استطاعت الإنتفاضة السودانية التي وصلت أسبوعها الثالث أن تخرق حاجز الصمت وأن تتحدي القمع الأمني لنظام الرئيس السوداني عمر البشير والتعتيم الإعلامي الذي يفرضه, لتوصل للداخل السوداني والعالم الخارجي العديد من الرسائل بشأن الأوضاع في السودان. لكن مازالت هناك الكثير من الأسئلة عن طبيعة هذه الإنتفاضة والعوامل المؤثرة فيها سلبا وإيجابا, وكذلك عن المستقبل الذي ينتظرها في ظل تعقيدات المشهد السوداني, وهي أسئلة يجيب عليها في السطور التالية الدكتور حيدر إبراهيم المفكر السوداني المعروف, ونائب رئيس الجبهة الثورية السودانية التوم هجو. يقول الأستاذ التوم هجو لب الأهرام ا إن مايجري في السودان إنتفاضة حقيقية, مثل باقي الثورات العربية, ويزيد عليها معاناة الشعب السوداني الذي فقد في ظل حكم الإنقاذ ثلث أرضه وخمس سكانه وثلاثة أرباع ثروته, إضافة إلي القتل الذي امتد لمدة ربع قرن, ليذهب ضحيته2 مليون في جنوب السودان و300 ألف في دارفور, إضافة إلي العمل المنظم الذي قام به نظام البشير لإفراغ مؤسسات الدولة وتحويلها من أجهزة قومية إلي أجهزة حزبية, في الجيش والشرطة ومؤسسات الخدمة العامة والإقتصاد, إضافة إلي إفقار الشعب السوداني. ويؤكد أن عمليات القتل الواسع التي شهدها السودان خلال الأسابيع الماضية تمت علي أيدي مرتزقة قام النظام بجلبهم من بعض القبائل العربية في مالي والنيجر, بالإضافة لأجهزة النظام وميليشياته, ويري أن الخطورة هي أن النظام الحاكم في السودان هو جزء من محور الإسلام السياسي الذي يريد الآن أن ينتصر في السودان خصوصا بعد هزيمته في مصر, وهو محور يضم إيران وتركيا وقطر والتنظيم العالمي للإخوان المسلمين فضلا عن تنظيمات الإرهاب الحقيقية التي لم يقطع النظام صلته به منذ إيوائه لأسامة بن لادن مؤسس تنظيم القاعدة والإرهابي الدولي كارلوس. ويقول القيادي المعارض, إن نظام البشير مسئول مسئولية مباشرة عن فصل الجنوب وتوفير الأجواء المناسبة له, وهو أيضا المسئول عن كل الجرائم التي جرت في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق. ويري التوم هجو أنه ليس هناك خيار أمام الشعب السوداني بكافة قطاعاته وفصائله غير المضي في طريق الثورة, ولارجوع للخلف, والقضية ليست تغيير نظام حكم أو صراع علي كراسي السلطة أو حتي اعتراضا علي أوضاع إقتصادية منهارة, بل هي كيف يمكن الحفاظ علي ماتبقي من السودان. لأنه إذا استمر هذا النظام الذي يحتكر الوطن وكل مناحي الحياة فيه فسيكون هناك مزيدا من الإنفصال, لأنه نظام مستعد لتقديم كل التنازلات لأي جهة تبقيه في السلطة. ويؤكد أن رفع الدعم لن يحل مشاكل النظام الإقتصادية, لأنه ينفق أكثر من10 ملايين دولار يوميا علي الحرب و70% من ميزانيته تنفق علي أجهزته الأمنية. ويقول إن عمليات القتل للسودانيين علي أيدي النظام لم تتوقف يوما طيلة سنوات حكمه, لكن الجديد أنها حدثت مؤخرا تحت الأضواء الكاشفة, ويضيف إن نظام البشير يريد تحويل السودان إلي ساحة سورية, ويؤكد أن الجبهة الثورية حملت السلاح دفاعا عن الحقوق ومن أجل الحرية والكرامة, ويري أن المعركة مع النظام لن تكون قصيرة, محذرا من أنه في خال استمرار القتل وإراقة الدماء, لن تقف الجبهة الثورية مكتوفة الأيدي. ومن جانبه يري الدكتور حيدر إبراهيم أن مشكلة السودان بها قدر كبير من التعقيد, وأن الصراع في السودان منذ الاستقلال كان حول الشريعة والدستور الإسلامي وليس حول الوحدة والتنمية, مشيرا في حلقة نقاشية عقدها المركز الإقليمي للدراسات الإستراتيجية إلي أن وإن مايجري في السودان الآن من احتجاجات يقوم بها شباب نشاوا في عهد نظام الإنقاذ, التي طرحت نظرية لإعادة صياغة الإنسان السوداني من خلال الإعلام والمناهج الدراسية وعمقت عدم الإحساس بالشعور القومي, ليكون ذلك أكبر دليل لفشل المشروع الإسلامي في السودان, كما أنه فضح من جانب آخر القوي الحزبية والتقليدية, والنظام الأمني الحاكم. ويقول إبراهيم: إن الأزمة الإقتصادية مستاصلة, حيث بلغ العجز التجاري8 مليارات وبلغ معدل التضخم46% وفقدت العملة المحلية200% من قيمتها وبلغ معدل الدين الخارجي50 مليار دولار, وامتدت الحرب لمناطق الإنتاج الزراعي, ولن تستطيع الدولة دفع المرتبات حتي نهاية العام, ولاتريد في الوقت ذاتها خفض النفقات الحكومية, لأنها لها جوانب سياسية حييث يتم توظيف المال سياسيا بشراء الولاء. ويري المفكر السوداني أن النظام في أزمة حقيقية, مشيرا إلي الانشقاق في صفوفه والتأييد المتناقص له, ويقول: إن المشكلة الحقيقية هي كيف تستطيع المعارضة توحيد نفسها والتعجيل بإسقاط النظام, موضحا أن هذه المعارضة تعاني العديد من الإشكاليات, مؤكدا أن مايجري في السودان هو مشروع ثورة كاملة لكن تم خذلانها من القوي التي كان يجب أن تكون ضمنها, وأن مايجري الآن هو محاولة لإعادة إنتاج نظام إسلامي بصيغة أخري, تتحالف فيها قوي تقليدية وإسلامية, ويضيف: إنهم يريدون تحويل الثورة لتغيير شكلي أو انقلاب قصر.