قوات التحالف تنشر مشاهد استهداف أسلحة وعربات قتالية في اليمن وتفند بيان الإمارات (فيديو)    نصف جيشهم من الجهاديين ولكن، نتنياهو يحدد موقفه من إقامة علاقات واتفاق سلام مع سوريا    ترتيب الدوري الإنجليزي بعد فوز آرسنال وتعثر مانشستر يونايتد وتشيلسي    مصرع طفل دهسه قطار الفيوم الواسطي أثناء عبوره مزلقان قرية العامرية    طقس رأس السنة.. «الأرصاد» تحذر من هذه الظواهر    زيلينسكي يناقش مع ترامب تواجد قوات أمريكية في أوكرانيا    "25يناير."كابوس السيسي الذي لا ينتهي .. طروحات عن معادلة للتغيير و إعلان مبادئ "الثوري المصري" يستبق ذكرى الثورة    «مسار سلام» يجمع شباب المحافظات لنشر ثقافة السلام المجتمعي    محافظ القاهرة: معرض مستلزمات الأسرة مستمر لأسبوع للسيطرة على الأسعار    توتر متصاعد في البحر الأسود بعد هجوم مسيّرات على ميناء توابسه    رئيس جامعة قنا يوضح أسباب حصر استقبال الحالات العادية في 3 أيام بالمستشفى الجامعي    د.حماد عبدالله يكتب: نافذة على الضمير !!    المنتجين العرب يعلن دعمه وإشادته بمبادرة الشركة المتحدة للارتقاء بالمحتوى الإعلامي    «قاطعوهم يرحمكم الله».. رئيس تحرير اليوم السابع يدعو لتوسيع مقاطعة «شياطين السوشيال ميديا»    خالد الصاوي: لا يمكن أن أحكم على فيلم الست ولكن ثقتي كبيرة فيهم    المحامى محمد رشوان: هناك بصيص أمل فى قضية رمضان صبحى    مصدر بالزمالك: سداد مستحقات اللاعبين أولوية وليس فتح القيد    شادي محمد: توروب رفض التعاقد مع حامد حمدان    نتائج الجولة 19 من الدوري الإنجليزي الممتاز.. تعادلات مثيرة وسقوط مفاجئ    "البوابة نيوز" ينضم لمبادرة الشركة المتحدة لوقف تغطية مناسبات من يطلق عليهم مشاهير السوشيال ميديا والتيك توكرز    الأمم المتحدة تحذر من أن أفغانستان ستظل من أكبر الأزمات الإنسانية خلال 2026    قيس سعيّد يمدد حالة الطوارئ في تونس حتى نهاية يناير 2026    مانشستر يونايتد يسقط فى فخ التعادل أمام وولفرهامبتون بالدوري الإنجليزي    من موقع الحادث.. هنا عند ترعة المريوطية بدأت الحكاية وانتهت ببطولة    دعم صحفي واسع لمبادرة المتحدة بوقف تغطية مشاهير السوشيال ميديا والتيك توك    نتنياهو يزعم بوجود قضايا لم تنجز بعد في الشرق الأوسط    تموين القاهرة: نتبنى مبادرات لتوفير منتجات عالية الجودة بأسعار مخفضة    التنمية المحلية: تقليص إجراءات طلبات التصالح من 15 إلى 8 خطوات    طرح البرومو الأول للدراما الكورية "In Our Radiant Season" (فيديو)    رضوى الشربيني عن قرار المتحدة بمقاطعة مشاهير اللايفات: انتصار للمجتهدين ضد صناع الضجيج    الخميس.. صالون فضاءات أم الدنيا يناقش «دوائر التيه» للشاعر محمد سلامة زهر    لهذا السبب... إلهام الفضالة تتصدر تريند جوجل    ظهور نادر يحسم الشائعات... دي كابريو وفيتوريا في مشهد حب علني بلوس أنجلوس    بسبب الفكة، هل يتم زيادة أسعار تذاكر المترو؟ رئيس الهيئة يجيب (فيديو)    قرارات حاسمة من تعليم الجيزة لضبط امتحانات الفصل الدراسي الأول    د هاني أبو العلا يكتب: .. وهل المرجو من البعثات العلمية هو تعلم التوقيع بالانجليزية    غدًا.. محاكمة 3 طالبات في الاعتداء على الطالبة كارما داخل مدرسة    حلويات منزلية بسيطة بدون مجهود تناسب احتفالات رأس السنة    أمين البحوث الإسلامية يلتقي نائب محافظ المنوفية لبحث تعزيز التعاون الدعوي والمجتمعي    الحالة «ج» للتأمين توفيق: تواجد ميدانى للقيادات ومتابعة تنفيذ الخطط الأمنية    ملامح الثورة الصحية فى 2026    هل تبطل الصلاة بسبب خطأ فى تشكيل القرآن؟ الشيخ عويضة عثمان يجيب    هل يجب خلع الساعة والخاتم أثناء الوضوء؟.. أمين الفتوى يجيب    جامعة عين شمس تستضيف لجنة منبثقة من قطاع طب الأسنان بالمجلس الأعلى للجامعات    خالد الجندى: القبر محطة من محطات ما بعد الحياة الدنيا    خالد الجندي: القبر مرحلة في الطريق لا نهاية الرحلة    حقيقة تبكير صرف معاشات يناير 2026 بسبب إجازة البنوك    الأهلي يواجه المقاولون العرب.. معركة حاسمة في كأس عاصمة مصر    السيطرة على انفجار خط المياه بطريق النصر بمدينة الشهداء فى المنوفية    رئيس جامعة قناة السويس يهنئ السيسي بالعام الميلادي الجديد    رئيس جامعة العريش يتابع سير امتحانات الفصل الدراسي الأول بمختلف الكليات    الصحة: تقديم 22.8 مليون خدمة طبية بالشرقية وإقامة وتطوير المنشآت بأكثر من ملياري جنيه خلال 2025    الزراعة: تحصين 1.35 مليون طائر خلال نوفمبر.. ورفع جاهزية القطعان مع بداية الشتاء    معهد الأورام يستقبل وفدا من هيئة الهلال الأحمر الإماراتي لدعم المرضى    تراجع معظم مؤشرات البورصة بمستهل تعاملات الثلاثاء    بنك مصر يخفض أسعار الفائدة على عدد من شهاداته الادخارية    تعرف على مواقيت الصلاة اليوم الثلاثاء 30-12-2025 في محافظة الأقصر    نسور قرطاج أمام اختبار لا يقبل الخطأ.. تفاصيل مواجهة تونس وتنزانيا الحاسمة في كأس أمم إفريقيا 2025    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



بصدق..
ولما كانت القضية مصر

لأن القضية هي مصر; كان موقف الدول العربية الداعم لمصر ماديا ومعنويا, وفي المحافل الدولية.. ولأن القضية هي مصر; كان هذا الاهتمام العالمي بالشأن المصري علي كل الأصعدة.. ولأن القضية هي مصر; كان ذلك الاهتمام الإعلامي الخارجي,
وذلك النشاط الدبلوماسي المكثف.. ولأن القضية هي مصر; كان علي العالم أن يتريث ويراجع حساباته كثيرا قبل النطق بأي أحكام.
ولأننا في مصر نعلم حجم المؤامرة, فقد استقبلنا برحابة صدر قرارا بحجم حالة الطوارئ.. ولأننا نعرف قدر المأساة; فقد استقبلنا بسعة أفق قرارا بحجم حظر التجوال.. ولأننا نعي أبعاد الأزمة; فقد قبلنا بهذه الأوضاع الأمنية والاقتصادية, يقينا منا بأنها حالة طارئة.. ولأننا نثق في قدراتنا; فنحن نؤكد أن المستقبل سوف يكون أفضل.
إلا أنه ورغم كل ذلك, فقد بدا واضحا أن هناك طوائف في المجتمع لم تدرك حتي الآن أن القضية هي مصر, أو هكذا يجب أن تكون, ويجب ألا تكون قضية أشخاص بعينهم, أو فصائل بذاتها, فحينما تكون القضية مصر; يجب أن تتواري الأطماع الشخصية.. وحينما تكون القضية مصر; يجب أن تندثر الأيديولوجيات وتندحر الأهواء, وحينما تكون القضية مصر; يجب أن تسمو مصلحة الوطن العليا فوق أي اعتبارات.
