رئيس جامعة قنا يفتتح مركز صيانة الأجهزة الطبية والعلمية والإلكترونية    سعر صرف الدولار في البنوك المصرية ببداية تعاملات اليوم الإثنين    وزارة الزراعة تعلن فتح باب الحجز للمشاركة فى معرض زهور الربيع 2026    معاريف: إسرائيل تتوقع أن يمنح ترامب حماس مهلة شهرين لنزع سلاحها    فتح بوابة معبر رفح وفي انتظار وصول المصابين من قطاع غزة    معاريف: محادثات عسكرية إسرائيلية أمريكية بشأن تنسيق أمني حال هجوم على إيران    إبراهيم صلاح: فوز الزمالك على المصري مهم ويعكس جاهزية اللاعبين الشباب    حالة المرور اليوم، كثافات متحركة في القاهرة والجيزة والقليوبية    جرامي ال68.. فايبز دونت لاي أفضل أداء أر & بي تقليدي    د.حماد عبدالله يكتب: " لا حياة لمن تنادى" !!    إعلام إسرائيلى: تل أبيب بانتظار وثيقة أمريكية لتنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق غزة    وزير الصحة يترأس اجتماع اللجنة التنسيقية المعنية باستقبال الجرحى والمصابين الوافدين من قطاع غزة    اليمينية لورا فرنانديز تفوز برئاسة كوستاريكا    زلزال في سوق المعادن.. الذهب والفضة يقودان موجة هبوط حادة والأسواق في حالة ارتباك    اليوم.. طقس دافئ نهارا على أغلب الأنحاء وبارد ليلا    حجب لعبة "روبلوكس" في مصر| هام من الأعلى للإعلام وتنظيم الاتصالات    محامي ضحايا مدرسة الإسكندرية: حكم الإعدام طبطب على أولياء الأمور.. والأطفال بحاجة لدعم نفسي مستمر    رئيس جامعة كفر الشيخ يشارك في الحفل الختامي للمبادرة الرئاسية «تمكين» بالأقصر    تحذير حقوقي من السكرتير الخاص للرئيس مرسي بعد 13 سنة بسجون السيسى    واعظات أوقاف الإسماعيلية يواصلن فعاليات برنامج "أحب مسجدي" للأطفال    الفنانة زينب يوسف شعبان: والدي عارض دخولي الفن.. وبدأت مشواري من الكويت لتجنب المقارنة    المركز القومي للترجمة يودع معرض القاهرة الدولي للكتاب بخصم 50% يومي 2 و3 فبراير    حبس وغرامة تصل ل 100 ألف جنيه| مجلس النواب يوافق على تشديد هذه العقوبات    فى حفل توزيع جوائز الجرامى ال 68.. Debí Tirar Más Fotos ل باد بانى يفوز بجائزة أفضل ألبوم.. وwild flower ل بيلى إليش تحصد جائزة أغنية العام.. وليدى جاجا أفضل ألبوم بوب    مقتل شرطي وإصابة آخر في إطلاق نار داخل فندق بولاية جورجيا الأميركية    سفير أمريكا بالناتو: امتلاك إيران سلاحا نوويا يعد خطا أحمر بالنسبة لترامب    محافظ الأقصر يشهد الليلة الختامية لاحتفالات مولد العارف بالله أبو الحجاج    فحص 1217 مواطنًا في قافلة طبية جديدة ل«حياة كريمة» بدمياط    محافظ كفرالشيخ: رفع كفاءة 25 طريقًا بطول 50 كم بسيدي سالم ضمن مبادرة «تأهيل الطرق»    الوطنى الفلسطينى: إخطار الاحتلال بهدم 14 منزلاً فى سلوان انتهاك صارخ    الجيش الإسرائيلي يعلن اغتيال رئيس قسم بدائرة الهندسة في حزب الله    لماذا يظل الخبز البلدي الأفضل؟    