منها، وتتجلّى فى انعدام الحريّات، وانعدام العدالة، وغياب المساواة فى الحقوق، وغياب المساواة ذاتها.
أى شكل من أشكال الحياة يمكن أن تحددها الملامح العربية الآن هل هى الملامح التى نعرفها أن أقنعة قد استحدثت..علاقات قد دُمرت.. وصراع قد تأجج . هنا يمكن أن نطرح سؤالاً على كل عربى وهو سؤال عام يرسم آلافا من علامات الاستفهام.. أخى العربي... على من تطلق الرصاص؟
يقول أدونيس شارحا: هناك بداهة تفرض نفسها: لم تعُد الأنظمة العربيّة فى بدايات القرن الحادى والعشرين إلاّ نفطاً ومجالاً استراتيجيّاً وأدوات. الحاجة الملحّة الضروريّة، المباشرة هى نقض هذا الواقع، خصوصاً فى أسسه الثقافيّة الدينيّة.
فهذه الأسس التى توجِّه الدولة الإسلاميّة وسياسة التكفير وقطع الأيدى والرءوس وفرض الجزية وسَبْى المرأة ورجمها، أقول إنّ هذه الأسس أدّت بهؤلاء جميعاً إلى أن يحوّلوا الحياة العربية إلى صحراء ضخمة لعميان يتدرّبون فيها على قيادة المُبْصِرين.
ثمة سؤال يفرض نفسه على الساحة اليوم ..وسط هذه الهيمنة للدينى على الحياة الاجتماعية ليس بوصفه دعوة للفضيلة, لكنه محاولة للاستيلاء على السلطة بوسائل نفعية والاعيب وحيل سياسية مقيتة ؟
إنه سؤالٌ مُلِحٌّ، خصوصاً أنّنا نشهد، اليوم، فى ظلّ هذه الهيمنة، حركةً هائلةً من «الاستيلاء» على النصّ الدينيّ، من «احتكاره» و «تحديده» و«توظيفه» فى «مآرب» و«أهداف» و«حروبٍ»، ومن «تحويله» إلى «أداةٍ» للسلطة، والقهر والقتل. ولماذا لا نعتبر بتلك الفواجع الكبرى فى تاريخنا، تلك التى سبَّبَتْها تحديداً هذه القراءة السياسيّة للنصّ الدينيّ؟ فواجع الحروب الكثيرة العربيّة العربيّة، والتى لم تكن مجرّدَ حروبٍ فكريّة، وإنّما كانت كذلك سياسيّةً واقتصاديّةً وعسكريّة، دمّرت العربَ، واستنفدت طاقاتهم، وفتّتتْهم، شيَعاً وقبائل.
ربما يكون بيت القصيد فى المسألة الدينية ..كيف تسلل الدينى بكل قداسته الى مناحى الحياة المختلفة والنسبية والمتغيرة ليفرض طابعا ثابتا على ما هو متغير او متحول ..؟
فلئن كانت القراءة السياسيّة للنصّ الدينيّ تصل اليوم إلى أوجها الملتبِس المعَقَّد، وبخاصّةٍ فى كلّ ما يتّصل بالآخر غير المسلم، فإنّ هذه القراءة تصل كذلك إلى أوجها الملتبِس المعقّد فى كلّ ما يتعلّق بالنصوص الأدبية والفكريّة، الفنّيّة والفلسفيّة.
إذا كان النصّ الدينيّ، لا يُقرَأ بوصفه أفقاً معرفيّاً، وإنّما يُقرأ بوصفه، على العكس، أفقاً سياسيّاً، فإنّ ذلك يعنى أنّ الهاجس الأساسَ الذى يحرّك الذات القارئة أو الكاتبة إنّما هو هاجس « الجذب « جذب النّصير، أو هاجس « النّبذ « نبذ المخالِف. كأنّ هذه الذات لا ترى نفسَها إلآ فى شهوة الهَيْمَنة: إمّا أنّها « تقرِّب « و « تتبنّى «، وإمّا أنّها « تَسْتَبْعِد « و « ترفض «. أو كأنّها لا تقرأ لكى « تعرف «، و « تكتشف «، بل لكى « تتملّك « وتعمّقَ انتماءها الأوّليّ، وتتأكّد من « قُرْب « ما تقرؤه إليها، أو « بُعدِهِ « عنها. فهذه الذاتُ هي، فى المَقام الأوّل، ممارَسَةٌ سياسيّةٌ سلطويّةٌ. وطبيعيّ، إذاً، أن يُشيعَ هذا الهاجسُ فى حركة القراءة، نوعاً من « الرعب « أو « الاجتذاب «: وما أكثر الذين « يُرفَعون « و « يُقَدَّمون «، دون حقّ، أو يُخفَضون « و « يُؤَخّرون «، كذلك، دون حقّ.