هذه هي الحقيقة التي ما كان يجب أن نتوقف أمامها, أو حتي ننبه إليها, باعتبارها من بديهيات الوطنية المصرية, ومسلمات المواطنة الحقيقية, وخاصة إذا أدركنا أن الخروج عن هذه أو تلك يمكن أن يكلف الوطن غاليا, من عرضه وأرضه وماله ودمه, وهو ما نحن بصدده الآن, فقد أصبحنا جميعا نسدد هذه الفاتورة اليومية, التي لا يعلم إلا الله وحده منتهاها, وهو الأمر الذي يتطلب منا ضرورة الاعتراف بأخطاء الماضي من جهة, وتدوين دستور مدعم بأقوي ضمانات للمستقبل من جهة أخري.
ولأنه لا يمكن الحديث عن ضمانات المستقبل دون الاعتراف بأخطاء الماضي, فمن المهم التوقف أمام مجموعة حقائق هي:
أولا: إذا جاز إطلاق اسم ثورة علي ما حدث في25 يناير2011, وما أعقبها من أحداث, فإننا كنا أمام ثورة بلا رأس, وبالتالي كان طبيعيا أن يقفز عليها من قفز, وأن يتواري عن المشهد من تواري, وهذا هو سر أزمتنا الآن.
ثانيا: حتي الآن, وبعد مرور أكثر من عامين ونصف العام, لم تتم محاسبة من تم تدريبهم في الخارج قبل ذلك التاريخ, ومن تلقوا أموالا طائلة, ومن أثروا ثراء فاحشا علي حساب جثث ودماء المئات من أبناء الشعب, وهي كارثة كان يجب تداركها.
ثالثا: كان من الخطأ أن تتغاضي القوات المسلحة عن محاسبة من قاوموا وجودها في الشارع وفي حياتنا السياسية تحت شعار' يسقط حكم العسكر', وذلك لأن هذا الوجود كان من المهم أن يستمر فترة أطول حتي تستقر أمور البلاد والعباد, وعلي اعتبار أن أي اعتداء- حتي لو كان لفظيا- علي هذه القوات هو اعتداء علي الشرف المصري ككل, وأن مرور هذا الأمر دون محاسبة قد فتح الباب أمام مثل هذه المهاترات الآن وفي المستقبل.
رابعا: إن السماح باحتلال الميادين إلي ما لا نهاية, وتنظيم مظاهرات واحتجاجات واعتصامات طوال الوقت كان له أكبر الأثر في تردي الأوضاع الأمنية والاقتصادية, وهو الأمر الذي مازال يلقي بظلاله السلبية حتي الآن.
خامسا: إن القبول بعلاقات مضطربة مع دول شقيقة, أو متوترة مع دول صديقة; هو أمر لم يكن مقبولا, وقد عاد ذلك بالسلب علي أوضاعنا الاقتصادية, وأوضاع العمالة المهاجرة لدي هذه الدول, مع الأخذ في الاعتبار أن هذه الدول كانت لديها مخاوف مشروعة أحيانا أو غير مشروعة في بعض الأحيان.
سادسا: لم يكن أبدا لدولة أن تنهض في ظل صراع واضح ومحموم بين سلطاتها الثلاث: التنفيذية, والتشريعية, والقضائية, علاوة علي الأزمة المستمرة مع وسائل الإعلام: الحكومية منها, والمستقلة, والخاصة.
سابعا: يجب أن نقر بأن السلطة الحاكمة قد جانبها الصواب, حينما اتخذت من' العزل السياسي' عقوبة للنظام السابق, فيما بدا أنه انتقام من شريحة علي قدر كبير من الأهمية في المجتمع, وذات تأثير واسع في معظم أقاليمه.
ثامنا: إن وسائل الإعلام بأشكالها المختلفة- في أوقات الأزمات يجب ألا تخرج عن المنظومة الرسمية للدولة, بمعني أن الإعلام يجب أن يكون داعما للبناء والاستقرار, وليس محرضا لحساب رءوس أموال بعينها, أو عواصم وجهات أجنبية, وهو ما بدا واضحا منذ25 يناير وحتي الآن.
تاسعا: ألقت ممارسات التشهير والافتراء والازدراء للرئيس مبارك ورموز نظامه بظلال واضحة علي طريقة التعامل مع رموز المجتمع ككل, حيث سقطت هيبة المسئولين وصناع القرار, وخاصة ما تعلق منها بالقيادات الأمنية مما أطال من أمد الانفلات المجتمعي ككل.
