في خطابه الاخير يوم الأربعاء3 يوليو كرر محمد مرسي كلمة الشرعية عشرات المرات تأكيدا لوجهة نظره انه اصبح الحاكم الشرعي لمصر وانه يشجب بشدة الخروج عن الشرعية. اي لايمكن أن يكون بمصر صوت يعلو فوق صوته هو, حتي30 يونيو الماضي. عندما تحدث زعماء جماعة الإخوان منذ30 يونيو كانت كلمة الشرعية ومفهومها هما المضمون الأكثر ترددا في أقوالهم. ومنذ جندت جماعة الإخوان آلاف المتظاهرين والمعتصمين اصبح الشعار السائد بينهم هو الشرعية وضرورة العودة لشرعية مرسي والإخوان. الأمر الذي آثار حيرتي وعجبي هو لجوء مرسي وقيادات الإخوان والمتظاهرين الإخوان لمبدأ قداسة الشرعية بحيث أصبحت الديمقراطية, وان ذكرت أحيانا, مبدأ ومفهوما ثانويا بالنسبة للشرعية. لاحظت أيضا أن كل تعليقات السياسيين العالميين بمن فيهم الأمريكيون لم تذكر علي الإطلاق كلمة الشرعية ولم تنوه أي جهة عالمية لمفهوم الشرعية أو مضمونها. كل التعليقات والتحذيرات العالمية تركزت علي الديمقراطية في مصر و ضرورة صيانتها وتعزيزها. خلاصة الأمر كشفت الأيام الأخيرة في مصر اختلافا عميقا بين الفكر السائد في منظمة الإخوان من ناحية, ورؤية العالم والثوار المصريين من ناحية أخري بالنسبة لقضيتي الشرعية والديمقراطية. ولا يجب أن يغيب علينا أن أقوي الانتقادات التي وجهت لحكم مرسي والإخوان هي التجني علي الديمقراطية وعدم اتباع مبادئها. الاستنتاج الطبيعي هو أن جماعة الإخوان تعتبر أن مبدأ احترام شرعية الحاكم حتي لو كان ظالما ركنا أساسيا في تفكيرها وفلسفتها. هذا الاستنتاج يفسر أيضا امتناع الإخوان عن الثورة علي حكم مبارك لسنوات طويلة بالرغم من أنها كانت الشريحة السياسية المصرية التي عانت أكثر أشكال الاضطهاد والتنكيل. وبالرغم أنها كانت أكثر فئات المعارضة تنظيما. والآن وحيث ان هذا المبدأ يتعارض مع فكرة الثورة تتكتم الجماعة عليه في الوقت الحاضر. آخر الأدلة علي اعتناق الإخوان لهذا المبدأ هو رفضهم الاشتراك في ثورة25 يناير حتي تصدع نظام مبارك ليخرجوا فقط يوم28 يناير. فعندما رأي الإخوان أن الثورة ستنجح وان مبدأ احترام شرعية الحاكم حتي لو كان ظالما اصبح فضيحة أمام شباب الإخوان الذي أراد الانضمام لشباب مصر في ثورته, قرر الإخوان الانضمام لجموع الشعب. الاخوان يؤمنون بشرعية الحاكم ككلمة الله, اكثر من كونها ارادة الشعب. هكذا تعايشوا في ظل حكم مبارك بدون ثورة. ولكن ما هو تفكير وعلاقة الاخوان بالديمقراطية من الادلة التي امامنا؟. تنكر مرسي للديمقراطية عندما خنت بعهده لكل القوي الوطنية الأخري وشكل جمعية لكتابة دستور مصر الثورة بأغلبية ساحقة من الأحزاب الإسلامية. وعندما علت أصوات الاستنكار من معظم فئات الشعب لم يعتد بها محمد مرسي. وتنكر مرسي للديمقراطية ثانيا عندما اصدر قراره بوضع نفسه فوق القضاء بسلطات لم يسبق لحاكم مصري أن ملكها في التاريخ الحديث بغرض تمرير مشروع الدستور الممهد لقيام وتثبيت الدولة الإسلامية. وتنكر مرسي للديمقراطية عندما اسرع بطرح مشروع دستور الإخوان المسلمين بقرابة300 مادة يصعب فهمها علي غالبية الشعب في استفتاء بعد أسبوعين من كتابته. وبالرغم من اقتصار التصويت علي الدستور علي حوالي20% من ناخبي الشعب المصري لم يعبأ الإخوان. وعلت صراخات الشعب في أنحاء مصر منددة بعملية سلق الدستور. مطلب الشعب الأول في ثورة25 يناير وهو الديمقراطية اصبح في أيادي الإخوان الطريق لبناء الخلافة الإسلامية الحديثة بالخداع. صندوق الاقتراع اصبح مجرد وسيلة لغاية جماعة الإخوان. ان من السذاجة الاعتقاد ان الإخوان يؤمنون بالديمقراطية كما يفهمها أوباما والغرب. ومن هنا يتجلي بوضوح صارخ اختلاف إيقاع تغني الإخوان بالشرعية وتغني امريكا بالديمقراطية. بقيت في حديثي نقطة واحدة. هل من الممكن الاعتقاد في سذاجة الساسة الأمريكان حتي لا يرون الفارق بين شرعية الإخوان وديمقراطية الشعب المصري؟. بالطبع لا. من الهزل السخيف أن يعتقد اي إنسان أن غاية أمريكا في مصر هي قيام نظام ديمقراطي. لو كان هذا صحيحا, لما ساندت أمريكا حكم مبارك الدكتاتوري30 سنة. غاية أمريكا في مصر هي الدفاع عن مصلحة إسرائيل والحفاظ علي معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل. اي نظام حكم مصري يحقق هذه الأهداف الأمريكية سيلقي التأييد الامريكي. أمريكا ليست لديها مانع لقيام ديمقراطية في مصر إلا إذا تعارضت مع المصالح الأمريكية الإسرائيلية. وهذا هو ما فهمه الإخوان جيدا. كل المصادر الأمريكية المسئولة تؤكد أن أمريكا وصلت لتفاهم مع الإخوان. أمريكا اكتشفت أن الإخوان يتميزون عن مبارك في نفوذهم علي منظمة حماس الفلسطينية. ولقد اثبت مرسي عمليا انه قادر وعلي استعداد لتلجيم حماس وصواريخها كصفقة مع أوباما لإطلاق يد الإخوان بمصر لو أنهم ضمنوا امن إسرائيل. مبارك عقد نفس الصفقة مع أمريكا حتي اصبح الكنز الاستراتيجي لإسرائيل. أمريكا تعمل لمصلحتها وليس لنشر الديمقراطية أو تأييد ارادة الشعوب. حكومات مبارك ومرسي عملت لمصلحة استمرارها في الحكم وليس لمصلحة الشعب المصري. السؤال الجوهري: متي ستكون لمصر حكومة وحاكم يعمل لمصلحة مصر وشعبها كحكومات أمريكا وإسرائيل وليس لمصلحة حكمه؟ أو بالأحري متي ستكون لمصر حكومة تري مصلحة الشعب من مصلحتها؟ لمزيد من مقالات د. نبيل اسماعيل