جيل «z» فريسة مستهدفة بالتضليل والتزييف العميق    براءة الطفولة تحت حصار التضليل الرقمى    محافظ الدقهلية يفتتح السوق الحضارى فى طلخا ومهلة 48 ساعة لتسكين البائعين    مستشار خامنئى: سنستهدف قلب تل أبيب إذا تعرضنا لأى هجوم    صحة غزة نجاح أول قسطرة طرفية منذ إغلاق المستشفى الأوروبي    سوريا.. بدء سريان مرسوم يمنح الجنسية للأكراد    الفئران تثير الجدل بملعب مباراة برشلونة ضد كوبنهاجن اليوم.. فيديو    الزمالك يكشف التشخيص المبدئي لإصابة شحاتة ومحمد إبراهيم    تقرير: بينهم صلاح.. 5 لاعبين مرشحين للرحيل ومثلهم صفقات في ليفربول مع ألونسو    كرة طائرة – الأهلي يوافق على المشاركة في إفريقيا للرجال.. ويستضيف منافسات السيدات    السيطرة على حريق داخل سفينة فى ورشة تصليح بالبدرشين    عبد الرحيم كمال من معرض الكتاب: طه إلياس رحلة بين الغربة والتكنولوجيا    زاهى حواس ل الحياة اليوم: المتحف الكبير ثورة فى تطوير المتاحف المصرية    حياة كريمة.. الكشف على 727 مواطنا خلال قافلة مجانية بقرية الأبطال بالإسماعيلية    مدبولي يُتابع جهود اللجنة الطبية العليا والاستغاثات بمجلس الوزراء خلال شهر يناير 2026    تعرف على موعد مباراة مصر وكاب فيردي في نصف نهائي بطولة إفريقيا لليد    البورصة المصرية تنظم ورشة عمل تدريبية حول المشتقات المالية    هذا العالم.. «مرة أخرى»    النيابة الإدارية تفتتح فعاليات برنامج تدريبي حول التحول الرقمي والأمن السيبراني    يوسف زيدان: كان هناك سوء فهم بشأن رواية سفر العذارى    مباحثات مصرية - تركية للشراكة بمجال إنشاء المدن الطبية والمعاهد التعليمية    حصاد وزارة الدفاع فى أسبوع    ضبط 3 أطنان لحوم غير صالحة للاستهلاك الآدمي خلال حملة رقابية بمركز المنيا    كشف ملابسات مقتل تاجر مواشي على يد مزارع في البحيرة    «أنا وهيبة» رواية حياة    الأنبا إبراهيم إسحق يستقبل الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط ويناقشان تعزيز التعاون بين الكنائس كوسيلة للتفاعل الإيجابي    محافظ البحيرة تكرم المهندسة الحاصلة على المركز الأول في التميز الحكومي بالجمهورية    إكرامى الشحات: الأهلى يواصل دعم رمضان صبحى في قضية المنشطات أيضا    نائب وزير الصحة فى بنى سويف: توحيد الرسائل السكانية نحو ولادة طبيعية آمنة    ظهور مميز ل شيكو في «فخر الدلتا» بطولة أحمد رمزي رمضان 2026    وزارة الخارجية تتابع أوضاع المصريين على متن سفينة بحرية فى إيران    استشهاد شاب فلسطيني برصاص الاحتلال الإسرائيلي في بيت لحم    تمهيدًا لانتقاله إلى الأهلي.. بتروجت يودع هادي رياض    ضبط سائق نقل بعد اصطدامه بسيارة وفراره من موقع الحادث    وزير المالية: سعيد بتكريم مبادرة المراكز اللوجستية    اتحاد الكرة يعلن عدم اعتماد نتائج القسم الرابع    رياح مثيرة للأتربة تضعف الرؤية لأقل من 1000 متر.. الأرصاد تحذر من طقس غدا    وزارة الأوقاف تحدد موضوع خطبة الجمعة القادمة بعنوان تضحيات لا تنسى    وزارة الأوقاف تعتمد ضوابط تنظيم الاعتكاف بالمساجد فى شهر رمضان    كشف ملابسات مشاجرة بالأسلحة النارية والبيضاء في الخانكة    بالأسماء، قرار جمهوري جديد بتعيين 357 مندوبا مساعدا بهيئة