انت ترى ان العلاقة بين المعرفى والسياسى فى عالمنا العربى تبدو غير مألوفة من حيث تواصل المعرفى والسياسى كوحدة عضوية لكنه الفصل المروع بين الوعى والممارسة السياسية , كأن كل منهمايعيش فى جزيرته المنعزلة هل هذا هو بيت الداء فى ثقافتنا العربية..؟؟
يتعذّر الفصلُ بين المعرفة والسياسة. العلاقةُ بينهما شبه عضويّة.لكنْ هناك خلّلٌ فى هذه العلاقة داخل الثقافة العربيّة يؤدّى إلى إعطاء الأوليّة المطلقة لما هو سياسيّ. وهذا أمرٌ « يحجب « النصّ، محوِّلاً إيّاه إلى ساحةٍ للصراع، مُخرِجاً إيّاه من إطاره البَحْثيّ المعرفيّ، أو الفنّيّ الجماليّ. هكذا يتحوّل النصّ إلى « معركةٍ « وإلى « سلاح «، بدلاً من أن يبقى « لقاءً « و « ميداناً « للتفاعُل، والتّعارُف. ولعلّ فى هذا الخلَل ما يوضِح الحِرْصَ على استمرار « الرّقابة « واستمرار عقليّة « التحريم « و « التّحليل «، وعلى الإعلاء من رأى « الجماعة « مقابل رأى « الفرد «. لعلّ فيه كذلك ما يوضح أنّ « صراعنا « الثقافيّ ليس « فكريّاً « أو « فنّيّاً «، بالمعنى الدّقيق، وإنّما هو صراعُ انتماءاتٍ سياسيّة وإيديولوجيّة، لكى لا نقول إنّه صراعٌ « قبائليٌّ « و « مَذهبيّ « تحت غطاء الثّقافة.
يبدو أن العرب يقدمون تصورا غريبا وغير مألوف للحداثة اذ انهم يلتهمون منجزات الحداثة على نحو استهلاكى نهم ,لكنهم لا يقدمون على المشاركة الفاعلة فى انتاج فكر حداثى يعبر عن اسهامهم الفكرى الروحانى بديلا عن مشاركتهم ذات الصيت الذائع فى الصراع والبذخ الذى يصل الى حد السفه .. ؟؟
: الحداثةُ نظرةٌ فكريّةٌ تتجسّد فى بُنيً سياسيّة اجتماعيّة. وهى نقلةٌ نوعيّةٌ وجذريّة من وضعٍ إلى وضع. وهذه النّقلة معقّدَة، وبخاصّة فى المجتمعات الدينيّة الماضَويّة والقائمة على أصولٍ قَبَليّة كالمجتمعات العربيّة. ويتجلّى هذا التعقّد عند العرب فى عدم جذريّة الرؤية وفى فوضى الممارسة على السّواء. وهذا أمرٌ يتمثّل فى أخْذ مُنجَزات الحداثة عند الآخرين، من جهة، وفى رفض المباديء العقليّة العلميّة التى أدّت إلى إنجازها. هكذا يتفوّق العرب فى « الْتِهام « هذه المُنجّزات، ويقفون قريباً من الدَّرَكِ الأسفل فى كلّ ما يتعلّق بحريّة الفكر والبحث والاستبصار والكشف المعرفيّ العلميّ.