وزير الخارجية الفرنسي يؤكد ضرورة وجود قناة اتصال لأوروبا بروسيا    أسعار الفضة تهبط في المعاملات الفورية بأكثر من 5% لتسجل 78.93 دولار للأوقية    قسد: سيفرض حظر تجول في الحسكة والقامشلي تزامنا مع بدء تنفيذ الاتفاق مع دمشق    نجم الزمالك السابق: «شيكو بانزا» يحتاج إلى تطوير أكبر على المستوى التكتيكي    النيابة العامة تحقق في مقتل شخص بطلق ناري بالبدرشين    "القومي لذوي الإعاقة" يعلن تفاصيل الدورة الثالثة لمسابقة «الأسرة المثالية»    نقيب الأطباء: نعترض على إعادة الترخيص في قانون تنظيم العمل بالمستشفيات الجامعية    حازم إمام: إمام عاشور سبب الجدل اللى حصل.. وبن رمضان وبن شرقى الأنسب لتعويضه    تدريبات بدنية للاعبي الزمالك غير المشاركين أساسيًا بعد الفوز على المصري في كأس الكونفدرالية    استشهاد معاون مباحث مركز شرطة الحامول بكفر الشيخ أثناء تأدية عمله    ما حكم الاحتفال بليلة النصف من شهر شعبان؟.. الإفتاء توضح    دار الإفتاء: صيام يوم النصف من شعبان من جملة الأيام البِيض من كل شهر    السيطرة على حريق بمساكن عزيز عزت في إمبابة    عمر كمال: إمام عاشور يستحق أعلى راتب في مصر.. ولم أتعرض لإصابات كثيرة مع الأهلي    بيئة مثالية | خبراء: نمتلك قدرات وإمكانات فنية لتحقيق طفرة    هل الشخير علامة مرض؟ نصائح طبية لنوم آمن وهادئ    متحدث الصحة: دليل إرشادي جديد ينظم خدمات العلاج على نفقة الدولة    الدوري الفرنسي، باريس سان جيرمان يخطف فوزا هاما أمام ستراسبورج    لجنة السياحة بالغرفة الألمانية العربية تعقد الصالون السياحي الثاني لدعم التعليم الفني والتعاون المصري الألماني    "Golden" من فيلم "KPop Demon Hunters" تمنح الكيبوب أول جائزة جرامي في تاريخه    مصرع شخص وإصابة آخر إثر حادث تصادم دراجة نارية وسيارة فى منية النصر بالدقهلية    القومي للمرأة: تمكين السيدات استثمار مباشر في النمو الاقتصادي والتنمية المستدامة    شيخ الأزهر: الدنيا بأسرِها كانت ضد المرأة حتى جاء الإسلام ليعيد لها كرامتها    الأوقاف تعلن أسماء الأئمة المعتمدين لأداء التهجد بالمساجد الكبرى في رمضان    للصائمين.. موعد أذان المغرب اليوم الأحد أول الأيام البيض    بث مباشر الآن.. مانشستر سيتي يواجه توتنهام في قمة نارية بالبريميرليج    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الطب النفسي حدد حالتنا وفشل في علاجها..مصر بلا بوصلة‏!‏
نشر في الأهرام اليومي يوم 25 - 11 - 2011

أكلم مين في مصر لما أحب أخاطب شعب مصر؟ لا يوجد في الساحة أحد يحمل اسمك يا قطز‏,‏ لا يوجد قطعا تنظيم الضباط الأحرار‏. , لا يحمل أحد منا ملامح محمد علي باشا. نعم هناك المجلس الأعلي للقوات المسلحة, لكن هناك ايضا حالة انحياز تام جعلتنا جميعا نضرب أخماسا في أسداس. وتسعة أشهر مرت متثاقلة لا تفتح فيها الأبواب الي أسواق المستقبل. يصدمك الواقع حين تلاحظ أن نظاما مخلوعا ما زال يديرك من خلف الأسوار.
نعلم أن الأمر سيأخذ وقتا حتي يكون هناك مجلس منتخب ورئيس يمثل شعبه ومواطن ينتظر الغد بلا خوف. نعلم أيضا أن ما جري خلال تسعة أشهر لا يقدم ابتسامة واحدة في وجه80 مليون أمل. لن نسأل الساسة ماذا نفعل فقد تكلموا كثيرا.. لن نسأل العسكر ولن نسأل الشرطة فالاجابات علي قارعة الطريق: مصر في حالة فراغ. انها حالة غير مسبوقة, ومن ثم لا يوجد خبر واحد يقول لنا ماذا نفعل, ليس أمامنا الا التوجه للعيادة النفسية فلعلنا نجد فيها الدواء الذي يحول ميدان التحرير من ساحة ألم الي مسرح غناء. المفاجأة أن الطب النفسي نجح في تشخيص الحالة, لكنه فشل مثلنا في علاجها. قطعنا كشفا عند الدكتور يسري عبد المحسن والدكتور خليل فاضل لكننا وبمنتهي الأدب طلبنا في النهاية استرداده رغم احتفاظنا بالروشتة. والآن تعالوا نتنقل بين العيادتين.