قضايا الدولة    تحت إشراف تضامن أسوان.. توزّيع 850 كيلو لحوم على الأسر الأولى بالرعاية بالمحافظه    رانيا أحمد تشارك في معرض القاهرة للكتاب ب "حكاية شفتشي"    السعودية تؤكد عدم السماح باستخدام أجوائها أو أراضيها في عمليات عسكرية ضد إيران    بدء وصول المتسابقين المشاركين فى مسابقة بورسعيد الدولية إلى مطار القاهرة    محافظ قنا يبحث مع القيادات التنفيذية سبل تسريع تقنين وضع اليد    طلب إحاطة في النواب لسد الفجوة بين التعليم وسوق العمل والحد من بطالة الخريجين    الرئيس الكولومبي يدعو واشنطن لإعادة مادورو إلى فنزويلا: يجب أن يُحاكم أمام قضاء بلاده    موعد صلاة العصر اليوم الأربعاء 28يناير 2026 بتوقيت المنيا    استمرار الإقبال على معرض القاهرة للكتاب في يومه السابع    أوقاف الشرقية تُجري اختبارات لاختيار أئمة التراويح والتهجد لشهر رمضان    محافظ أسيوط يشهد احتفالية ثقافية وفنية بمناسبة عيد الشرطة وذكرى ثورة 25 يناير    سعر الأرز الأبيض والشعير اليوم الأربعاء 28يناير 2026 فى محال المنيا    فخ الصلح، اعترافات صادمة للمتهم بالشروع في قتل "عريس الشرابية"    الرياضة: إجراءات حاسمة في واقعة وفاة لاعب السباحة يوسف محمد    نتيجة الشهادة الإعدادية في المنيا ترم أول 2026، أولياء الأمور ينتظرون الإعلان الرسمي    كفر الشيخ: توقف حركة الملاحة والصيد بميناء البرلس وسواحل المحافظة الشمالية لسوء الأحوال الجوية    كيف يتعامل مرضى الحساسية مع التقلبات الجوية؟.. «المصل واللقاح» يوضح    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أنيس منصور...أحب الفلسفة وتزوج الصحافة
نشر في الأهرام اليومي يوم 22 - 10 - 2011

لم يكن أنيس منصور كاتبا عاديا‏,‏ ولم يكن إنسانا عاديا ولا صديقا عاديا‏..‏ بقدر ما أحب الناس كتاباته بقدر ما أثارت من الجدل والنقاش‏..‏ وبقدر ما عاش حياته كإنسان عادي بقدر ما حرك الكثير من المياه في بحيرات راكدة‏.. أما أنيس منصور الإنسان فقد جمع في شخصيته كل متناقضات الفنان بما فيها من الدهشة والتساؤل والقلق.كان أنيس منصور من قلة قليلة جدا من الكتاب الذين جمعوا رصيدا غير مسبوق من القراء.. امتدت رحلته في أكثر من مكان وأكثر من جريدة ومجلة وبقي فيها جميعا يحتل الصدارة دون منافس في بساطة أسلوبه وتنوع كتاباته ومواقفه التي اختلف الناس عليها أو اتفقوا ولكنها كانت دائما تحمل الجديد المثير والمبهر.
برغم علاقته الوطيدة بالأستاذ العقاد إلا أنه اختلف تماما عنه في الأسلوب وطريقة التفكير والاقتراب الشديد من الناس اختار العقاد استاذه ان يعيش في برج عاجي يتحدث من خلاله إلا أن أنيس منصور اختار أن يجلس في الشارع بين البسطاء والفقراء والمهمشين.. كان اسلوب العقاد غاية في العمق والرصانة وجاء أسلوب أنيس منصور ليكون نسمة باردة في صحراء قاسية.. وبدأ أنيس منصور حياته في رحاب الفلسفة وانتهت به الرحلة في شوارع الفن..
وبقدر ما أحب العقاد بقدر انبهاره بطه حسين برغم الخلاف الشديد بين العقاد وطه حسين.. كان أنيس معجبا بطه حسين الدور والمكانة ومبهورا بالعقاد العقل والفيسلوف.. واختار أنيس بينهما زمنا طويلا وان بقي علي تقديره للاثنين وان كان إلي العقاد أكثر انتماء وولاء وسكنا.