كيف الخلاص والخروج اذن ؟
الخطوة الأولى للخروج من هذا المأزق الذى يشلّ الحياة العربية والفكر العربيّ، تتمثّل فى قراءة الدين قراءةً حديثة تؤدّى إلى فهمٍ جديد يتمّ فيه الفصْل الكامل بين ما هو دينيّ، من جهة، وما هو ثقافيّ اجتماعيّ، من جهةٍ ثانية. فهْمٌ يحصر الدّين فى كونه تجربةً فرديّة خاصّة، وحرّة، ولا تُلزِم إلاّ صاحبَها. لا يعود معياراً أوّل للمجتمع فى الثقافة والسياسة والقانون والحياة. يصبح تجربةً روحيّةً، فرديّة، لتدبير العلاقة بين الفرد المؤمن والغيب والموت أو عالم « الآخرة «.
وهذا يضمن حريّة الفرد الكاملة واحترامها الكامل. ثمّ إنه يجرّد الدين من العنف الكامن فى تسييسه، ومن العدوانيّة الضمنيّة الكامنة فى هذا التسييس، ويحوّله إلى أفقٍ روحانيّ مفتوحٍ على الإنسان والكون.
يبحث أدونيس عن تاريخ للحداثة فى الثقافة العربية فيجده تاريخا يحلق بين آمال وطموحات وانكسارات، ولذلك فإننا نتحرك صوب المجهول الذى قد نراه معلوماً، لكن المأساة أننا لا نملك قدرة على الفرز الإنساني، لمفردات الماضى والحاضر وتوقع المستقبل وهنا لا نملك إلا ما كان جاهزاً أو تم إنجازه فعندما نفتش فى حقائبنا الفكرية لا نجد سوى المأثور المعلوم الذى ورثناه، ولا نجد أنفسنا سوى عالة على الأسلاف الذين يعيشون حاضرنا نيابة عن الأحفاد (الموتي)...؟
إذا نظرنا، فى ضوء ما تقدّم، إلى « الحداثة «، فمن الممكن أن نقول عنها بأنّها شكلٌ من القطيعة مع الماضي، ابتكاراً للمستقبل، بدءاً من ابتكار الحاضر. وهو شكلٌ يتّخذ صيغاً مختلفة، اختلاف الشعوب والثقافات، ووفقاً للمراحل التاريخيّة.
ويمكن أن نقول عن « ما بعد الحداثة « بأنها شكلٌ من التحوّل فى جميع المجالات. وينطوى هذا التحوّل على إعادات النّظر، والنّقد، والجمع بين الأزمنة، والخروج من القواعد والمسبّقات...إلخ.
ليس هناك وحدة رأيٍ فى الحداثة أو فى ما بعدها. هناك تنوّع وتعدّد تصل فيهما الآراء أحياناً، إلى درجة التناقض. وأكرّر هنا أنّنا نحن العرب نتأرجح فى هذا الثالوث الثقافيّ: ما قبل الحداثة، الحداثة، ما بعد الحداثة. لكنّنا نتأرجح واقفين على شفير الهاوية.
يبدو أن الربيع العربى هو مفترق طرق , فهو يمثل حدا فاصلا بين أن يكون العرب أو لا يكونون, أن تكون بداية لعصر نهضة جديد أو يكون ختاما للمشهد العربى .. وهاهم العرب الان مدعوون الى تأسيس تاريخ جديد, وعصر جديد , وحياة أخرى مختلفة وجديدة ؟؟,
مشكلة العرب الأولى هى فى الوجود الخلاّق الحرّ والمستقلّ، قبل أن تكون فى العولمة أو غيرها. فهذا الوجود مُهَدَّد، فى صميمه. وإذا كان لِما سُمّى بالربيع العربيّ من دلالة، فهى أنّه نذيرٌ أخير
هل يستيقظ العرب ويؤسّسون لِما يعطى لهويّتهم وحياتهم بُعداً جديداً إنسانيّاً وحضاريّاً، أم أنّهم يتحوّلون إلى مجرّد أدواتٍ بشرية ومادّيّة يستخدمها الآخرون لأغراضهم كما يشاؤون، ساعةَ يشاؤون، بحجّةٍ أو بأخري؟
المشكلة بالنسبة إلينا، هى بتعبير آخر شكسبيريّة: أن نكون أو لا نكون.وكلّ شيء يقول لنا بدءاً من الأمثولة الفلسطينيّة: ما دمتم، فكراً وعمَلاً، ثقافةً وأخلاقاً، سياسةً واجتماعاً، كما أنتم اليوم، فلن يكون أمامكم غير أن تتابعوا مسيرتكم فى قافلة الانحدار.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.