بداية يقول د. يسري عبد المحسن عندما يستشري الفساد في المجتمع فانه ينخر كالسوس في الهيكل العظمي للمجتمع, ولايفرق بين شريحة وأخري, ولكن أشكال الفساد هي التي تختلف باختلاف الشرائح.. فهناك فساد الشريحة العليا والتي غالبا ما تكون في الفساد المالي والسياسي.. وفساد الشريحة المتوسطة في غياب منظومة القيم والأخلاق وضياع الانتماء وتفشي روح الأنانية في نفوس الناس, وهذا كله رد فعل لشعور الشريحة المتوسطة بأنها تتآكل وتذوب وتنتهي, وأنها لا طالت الشريحة العليا ولا تستطيع أن تنحدر الي مستوي الشريحة الدنيا, فتشعر بالمرارة والظلم والجبن, وتفقد قيما كثيرة أهمها أنها تفقد الانتماء للوطن.
أما فساد الشريحة الدنيا فهو فساد البلطجة والضياع وممارسة العنف والعدوان وارتكاب الجرائم وتنفيذها مع سبق الاصرار والترصد.. ويطلق علي أفراد هذه الشريحة أنها مضادة للمجتمع مليئة بروح الانتقام التي تدفعهم الي الفساد, فينتقمون لأنفسهم من كل ما هو أعلي في المستوي الاقتصادي والتعليمي والصحي, وتربطهم الأنانية المفرطة والسعي وراء المصلحة الخاصة وثقافتهم السائدة أنا ومن بعدي الطوفان.
..وبالتالي فان عدم وجود عدالة اجتماعية والفوارق الكبيرة بين الطبقات كل طبقة تدفع كل شريحة لتحقيق أهداف وملذات شخصية علي حساب الأخري..والاختلافات بين أشكال الفساد نوعية وليست كمية, أما الانسان المتدين والصالح فهو يؤثر السلامة, وينطوي علي نفسه ويبتعد عن الساحة ويصم أذنيه ويغلق عينيه عن كل مجريات الأمور من حوله هو لا يلعب دور المشاهد والشاهد في حالة من الترفع عن الدخول في غضب ربنا.
واتفق معك في اتساع أنماط الفساد, فالنمط السلوكي اتسع مداه وطال كل الأعمار وكل المستويات حيث انقلبت المعايير وتاهت كل معاني الأخلاق واختفت الرموز الشامخة, وساد قانون الغاب, وأصبح هو الذي يحكم وللأسف وسط كل هذا, عاش المسئولون لهدف واحد وهو الثراء والسلطة والشهرة, وبمعني آخر تركوا الناس تنهش لحم بعضها وتخلص حقوقها من بعضها وأصبح كل واحد يده في جيب أخيه, حلقة مفرغة..وبالطبع كانت الأرض خصبة وممهدة, خاصة أن الأمن كان أمن المسئولين وليس أمن العامة والشعب.
يشكل العوار الذي أصاب منظومة التعليم جزءا من المشكلة, ولكن الحقيقة هناك أسباب أخري كانتشار ثقافة العنف والظهور وغياب الانتماء والأنانية الفظيعة. كما أننا مجتمع استهلاكي بنسبة90% ولسنا منتجين.. لم نكن ابدا مجتمعا زراعيا أو صناعيا حتي السياحة ليست بالقدر المطلوب.. نحن شعب يستهلك فقط.. هذا الي جانب أن الوعي الديني أصبح فيه تخبط وافتقد الرؤية العقائدية المستنيرة. كذلك من أهم الأشياء التي أهملت علي مدار ال40 سنة الماضية الأمية الأبجدية, فكيف يمكن للمواطن الأمي أن يتكلم عن ديمقراطية وحقوق وواجبات وهو لا يقرأ ولا يكتب.. لهذا أري أن مشروع القراءة للجميع كان نوعا من الرفاهية, وكان الأحري تبني مشروع القضاء علي الأمية في مدة أقصاها خمس سنوات. الحلول من وجهة نظري تكمن في الضبط والربط وسرعة اعلان العقاب من أجل الردع, في نفس الوقت لابد من تعظيم السلوك السوي وتكبيره, والاشادة به والقاء الضوء علي النماذج المضيئة وابرازها في وسائل الاعلام لأنها ستكون قدوة للآخرين.. اذن لا بد من اعلان العقاب وابراز الايجابيات ووضع خطة تربوية للنشء في المدارس, والضرب بيد من حديد علي الفاسدين من جيل الوسط واعطاء مساحة لكبار السن لأن يكونوا قدوة للصغار تنتقل اليهم منظومة القيم والمبادئ التي تربوا عليها.
