هل يجوز حرمان الأميين من الانتخابات؟ هذا السؤال يتردد قبل كل انتخابات وبعد ظهور النتائج التي قد لا تكون مرضية.. فالأميون شئنا أم أبينا يؤثرون في نتائج الانتخابات بسبب كتلتهم الكبيرة والتي تصل في بعض المحافظات الي50% وأيضا بسبب تنافس بعض المرشحين علي شراء اصواتهم او خداعهم بالشعارات الدينية. ولاحل كما يقول الخبراء الا بحرمانهم من حق التصويت لاجبارهم علي محو أميتهم, أو توعيتهم سياسيا.. والسؤال: أي الكفتين أرجح؟! هذا النقاش كما يخبرنا الفقيه الدستوري محمد نور فرحات, ثار في لجنة الثلاثين اثناء اعدادها لدستور1923 حيث طرح تلك الفكرة كبار المفكرين انذاك ومنهم احمد لطفي السيد, وكانوا يطالبون بتوافر حد ادني من التعليم فيمن يباشر حقوقه السياسية, ووجهة نظرهم في ذلك ان يكون المواطن علي بينة من قراراته التي سيتخذها عند التصويت, اما الامي فهو محدود الثقافة وسهل التاثير عليه. وجهة النظر الاخري والتي كان لها الغلبة, رأت ان مباشرة الحقوق السياسية مرتبطة بتأدية الواجبات العامة وهي الخدمة العسكرية ودفع الضرائب, فكل من هو مكلف بها, له ان يتمتع بالحقوق السياسية, دون ان يكون لذلك علاقة بمستوي التعليم او الثقافة او الغني و الفقر, وانما باكتساب صفة المواطنة. عن نفسه يميل الدكتور فرحات من باب تشجيع القضاء علي الأمية الي اشتراط حصول المواطن علي شهادة التعليم الاساسي ليتمكن من ممارسة حقوقه السياسية وهو نفس الشرط المفروض علي من يرغب في الترشح في انتخابات مجلس الشعب. العقاب ليس حلا علي حد علمي لا يوجد اي دستور في العالم يحرم الاميين من الادلاء بأصواتهم هذا ما قاله ايمن عقيل- الحقوقي ومدير مركز ماعت للدراسات الحقوقية والدستورية- ويري انه لا يجوز حرمان مواطن من ممارسة حقوقه السياسية بدعوي انه لا يعرف القراءة والكتابة, الا اذا كان سيمثل غيره فيشترط ان يكون متعلما, وبدلا من ان نحرم الامي من حقوقه, علي الدولة والمجتمع المدني ان يوفرا له الفرصة لمحو اميته لا معاقبته, واذا كانت الدولة تريد ان تحرم الامي من الادلاء بصوته فمن باب اولي ان تفرض مستوي تعليمي وثقافي معين علي من يريد تمثيل المواطنين في البرلمان. ماجد سرور- مدير مؤسسة عالم واحد للتنمية البشرية- لا يؤيد الفكرة هو الاخر وقال لا يجب ان يكون الاقصاء هو الحل وحقوق الانسان لا تتجزأ ويجب ان يحصل عليها جميع المواطنين بغض النظر عن الدين او اللون او الجنس او مستوي التعليم او المستوي الاجتماعي او الاقتصادي, واذا كان الهدف هو القضاء علي الامية فلا يجب ان يكون ذلك بالمساس بالحقوق او بفكرة العقاب وانما بريطها بالحرمان من الخدمات الاختيارية كاستخراج رخصة قيادة مثلا. ويقترح سرور ان يتم عمل فصول لمحو امية المجندين في الجيش, ومن ينجح منهم يتم تخفيض مدة خدمته من ثلاث سنوات الي ستة اشهر كنوع من التشجيع. تنصل الكاتب والباحث د. عمار علي حسن يتفق مع سابقيه في الراي ويري الفكرة نوعا من التمييز, ويقول صحيح ان القانون يفترض في المترشح للمجالس النيابية ان يجيد القراءة والكتابة لكن بالنسبة للناخبين سيكون نوعا من الظلم لعدة اسباب اولها ان ليس كل الاميين جهلاء بالسياسة, وبعضهم