تنوعت كتابات أنيس منصور وان بقي فارس العمود الصحفي الذي احتل المقدمة دائما في كل موقع كتب فيه.. في عمود أنيس مواقف ظهرت كل قدرات الكاتب المتميز في اسلوبه وعرضه وقضاياه.. كان من الممكن أن تجد في عمود أنيس منصور نسمة جميلة عابرة وربما تجد قضية أقرب للكارثة.
ومع الصحافة في عصرها الذهبي عاش أنيس منصور أزهي مراحل تألقه كصحفي من طراز رفيع.. في مجلة الجيل وآخر ساعة وآخر أبنائه مجلة أكتوبر.. وكان أنيس منصور قادرا علي أن يكتب مجلة كاملة ابتداء بالقصص والنوادر وانتهاء بالأزياء..
وبعيدا عن ساحة صاحبة الجلالة عاش أنيس منصور عاشقا للسفر.. والغريب أنه لم يشعر يوما أنه ضاق من السفر.. كان علي سفر دائم وكانت حياته رحلة امتدت بين قارات العالم شرقا وغربا.. وكان كتابه حول العالم في200 يوم أشهر كتب الرحلات في الأدب العربي المعاصر وقد طبع هذا الكتاب عشرات الطبعات.
وكانت قصص أنيس منصور ذات أسلوب وطابع خاص وكانت لديه طريقة خاصة في رسم شخصياته فلم يكن يعبأ كثيرا برسم الأحداث ولكن كان أكثر إهتماما برسم الأحداث, ولكن كان أكثر اهتماما برسم نزعات البشر الذين لم يكن يثق فيهم كثيرا..
وكان أنيس مترجما بارعا واستطاع أن يقدم أعمالا مسرحية كثيرة لدورنمات وسارتر وان كان الأخير قد ترك بصمة عميقة في مشوار أنيس في فترة من حياته مع الفلسفة الوجودية.
كان من الممكن أن يكون أنيس منصور صاحب نظرية فلسفية عندما تتلمذ علي يد د.عبدالرحمن بدوي ثم سارتر وقبلهما عباس العقاد ولكن أنيس اختار أن يعيش بين الناس وان بقيت الفلسفة مزارا عزيزا لديه..
لم يكن أنيس منصور يحب الصحافة ولا أعتقد أنه تمني يوما أن يحشر مع فرسان صاحبة الجلالة فقد أحب الفلسفة وتمني يوم أن يكون فيلسوفا واختار أن يكون فيلسوف الصحافة لقد أحب الفلسفة وتزوج الصحافة.
عاش أنيس منصور مع جيل الرواد في العمل الصحفي محمد التابعي وعلي أمين ومصطفي أمين ومحمد حسنين هيكل وجلال الدين الحمامصي وشارك معهم في صياغة أزهي عصور الصحافة المصرية..
وفي بلاط السياسة عاش أنيس منصور فترة طويلة من الخوف والقلق والانتصار.. لم تكن تجربته مع الزعيم الراحل جمال عبدالناصر كما أحب.. وان اقترب كثيرا من الرئيس السادات وأصبح من أقرب الكتاب إليه, خاصة في أهم أحداث حياته وهو انتصار أكتوبر واتفاقية السلام مع إسرائيل واعتقد أن أنيس كتب كل هذه الأحداث في مذكراته.
وفي تقديري أن رحلة أنيس منصور مع السلطة في ظل الرئيس السادات كانت من أزهي وأجمل فترات حياته الشخصية فقد استمتع فيها برحلته مع السادات الذي أحبه كثيرا..
لم يكن أنيس منصور إنسانا عاديا في حياته فقد تأثر كثيرا برحلته مع الحياة ومع الناس وأن بقي طوال الوقت مشغولا ومهموما بشيء واحد هو أنيس منصور نفسه.. لم ينجب أبناء برغم حبه المجنون وعشقه للأطفال وكانت ثقته بالناس قليلة وقليلا ما كان يصدقهم..
كان أنيس إنسانا حزينا برغم كل الضحكات التي كان يطلقها من حوله وقد أخذ الكثير من حزن كامل الشناوي والكثير أيضا من قفشاته وسخريته..