مسجل خطر
علي الجانب الآخر اتفق الدكتور خليل فاضل في بعض الأمور واختلف أيضا مع نظيره د.عبد المحسن.لنري أن طال الفساد كل فئات المجتمع حتي الطبقة الدنيا وقال: قماشة اجتماعية وانا كان لي نظرية اجتماعية تتعلق بتشابه الطبقة الدنيا والعليا في السمات والصفات والانحلال, فنجد مثلا انتشار المخدرات والانحلال الخلقي والجنسي ظاهرا في الطبقتين, ونجد ان الطبقة العليا تستخدم الطبقة الدنيا كالبلطجية وتجار المخدرات وكافة الأنشطة الاجرامية والافساد.. فرجال الاعمال بل وضباط الشرطة يستخدمون المسجلين خطر لضبط قضية ما, والتغاضي عن قضية أكبر. ومن جانبهم قام القائمون علي الحكم بافساد الروح, ما ادي الي افساد الذمة والنفس, وبالتالي فساد الحكم والبعد عن الله سبحانه وتعالي. وتعتبر طبقات المجتمع علي اختلافها, قماشة اجتماعية متصلة رأسها يوصل الي ذنبها, ويمر بالطبقات المتوسطة علي اختلاف درجاتها. ذكر لي صديق يحقق في كبري قضايا الفساد بعد الثورة لو عادت الأموال التي نهبها رموز النظام السابق وخرجوا من سجن طره, سيظل الفساد قائما لأن لديهم آلية مجتمعية جهنمية لافساد الناس وذممهم. لب القضية في تلك النفس..في التحليل النفسي نقول جبلت النفس علي اللذة والفجور.. والقلب يعشق الانحلال الخلقي وسرقة الاموال والعقل يبرر هذه الافعال.. القلب يعشق والعقل قواد.. الفساد الروحي يستشري ويسري ويمضي كالسيف بين مختلف الطبقات.. الانسان ضعيف, ومن السهل للنفس الانحراف.. من يعيش في مقبرة, لا يشم رائحة القاذورات. وهؤلاء الذين يعيشون في سجن طره جلدهم سميك اعتادوا ممارسة الفساد.. أما الانسان الشريف, الصريح العادل فللأسف أصبح مكروها. أقول ذلك ويدي مغموسة في بطن هذا المجتمع القذر..
بكثير من التفاؤل وعلي أفضل التقديرات البعض يري أنه لا مخرج مما تمر به البلاد من أزمات نتيجة تفشي الفساد الذي لم يعد نمطا سلوكيا, بل أصبح فطريا انتشر كالنار في الهشيم بين فئات المجتمع علي اختلافها؟ نهضت الدولة المصرية من رحم انحطاط شديد أيام المماليك, فلا داعي أن نبث روح التشاؤم.. فقد كنا في أسوأ عصورنا, وجاء محمد علي وأحدث نهضة, ونحن قادرون ولكن تنقصنا الادارة والارادة.
في الوقت نفسه لا أعتقد أن هناك حلولا سريعة لمرض مزمن, فقط علينا أن ننتظر ونتجرع الصبر ونعمل بجد وننشر روح المحترمين والنبلاء لأن روح العبيد, ومعظم الذين تصدروا الحياة السياسية كانوا عبيدا, كلهم فاسدون ومن هنا لا بد من تشخيص المرض ودعكه بالملح حتي يلتئم علي نظافة وهذا ما كتبته في كتاب وجع المصريين, وتكمن الحلول السريعة من وجهة نظري في وضع أسس وميثاق وعهد دون رغي وكلام, والشعب المصري مؤهل لأنه اتته فرصة النضوج, وعليه أن يستغلها منذ أن وقف في اللجان الشعبية لخطر الطريق.
لكن البعض يري أنه لا يمكننا الحديث عن مجتمع فاسد ومجتمع صالح بعمومية مطلقة.. والبعض أيضا يري أن تشخيص حالة الفساد في مصر ليس أكثر من مجرد جلد للذات.. وهناك ايضا من يري أن الفساد في مصر تحول من فساد من أجل المال والسلطة في مستويات اجتماعية مختلفة الي فساد مؤسسي لا يتعلق بفرد بقدر ما يتعلق بمؤسسات الدولة بكاملها.