عاشرا: لم تكن القوانين المتعلقة بالتلاعب بأقوات المواطنين كفيلة للردع, مما تسبب في زيادة معاناة المواطن مع الأسعار المرتفعة نتيجة تخزين بعض السلع, وما عانته العملة المحلية في مواجهة العملات الصعبة التي تلاعب بها أيضا محترفو الأزمات.
ومن هنا.. فإننا الآن أمام مسار مشابه للمرحلة السابقة, إلا أنه بدا واضحا أننا لم نستفد من دروس الماضي, فراحت الأخطاء تكرر نفسها, مما أسفر عن خسائر جمة في المجالات المختلفة, والاقتصادية منها بصفة خاصة, فإذا علمنا أن سوق الأوراق المالية, علي سبيل المثال, قد حققت خسائر بلغت أكثر من15 مليار جنيه خلال أسبوع واحد فقط, وأن الإنتاج الصناعي تراجع بنسبة25%, فقد ندرك حجم الأزمة, ناهيك عن خسائر قطاعات السياحة, والتبادل التجاري, وتوقف حركة خطوط السكك الحديدية, وإحجام رأس المال المحلي, والمستثمرين الأجانب, نتيجة المخاوف من المستقبل, ودوريات العمل المسائية والليلية نتيجة حظر التجوال, وإغلاق المحال التجارية, وركود أسواق الأراضي, والعقارات, والسيارات, وحركة البيع والشراء بصفة عامة, نتيجة ارتفاع قيمة النقل والتأمين.. وغير ذلك الكثير.
ولذلك, فإن الحديث عن المستقبل يجعلنا نتوقف أمام عدة ضوابط أيضا يجب تأكيدها, وهي:
إن مصر تتسع للجميع, فلا عزل, ولا إقصاء, ولا تهميش لأحد, وأن ما أكده مجلس الوزراء, خلال اجتماعه أمس الأول, من أن التوافق هو السبيل الوحيد للمستقبل يجب أن يكون عنوانا رئيسيا للمرحلة المقبلة.
ضرورة اختفاء كل مظاهر الفوضي في مجتمعنا, وخاصة ما يتعلق منها بالمظاهرات والاعتصامات والاحتجاجات, تحت أي ذريعة, وذلك لأن استمرار هذه الظاهرة سوف يفاقم من التوتر والانفلات في المجتمع, وهو ما يرفع من نسبة الجريمة, ويحد من التطور الاقتصادي.
رفع شعار الإنتاج كأولوية قصوي في هذه المرحلة, واجتثاث كل عناصر تعويق العمل داخل المؤسسات, الذين اعتادوا الترهل والتمرد لأسباب واهية أحيانا, أو لحساب آخرين في بعض الأحيان, وذلك لأن أوضاع البلاد لم تعد تحتمل مثل هذه الممارسات.
ضبط وسائل الإعلام, وخاصة بعض الفضائيات الشاردة التي دأبت علي التحريض والابتزاز في السابق, وعلي الشماتة والاستفزاز الآن, وخاصة أننا في هذه المرحلة يجب أن نسعي جميعا إلي احتواء الموقف, مع ضرورة الاعتراف بأن مثل هذا الطرح أصبح يأتي الآن بنتائج عكسية تماما.
مع ظهور طابور خامس في مجتمعنا ينتمي إلي' المدرسة البرادعية', يصبح من المهم اتخاذ موقف واضح وحاسم مع كل المنظمات والجمعيات ذات الصلة بالتمويل الأجنبي, أو بالسفارات الأجنبية, وخاصة الأمريكية منها, وذلك قبل تفجير الموقف علي طريقة أفلام' البوب' كما يطلق عليه مريدوه.
الإسراع بإنهاء حالة الطوارئ وحظر التجوال السارية حاليا, وذلك لتحسين صورة المجتمع في الخارج, بما يدعم الموقف السياسي من جهة, والموقف الاقتصادي سياحيا وتجاريا من جهة أخري, وبما يساعد في خلخلة حالة الركود التي يمر بها المجتمع من جهة ثالثة.