يتابع ما يجري علي الساحة السياسية بشكل جيد ولديه القدرة علي الحكم والتمييز بين المرشحين ربما اكثر من المتعلمين, فبعض خريجي الجامعات والمعاهد لا يزالون يعانون من ضعف الثقافة السياسية و غير مهتمين او منشغلين بتلك القضايا, واري في بلدي في ريف الصعيد من هم اوعي منهم سياسيا رغم اميتهم, ورغم انهم فلاحون يكدحون في الحقول الا انهم علي علاقة جيدة بالمؤسسات السياسية والحزبية, ثانيا- والكلام لعمار- تلك الفئة لديها- خاصة في اوقات الازمات- ميل للدفاع عن الدولة المصرية وليس لديهم اي مصالح او ارتباطات سياسية, وبالتالي يمكن وصفهم بآنهم ذوو فطرة سياسية وطنية لا يمكن التشكيك بها, والاجدي بمن يطالبون بحرمانهم من التصويت ان يقوموا هم بواجبهم في نشر التوعية السياسية من خلال الاحزاب السياسية والمجتمع المدني, وكذلك الاعلام الذي لعب في السنوات الاخيرة دورا كبيرا في توعية الناس سياسيا واصبح هناك جمهور كبير مهتم بمتابعة القضايا السياسية. ويتابع اذا كانت القوي السياسية تعلق فشلها في الانتخابات علي شماعة الامية, فانا اطالبهم بالقيام بدورهم في الوصول الي كل شرائح المجتمع والتواصل معهم, واذكرهم بحزب الوفد الذي كانت له قبل ثورة يوليو شعبية كاسحة لدرجة ان المصريين سواء من الطبقة المتوسطة او الفلاحين, كانوا يقولون لو رشح الوفد حجرا لانتخبناه وهو دلالة علي ثقتهم في تلك المؤسسة اما الاحزاب الموجودة حاليا فتلقي بالكرة في ملعب الشعب لتتنصل من مسئوليتها. نعم.. ولكن علي الطرف الاخر وعلي غير المتوقع جاء رأي الدكتور مصطفي رجب الرئيس السابق للهيئة العامة لمحو الامية وتعليم الكبار- حيث ايد الفكرة قائلا كيف اسمح لشخص ان يختار ويقرر وهو اصلا لا يعلم علي اي اساس يختار, ويستطرد انا ضد حرمان الاميين من حقوقهم السياسية من الناحية الانسانية لكن لنعتبرها حلا مرحليا حفاظا علي سلامة المجتمع ومن باب الضرورات تبيح الحظورات, ودرءا لاي تيار او فصيل سياسي يستغل اميتهم في الحصول علي اصواتهم, وهم بحكم انعدام ثقافتهم السياسية وغياب رؤيتهم لتبعات اختيارهم, مستهدفون وقابلون للخداع. النسبة العامة للامية في مصر كما يخبرنا رئيس الهيئة السابق تبلغ حاليا23% والمشكلة ان هناك2473 قرية ونجع وتابع بلا مدارس اي ان اطفالها محرومون من التعليم الاساسي, وبالتالي يصل نحو150 الف طفل سنويا الي سن التعليم الالزامي ولايجدون مدرسة يذهبون اليها, فينضمون الي صفوف الامية, العامل الثاني في ارتفاع نسبة الامية هو التسرب من التعليم, ويصل عدد المتسربين الي330 الفا سنويا, فضلا عن تدهور مستوي التعليم الاساسي, فمن بين650 الف طالب مقيدين في التعليم الفني, فان21% منهم فقط هم من يستطيعون القراءة والكتابة, واذا علمنا ان الهيئة تقوم بمحو امية ما بين400 الي500 الف شخص كل عام, سنجد ان جهودها تتبخر في الهواء وتكون النتيجة صفر بسبب العوامل السابقة. لكن كيف يتصور د. مصطفي رد فعل الاميين اذا تم فعلا حرمانهم من حقوقهم السياسية, يجيب: بالطبع سيتم تهييجهم من خلال الاعلام والسياسيين ليطالبوا بحقهم, رغم انه أولي بهم ان يثوروا علي حرمانهم من التعليم وعدم توفير مدارس كافية لابنائهم.