ماذا تفعل لو أن لك عبيدا بمزرعة أمرت عليهم أحدهم و ربطت عنقه في قدمك لزمن , ثم أمسك العبيد بأيدي بعض و أنقلبوا علي أميرهم؟ ... خياراتك بين أربع:إما أن تحاول ربطهم جميعم بقدمك, وهو غير ممكن; وإما أن تؤمر عليهم آخر طائع لك, وهو غير مقبول لهم; أو أن تتركهم يختاروا أميرا لهم ثم تربطه بقدمك, وهو وارد; وأخيرا, أن تجعل بأسهم بينهم شديدا حتي لا ينظروا إلي حالة العبودية التي يعيشونها تحت إمرتك. بالنظر إلي حالة مصر فإن من ملكوا المنطقة العربية لعقود لا يستطيعون أن يفلتوا العبيد وإلا فسدت المزرعة وانقطع الطعام والزاد عن الملوك, فما كان منهم إلا اللجوء إلي الخيارين الثالث والرابع. ومصر تعيش الآن حالة تجاوزت عدم الاستقرار المؤقت إلي الغليان المستمر وذلك لأسباب عدة داخلية وخارجية, ولعلنا هنا نتناول الخارجي منها لأهميته وللسكوت الإعلامي عنه. وللدول العظمي أساليب رئيسية للتأثير في الدول ذات المصلحة الإستراتيجية كدول العبيد- من أهمها هو إعمال الأذرع المخابراتية من خلال عمليات فشلها يكون في الكشف عنها; فالعملية التي يربط فاعلها بها هي فضيحة مدوية تذهب فيها المناصب والحكومات. لذا, فالدبلوماسي والسياسي العامل في حقل السياسة الخارجية للدول العظمي يتبني أسلوب إقناع الضحية بأن كل ما تفعله هو من جراء إرادتها الحرة وأنه لا وجود دور لدولته في عملية صنع القرار الداخلي للضحية.فالمخالط للساسة الغربيين والأمريكان خصوصا قد يلاحظ مدي تأكيدهم علي تفشي نظرية المؤامرة في العالم العربي عند الحديث عن السياسات الغربية في المنطقة, خاصة في اللقاءات المفتوحة لغير المتخصصين. وإجمالا, فإن استبعاد المؤامرة بالكلية في أثناء التحليل السياسي مع توافر خيوطها هو أمر خاطئ كما أن إدراجها في كل تحليل بلا دليل أمر غير علمي. بالانتقال إلي النظر في ماهية التحول الحاصل بمصر نري أن وجود رئيس منتخب من قبل الشعب أوالعبيد بنظرة سياسات الاستعمار الحديث- في دولة قائدة بحجم مصر ينذر باحتمالية خروج سياسات مصر علي المصالح الأمريكية خاصة إذا كان الرئيس مخالفا لنهج سابقه من حيث رؤيته لمصالح مصر. تتعاظم المصيبة لمالك العبيد حين يكون الزعيم الجديد لديه رؤية إسلامية متصالحة في مجملها مع باقي التيارات الإسلامية مما ينذر بإمكانية تحرير باقي عبيد المنطقة وبالتالي زوال ملك الغرب. بل ما يزيد البلاء للمالك هو أن رضاء الحاكم المصري الجديد بالديمقراطية سبيلا والسلام خيارا ولو ظاهريا- مؤداه انجذاب قوي دولية أخري للتعامل معه كشريك آخر ديمقراطي براجماتي غير إسرائيل في المنطقة فيداهم خطر التهميش إسرائيل وحليفتها الولاياتالمتحدةالأمريكية. بجانب النخر في الداخل المصري من خلال عمليات تشبيك مع أطراف داخلية غير مكترثة بمسئولية ما حملته الثورة لمصر, فإن للدول الغربية وخصوصا الولاياتالمتحدة تكتيكا متوازيا للتعامل مع الحاكم المصري. وما يميز الحاكم المصري المنتخب عن سابقه هو حمله جملة من المبادئ والقيم التي يهدف بحسب زعمه- إلي تحقيقها وهذا في حد ذاته أكبر تهديد لمصالح الولاياتالمتحدة في مصر والمنطقة, حيث إن النظام الدولي القائم مبني علي تغليب البرجماتية وتنحية المبادئ, وإلا فذلك يعني مباشرة تغيير جذري في سياسات مصر والضغط علي الولاياتالمتحدة لتغيير سياساتها تجاه قضايا العالم العربي. فمثلا, علي الولاياتالمتحدة نزع رجالها من الحكم في العراق وتعويض العراقيين عن سفك دمائهم واستحلال ممتلكاتهم, وكذا في أفغانستان, وتغيير سياساتها تجاه فلسطين واليمن وسوريا ومالي والسودان والسعودية والخليج وإيران و....إلخ, وعلي مصر مناصرة فلسطين فعليا ومعاداة إسرائيل, نصرة سوريا, ونجدة مالي وما إلي ذلك من سياسيات من شأنها تدمير التأثير الأمريكي في المنطقة بل وتحرير كل العبيد واسترجاع مزرعتهم. بناء عليه, فإن المبادئ مفسدة والبرجماتية مفيدة من وجهة النظر الأمريكية. فلتتمكن الولاياتالمتحدة من ربط زعيم العبيد الجديد بقدمها عليها أن تنزع عنه مبادئه عن طريق مكافأة قراراته البرجماتية البحتة. وفي هذا الإطار نفهم الخيارين الثالث والرابع ونفهم طبيعة العلاقات الأمريكية التي تتظاهر بالرضا عن الحاكم المصري الجديد. إذن, كيف نعيد مزرعتنا؟. الإجابة ببساطة هي عدم تمكين سياسات الاستعمار الجديد من تحقيق الخيارين الثالث والرابع. أما عن ربط الزعيم المنتخب بالقدم الأمريكية فسبيل الخروج منه هو إستخدامها أدق الموازين في موازنة سياساته ما بين البراجماتية والقيم. فالإسراف في المصلحة يفقده كل ما يميزه ويصبح كسابقه عبدا مواليا لجلاده, في حين أن إسرافه في تحديد علاقاته فقط بناء علي قيمه ومبادئه يزوي مصر في محراب متخيل.الأمر الآخر هو إفشال محاولات دق نعش مصر من داخلها من خلال اصطياد فصائل داخلية وتجنيدها لموالاة الخارج. حاكم مصر الآن في أشد الاحتياج للمعارضة الفعالة, تلك المعارضة المسئولةالتي تناصر الحاكم إن أصاب وتناصحه ثم تنذره إن أخطأ, أما المعارض الذي تقوده شهوته للحكم فيعارض ويخرب علي طول الخط فذلك خلاصه في العبودية. لمزيد من مقالات عبدالرحمن رشدان