د. عبد المحسن: لا يصح الا الصحيح الخير هو الأبقي, والشر هو الاستثناء ولا بد أن يطغي الخير والاصلاح واعمار الأرض علي انتشار الفساد وتدمير الأرض, لأن ذلك هو شريعة السماء ودائما التوجيهات للحكومات والحاكمين الذين هم أمناء وأوفياء علي الوطن تعزز الخير علي حساب الشر, والاصلاح علي الفساد, ويكون ذلك عقيدة وايمانا راسخا.. تغليب الخير علي الشر والاصلاح علي الفساد وهذا واجب علي المسئولين ولن يتم الا اذاكانوا هم عندهم ايمان, وعقيدة لأن هذا هو الصحيح. هناك نقطة اتبعوها في السنوات, انجاز منظومة الاصلاح لا تتم وفق الأولويات التي تحقق نهضة الوطن, ولكنها كانت تجري وفقا لما يحقق مصلحة للمسئول ومجدا شخصيا علي حساب مصلحة الوطن. ويضيف د. فاضل: بالفعل طال الفساد مؤسسات الدولة, ونعم هناك من يريد ازهاق روح مصر. الفساد عندما طال مؤسسات الدولة كان جزء منه واعيا والجزء الآخر لم يكن واعيا.. أما عن الجزء الواعي فبسبب أمريكا واسرائيل.. فكلنا نعرف أنه اذا صارت مصر فتية فستشكل خطرا علي المنطقة كلها.. واصلاح مؤسسات الدولة يكون بهدمها كلها والبناء علي أنقاضها.. نحن بلد ولاد..ولا داعي للعب بالعقول ولا يمكن رتق الثوب وهو مهلهل,اذ لا بد من وجود ثوب جديد نفصله.. وعلينا أن نأكل قليلا ونمضغ الصبر.
لكن التضاريس الجغرافية في مصر فيما يتعلق بالفساد تداخلت مع المفاهيم العامة بشكل كبير, وانعكس هذا علي السلوك داخل المجتمع بحيث لم يعد هناك عمليا سلوك خاص بشريحة اجتماعية تعيش في منطقة معينة.. لكن الغريب حقا هو أن ذلك تزامن مع استخدام الأغلبية في المجتمع لأشكال لغوية تكاد تكون موحدة يمكن وصفها بثقافة الرغي تبرر بالفعل السلوك المشترك للغني والفقير علي السواء..
يقول د. يسري عبد المحسن: ثقافة الرغي هي ثقافة الفقر والجوع والفراغ المعنوي والفكري وضياع المثل العليا والقدوة الحسنة, من انشأها الخواء الفكري والمعنوي والسعي وراء لقمة العيش التي هي أس من اساسيات الحياة, لم يعد الانسان عنده مخزون من الثقافة والعلم كي يتحدث بكلام له معني.
أما د. خليل فاضل فله رأي آخر: نتيجة للفساد المؤسسي وفساد الروح حدث نوع من الثرثرة وثقافة التفاهة والتناحة والرغي, واصبح اهدارالمال والطاقة شيئا عاديا, وبالتالي هدر موارد الأمة وهدر النفس البشرية المصرية ما أدي الي تآكل حواس رأس المال البشري المصري.. ولكنني متفائل فمصر غنية بأهلها من عمال وفلاحين ومدرسين واطباء. هناك فوضي اجتماعية أخلاقية شديدة متزامنة مع الجنوح العام لاظهار التدين الشكلي لدي المسلمين والأقباط علي السواء.. هذه الفوضي يرجعها البعض الي التفكك الأسري والتحلل الأخلاقي وما شابه مثل تدني مستوي التعليم والثقافة وسيادة العنف وكذلك الفقدان الكامل للبوصلة الاجتماعية.. وغياب القدوة علي مستويات مختلفة في أغلب مؤسسات الدولة وليس داخل الأسرة فقط, ليس هذا فحسب بل هناك اجماع علي أن ما مر به المصريون خلال ال30 عاما الأخيرة تسبب في تصدع الشخصية المصرية بشكل عام, وعلي نحو رأسي متعمد من أعلي الي أسفل.