عرفت أنيس سنوات طويلة وكان دائما ودودا مجاملا مع اصدقائه وكانت معارفه كثيرة جدا وما أقل صداقاته الحقيقية.. وكانت حكايات أنيس منصور تملأ أي مكان يجلس فيه.. وكان دائما بشوشا ضاحكا حتي في أشد مراحل حياته ألما.. لقد تألم كثيرا في رحلته مع المرض في السنوات الأخيرة وظل حتي آخر لحظة يمسك بالقلم ومات هو يكتب..
سوف افتقد أنيس منصور صديق العمر الجميل ووحدا من جيل عظيم أعطي لهذا الوطن بريقا وجلالا واعطي لصحافة مصر الدور والريادة..
أطول سطر في الصحافة العربية
سهير حلمي
الدمع يفيض وزفرات الحزن تتعاظم.. كل شيء متشح بالسواد..حمل الناعي نبأ الفاجعة... آه من لوعة الأسي والفراق.. صانع المسرات من له من اسمه نصيب. لا أصدق أن جسدك الآن مسجي في لون النقاء.
هكذا أنت دائما علي عهدك يا أستاذ صادق الحدس عميق الرؤية.. صاحب دمع دفين لاتخفي سرائره عن محبيه.. آثرت أن تنعي نفسك في مقالك يوم الخميس الماضي.
شاهدتك صباح الأحد وقد انسحب الضياء من وجهك وبدا كل شيء خاليا من المعني لكنني منيت النفس بأنك ستتعافي وستقاوم بإرادتك الصلبة طائر الموت الذي كان يحلق في المكان ويغلفه برائحة صمت كئيب.. نعيت نفسك وآثرت ان تستمر تكتب حتي آخر العمر ايمانا منك بان الاشجار تموت واقفة.. وكنت جميزة مصر التي استظل بظلها الكبار والصغار علي الدوام وفي آخر عمرها كان تجود بأطيب الثمار.. آمنت بان نور العلم وضاء يغني النفس ويجعل الانسان سيد نفسه.. فالعالم وصاحب المعرفة والخبرة( عراف) يسبر أعماق الحياة, وزرقاء يمامة يستشرف الغد. تلميذ العمالقة من ورث العلم كابرا عن كابر( العقاد وطه حسين والمازني لويس عوض ومحمود تيمور) كنت متعة للآذان وراحة للعقل وواحة للفكر وواحدا من أبرز أدباء ومفكري مصر في القرن العشرين.. علمتني ان ادحر الصعاب وحين تعرفت عليك كنت نبتة صغيرة لاتلفت العين لكنك لم تستصغرها, وبأبوة واستاذية مفرطة وجهت وارشدت ثم نظرت ما ستصير إليه.. عهدناك دوما فياضا سلسلا رقراقا في كتاباتك.. بيانك دائما ملك بنانك.. لايستعصي عليك أمر.. لم ترتد يوما الا ثياب الناس.. لذلك سميتك( فيلسوف البسطاء) إذا كان في القوم وليس اميرهم كان كأنه اميرهم واذا كان اميرهم كان كأنه رجل منهم.. كان لك قلب شاعر تتراءي فيه الكائنات جميعا.. واذا أعوزتك السعادة فتشت عنها بداخلك, علمتنا ان الشخص يفني والمبدأ باق. والاديب يموت ولكن أدبه لا ينمحي.
كاتب المقال والقصة القصيرة والمسرحية.. جاءت النهاية في اثرها المركز وحسمها مثل الرصاصة التي تطلق من علي بعد قليل فتصيب الهدف في مسرحيات الفصل الواحد.. صاحب النكات والقفشات والمقالب الطريفة والأساطير والقصص وحكايات الشعوب وموضوعات الساعة وأخبار العالم وقصص التراث العربي والاصفهاني والجاحظ وابن طفيل.. ستظل كتاباتك إلي أمد طويل كنزا من الأفكار الفلسفية المبسطة التي تفسر العديد من تعقيدات الحياة وجوانبها الانسانية.. تخففت من الفلسفة وكنت أكثر سخاء في كتاباتك وسيرتك الذاتية التي تحمل طبيعة( الاعترافات) بصورة لم تتكرر كثيرا في أدبنا العربي عمقت موهبتك وزرعتها في أرض خصبة, أرض الصحافة اليومية المتجددة.. لكنك كنت تبذر أحيانا في ميادين شتي علي أوسع نطاق.. سريع الخاطر حاد الذكاء.. شديد البساطة, من كان يعتقد ان البلاغة هي تسامي الفكرة في الثوب البسيط كنت مثل مانعة الصواعق التي لاتسلمنا لليأس وتحمينا من الاحباط. لم نشهد لك سنوات عجاف.. ولكنك كنت أطول سطر في الصحافة العربية.