البدء فورا في علاج الخلل الأمني الحاصل في الشارع, سواء ما يتعلق بالفوضي المرورية, أو تجاوزات الباعة الجائلين, أو إغلاق الطرقات, وفرض الإتاوات, وانتشار البلطجة, ومواجهة' المسجلين خطر', وغير ذلك من مظاهر الانفلات, وبمعني أشمل' استعادة هيبة الدولة'.
إنشاء شركة علاقات عامة بالخارج, بتمويل من رجال الأعمال, تحمل علي عاتقها مهمة تحسين صورة مصر, وشرح وجهة النظر الإيجابية تجاه الأحداث الجارية, فلا يعقل بأي حال أن يظل وطن بحجم مصر ينتحب طوال الوقت جراء ممارسات قناة فضائية بعينها, علي الرغم من إمكاناتنا الإعلامية, وهو إن دل علي شيء فإنما يدل علي فشل ذريع لدينا قبل أي شيء آخر.
من المهم ألا نظل نعتمد الحلول الأمنية طريقا وحيدا لقضايانا وخلافاتنا, فمازالت الفرصة سانحة لتسويات توافقية علي كل الأصعدة من خلال الحوار والتفاهم, فمصر لا يمكن أن تنضب أبدا من العقلاء والحكماء الذين يمكن أن يكونوا فاعلين في هذه المرحلة, وخاصة إذا أخذنا في الاعتبار أن الطريق إلي الاستقرار مازال شاقا.
لأن الفساد كان هو الأزمة الرئيسية داخل أروقة ودواوين ما قبل25 يناير, ولأن هذه الأزمة مازالت تنخر في أوصال المجتمع حتي الآن; فإن فتح هذا الملف علي مصراعيه يصبح ذا أهمية قصوي في المرحلة الراهنة, وإلا فإن شيئا لم ولن يتغير في المجتمع, وسوف نظل ندور في حلقة مفرغة من الفشل والتردي علي كل الأصعدة.
علي أي حال.. نحن أحوج ما نكون الآن إلي توجيه كل الجهود نحو البناء والتنمية لإزالة آثار عامين ونصف العام من الأزمات المتلاحقة, دون الالتفات إلي مهاترات من تركيا, أو منغصات من جنوب أفريقيا, أو حتي مهاترات من الولايات المتحدة, ونحن أحوج ما نكون إلي الالتفاف حول القيادة السياسية للتوافق حول رؤية موحدة للنهوض من هذه العثرة التي يجب ألا يمتد أمدها أكثر من ذلك, ونحن أحوج ما نكون الآن إلي إرساء دعائم الأمن والاستقرار, ولن يتأتي ذلك إلا من خلال دعم قواتنا المسلحة في جهودها في سيناء, بصفة خاصة, للقضاء علي بؤر الإرهاب هناك, ودعم جهود قوات الأمن لاستعادة هيبتها, وبالتالي استعادة الشارع وضعه الطبيعي.
ولأن القضية هي مصر, ولا شيء غير ذلك; فسوف نظل نؤكد أهمية الارتقاء فوق الخلافات السياسية, والنزعات الطائفية, لتنفيذ خريطة المستقبل السياسية في أسرع وقت ممكن, وخريطة الطريق الاقتصادية بكل جوانبها, وحين ذلك فقط يمكن أن نتنفس الصعداء برسالة إلي العالم, مؤداها أن المارد المصري قد انطلق إلي غير رجعة, وهو الأمر الوحيد الذي يمكن من خلاله أن تخرس كل الألسنة, ومحاولات التدخل الممقوتة في شئوننا الداخلية.
ولأن القضية هي مصر.. فسوف يدعم الشعب أي مواقف رسمية في مواجهة مثل هذه التدخلات, ولتذهب معوناتهم إلي الجحيم, فقد آن الأوان لأن نرفع رءوسنا بين الأمم, وذلك بالاعتماد علي أنفسنا, وإنتاج أقواتنا ومتطلبات حياتنا, وما ذلك بعسير, فالتجارب أمامنا عديدة, والنماذج من حولنا مبهرة في القارات المختلفة, وإن هي إلا إرادة شعوب, إذا أرادت الحياة فلابد أن يستجيب القدر.