يقول د. يسري عبد المحسن: بالطبع اتفق معك فيما ذكرت,وأرجع ذلك الي تلاشي الطبقة المتوسطة, التي هي عصب المجتمع, وكانت تحتوي علي المثقفين, الشريحة المنتجة.. وبالتالي حدث تصدع في الشخصية المصرية بشكل عام, وانتشر الحقد الطبقي وفقدت البوصلة الاجتماعية اتجاهها, واثرذلك علي مؤسسات الدولة. لكن السبيل الأساسي أنني كما اتصور هو وضع خطة طيبة لتربية وتعليم النشء الصغير وسرعة معاقبة كل من تورط في الفساد بكل اشكاله..والاستفادة من تجارب الكبار ونقلها الي الصغار.
في نفس السياق نجد د. فاضل يقف علي الجانب الآخر فيقول: من فقد دنياه ولم يحقق ذاته يدعي التدين, وللأسف بعضهم يدفن انسانيته في الدين بمعني لا يعمل, لا ينتج ولا يربي ويتخيل أنه يتعبد فقط..واختلف معك في مسألة القدوة, لأن الانسان ابن بيئته, ويجب أن تكون البيئة المحيطة هي القدوة بمعني أنه يجب أن يكون هناك نظام عام يلزم الجميع فلا يحيد عنه أحد, ومن ثم تكون البيئة المحيطة هي القدوة.. بمعني أنه تنثر فيها بذورا فتنتج لنا ثمارا, أنا غير متفق معك علي أنه حدث تصدع في الشخصية المصرية ويجب ألا نبكي علي الاطلال ونقول أين لنا بأخلاق الميدان.. الذين استطاعوا أن يسقطوا أعتي الطغاة, لا يمكن أن تكون شخصيتهم قد تصدعت, هي فقط تحتاج الي البوصلة وتحديد الاتجاه وخطة العمل.
هناك بعض التفسيرات التي ترجع حالة الغليان المطلق وانعدام الأمن في الشارع المصري وتجاهل أو عدم احترام القانون الآن علي أنه رد فعل طبيعي علي حالة الخوف الناجم عن كبت شبه مطلق خلال السنوات والعقود الماضية..
لكن د. يسري عبد المحسن يرجع ذلك الي غياب جهاز التحكم الداخلي والخارجي.. وغياب التحكم الداخلي يعني غياب الضميروالمثل والمباديء. أما جهاز التحكم الخارجي فكان بفرض القوانين الوضعية وهو ما رسم نظام مبارك طوال سنوات طويلة, حيث تجاوز الضبط الخارجي أكثر من90% عن طريق الشرطة والأمن المركزي وأمن الدولة. وللأسف عشنا بالكورباج, نحن لا نعمل عن اقتناع ولكن خوفا من الكورباج.. وعندما تراجعت صحوة الضمير واختفي أمن الدولة, ظهر الهرج والمرج والانفلات الأمني والبلطجة في الشارع المصري.
ولا أري أن القرارات الفوقية ستحتوي الأزمة.. القرارات التي تأتي بالاجماع والموافقة عن طريق الأساليب المؤسسية من أسفل الي القاعدة هي الناجحة وهي التي تفيد وتثمر.
د. خليل فاضل..هناك تفسيرات أخري من وجهة نظري تتعلق بهدف بعض القوي السياسية الموجودة علي الساحة, وتتظاهر بمساندة الثورة أو تسيير الأمور, ولكنها في حقيقة الأمر تعمل ضدها بمعني أنها تخلق مناخا طيبا للجريمة علما بأن الجريمة في عصر مبارك دخلت أوسع وأبشع صورها.. ولهذا فالأمر يستدعي العمل علي مستويات متعددة في الشارع, وفي كل بيت وعبر الانترنت والفيس بوك, وتمكين الشباب والناشطين السياسيين من أداء دور اجتماعي ومؤسسي.. والتقاط الجهود وتجميعها حتي نخرج بخطة جماعية وتوحيد للجهود علي مستوي العشوائيات والمدارس والأسر في مختلف مناطق الجمهورية.. ونصرف النظر عن الهبات والمنح السهلة والحلول السريعة التي تبدو كأمور الشحاذة.
بالنظر الي الثورة المصرية يعتقد البعض أن تغيير نظام الحكم السابق لا يكفي لعلاج التشوهات الاجتماعية.. وهناك من يريد أن يعرف اجابة للسؤال الي أين تتجه البلاد وكيف ستتطور الأحداث في الفترة المقبلة مع ما يشهده ميدان التحرير الآن من أحداث ملتهبة ومتسارعة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.