سألتك لماذا تعيد بعض المعاني, وتكرر بعضها في الكثير من كتاباتك أجبتني ان الحياة قائمة علي التكرار, فأوراق الاشجار متشابهة والفنان أو المفكر مثل البلبل لديه لحن واحد لكنه يعزفه بنغمات مختلفة. وكذلك المفكر وقلت انك تستحضر المعني من زوايا مختلفة.. والأديب في كل مرة يكتب يضيف إلي الفكرة ويطورها ولو بصورة طفيفة.. فالفنان لايقول كلمته ويمضي ولكنه دائما مايعود إليها ويروض أسلوبه ليحتفظ بحيوية العبارة والمعني وكنت دوما متوهجا.. نافذا.. تنتسب لمدرسة التعبيريين في الفن علي حد قولك, فانت تعبر بالنقاط المتجاورة والمنمنمات.. فجملك قصيرة.. ومعظمها يتحول لعبارات مأثورة لاتنسي.. علمتنا ان روح الأشياء تكمن في الصمت احيانا, وقد يكون ارفع انواع الحكمة.. فأصحاب الرسالات لابد ان يعتزلوا الناس بعض الوقت ليروا الدنيا من بعيد إنها( العزلة الملهمة) أستاذي الجليل عشت حياة طويلة وعمرا مديدا.. شاء الله أن تموت مصدورا انه كعب اخيل او نقطة ضعفك وسبحان الله فقد عشت تخشي الانفلونزا والزكام منذ نعومة أظافرك وتتحاشاهما ولكن المرء يدبر والقضاء ماض في شأنه يسلبنا آخر اعمدة الصحافة العربية وأغزرها انتاجا وفكرا.. استاذي لو كنت اعلم آخر عهدكم.. يوم الرحيل لفعلت ما لم افعل ولسألت ما لم أسأل.. صاحب الأرق والقلق.. كنا ننام ملء جفوننا.. وكنا نياما حينما كنت ساهدا.. فاسهدتنا حزنا وامسيت غافيا.. الموسوعي.. الذي اختصني بارشيف صوره الخاص منذ صدور كتاب( فيلسوف البسطاء) الذي شرفت بتحريره واصدره الكاتب الكبير لبيب السباعي حينما كان رئيسا لتحرير مجلة الشباب ونعتك بانك( الاستاذ الموسوعة) احببت الأهرام دوما وعلمتنا أنها الصرح العملاق في الصحافة العربية فكان عمودك مواقف أطول عمود يومي في الصحافة اليومية والعربية لمدة53 عاما بلا إنقطاع سألتك لماذا قلت:
لقد دفنت نفسي في قبور انيقة اشتريتها من مكتبات العالم فهل لديك تصور لعبارة ساخرة تتخيلها علي قبرك؟
أجبت: اذا قررت وضع لافتة مكتوبة علي قبري فلن اكتب إلا هذه العبارة( عاش كذا سنة...( الله اعلم). ولم ينم إلا ليلة واحدة ولن أزيد علي ذلك فلا قيمة لاي شيء يكتب بعد وفاتي.. عظماء الدنيا ماتوا ولايتذكرهم الناس إلا قليلا فالأديب الفرانسي رابليه حينما كان يحتضر قال( انزلوا الستائر لقد انتهت المهزلة).. فلتكتبي انت ما تشاءين.. او يكتب من يريد فالموت راحة من كل شرور الدنيا... فهو نهاية سطر..تغمدك الله برحمته ومغفرته.. ستظل دائما في قلوبنا وعقولنا.. لن ننساك أبدا.