وما أثق فيه هو أن المصريين, الآن, أكثر من أي وقت مضي, لديهم الاستعداد لفرض إرادتهم, والحصول علي استقلالهم الحقيقي في صناعة القرار, وهو الأمر الذي افتقدناه عقودا عديدة, إلا أنها القيادة التي يجب أن تقود هذه القاطرة بشجاعة وثقة لتحقيق آمال وتطلعات ما يربو علي90 مليون نسمة, عانوا وصبروا بما فيه الكفاية, وقد آن الأوان لأن يجنوا ثمار ذلك بتماسكهم وتلاحمهم وتعاونهم, ولم لا؟, فالقضية هي مصر.
مبارك طليقا.. لأننا شعب مسالم بطبعه, ومسامح بفطرته, فقد استقبلنا خبر الإفراج عن الرئيس الأسبق حسني مبارك بأريحية بالغة, وخاصة أنه نتيجة أحكام وقرارات قضائية لا يمكن أبدا التشكيك فيها, أو حتي التوقف أمامها.
وقد كنت شخصيا من المعترضين علي حبس مبارك منذ البداية, لأسباب عديدة, أهمها أن الرجل قد بلغ من العمر عتيا, وهذا ليس من شيم المصريين, كما أن الرجل قد خدم مصر والمصريين ما يزيد علي60 عاما, بين الحياة العسكرية والحياة المدنية, بسجل ناصع من الوطنية والتفاني, ناهيك عن أنه أيضا لم يكن عنيفا أو دمويا, كما في الأقطار حولنا, كما لم يكن متآمرا, أو متخابرا, أو حتي متخاذلا أمام حقوق وطنه.
هذه هي الحقيقة التي يجب أن نعترف بها جميعا, والتي ساندته حتي النهاية, إلي أن أصبح خارج القضبان, حتي لو صدر قرار بإقامته جبريا, لدواع أمنية وسياسية, إلا أن الرجل سدد فاتورة ثورية ونفسية, وما عليه إلا أن يقبل بقضاء الله وقدره, وهذه أيضا من ثوابت الإيمان لدينا.
إلا أن هناك دروسا عديدة, من المهم التوقف أمامها حين العودة إلي الحديث عن فترة حكم مبارك, أهمها أن السماح بالفساد, أو الاعتماد علي فاسدين في إدارة شئون الدولة قد أضر به كثيرا, وهو أمر طبيعي, وذلك لأن الراعي يجب أن يتحمل مسئولية الرعية من حقوق وواجبات, كما أن تدخل أسرة مبارك في شئون الحكم أيضا قد أضر به كثيرا, وهو أمر كان واضحا جليا منذ البداية, إلا أنه لم يلتفت إليه, بالإضافة إلي ذلك, فإن طول فترة البقاء علي رأس السلطة, ربما كان هو الآخر أهم مسببات الامتعاض من مبارك ومساعديه وأسرته في آن واحد.
هي إذن دروس للمستقبل, لعل اللاحقين يستفيدون منها, واللاحقون هنا لا نقصد بهم رؤساء الدولة فقط, وإنما كل مسئول في موقعه, ولعل مبارك نفسه يخرج علي شعبه باعترافات من هذا القبيل, قد تزيل ما بقي من آثار نفسية ومعنوية لدي البعض, ولعل أجهزتنا الرقابية تبدأ مرحلة جديدة من العمل الجاد مع الرؤساء وغيرهم بفتح ملفات الفساد أولا بأول دون انتظار سقوط رئيس أو مرءوس.
فقد رأينا السكاكين تكثر, والطعنات تتوالي بعد السقوط, وهو الأمر الذي يجب تداركه الآن في ظل مصر الجديدة, كما أن اختيار القيادات منذ البداية وعلي كل المستويات يجب أن يخضع لأسس موضوعية ودقيقة, تتصدرها النزاهة, وطهارة اليد, والتخصص, وذلك حتي يشعر المواطن في النهاية بأن هناك شيئا ما قد تغير, وإلا فسوف تظل المحاكمات الإدارية تفرض نفسها علي حياتنا بهذا الشكل المخيف.
علي أي حال.. وأيا كان الثمن الذي دفعه الرئيس الأسبق نتيجة الأخطاء المشار إليها, فإن الإفراج عنه كان شهادة للقضاء, وقبل ذلك شهادة لشعب مصر العظيم, الذي كان, ومازال, وسيظل يسطر صفحات طيبة في تاريخه المجيد.
لمزيد من مقالات عبد الناصر سلامة


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.