أصداء السيرة الذاتية
السيرة الذاتية لأنيس منصور هي سلسلة من التأويلات متداخلة الحلقات في جميع مراحل حياته, فقد كان دائم الاستدعاء لدعوة الإمام الغزالي( اللهم هبني ايمان العوام) أي ان يريحه الله من نفسه وعلامات استفهامها التي لاتنتهي.. والصوفيون يقولون( الأحوال مواهب.. والمقامات مكاسب) فمقام الصالحين يصل إليه الانسان بعمله الصالح وصومه وصلاته وتسبيحه وذكره... أما الأحوال المواهب.. فيقصد بها حالة الوجد التي لايصل إليها المريد إلا بعد ايمان عميق فتكون هبة من الله.. أنيس منصور في سيرته دائم البحث والرصد عن لحظات الوجد والايمان والالهام بمذهب أو قدوة أو شخصية أو قصة أو فكرة أو أغنية أو أي حيثية يؤمن بها ويتوحد معها في سيرة حياته وأدبه وفنه, فلا سعادة تكتمل دون البحث عن جذورها, والبحث عن السعادة يفضي إلي سرابها في بعض الأحيان.
كتب أنيس منصور سيرته الذاتية أو أروع أعماله الادبية بصورة تضاهي الاعمال الادبية العالمية في عدة كتب, أهمها: البقية في حياتي, وعاشوا في حياتي, وفي صالون العقاد.. كانت لنا أيام.. وإلا قليلا.. شلالات عديدة ساهمت في تكوين الوعي واللاوعي وتشكيل وجدانه تمثلت في النزعة الدينية المتأصلة ومشاعر الخوف والأرق والاغتراب والعزلة وحب الوالدين المفرط وحب الشعر والادب وحفظ القرآن والاحاديث والنوادر والحكايات والمغامرات الغنائية والغجرية.. وحكمة بسطاء الريفيين الفطرية.. وبعض المغامرات العاطفية وتلك السماحة الدينية واختلاط الاجناس والثقافات واستقطار لب الحياة وجمالها من تلال القبح والقسوة من خضم هذا الزخم الاجتماعي والنفسي والادبي والديني.. خرج أنيس منصور( مواليد1924) وأشهر أبناء الدقهلية ليظل الاول دائما علي مستوي القطر المصري في الابتدائية والتوجيهية عام..1943 وليسانس الآداب قسم الفلسفة مع مرتبة الشرف الاولي عام1947, انها قصة كفاح ونبوغ وندرة.. لذا كانت ساخنة شيقة وشائكة.. بدأت في أبي حمص مرورا بالقاهرة وحول العالم وانتهت في القاهرة ايضا.
الموسوعية في كتاباته
أنيس منصور بمعدل السنين حالة فريدة من الاستمرارية والشعبية والتألق في الصحافة العربية بلا منازع.. واذا كانت البلاغة كما يصفها العرب هي مراعاة مقتضي الحال فقد كان أنيس منصور يفضل ان ينطلق مقاله في ايحاء وايجاز وفقا لهذه المعطيات من بؤرة الذكريات المثقلة بثقافة عميقة متنوعة ينتقي منها أصفي معانيها وأسلسها هضما.. أو من خواطره اللامعة,.يغلفها بغلالة ذاتية أنيقة فنتيجة لاتساع أفقه واطلاعه ونزعته الفلسفية وموسوعيته المتفردة التي شهد بها د. طه حسين فوصفه بأنه أشهر قارئ في العالم العربي, فكان لايتوقف كثيرا في اختيار موضوع المقال ولكن العبرة بالأسلوب والتناول, فكتابة المقال من وجهة نظره صناعة يجب ان يظهر منها الاتقان ويختفي فيها سر الصنعة.
كان اسمه هو المرادف العملي للانترنت منذ خمسين عاما وهو جدير بحقوق الملكية الفكرية, فهو رائد الموسوعية في الصحافة العربية في النصف الثاني من القرن العشرين وهو من أنبغ تلاميذ مدرسة العقاد الموسوعية وهو من نشطاء مدرسة الشك يحيي الأفكار من خلالها وتدويرها وتأملها, وهو يؤمن بأن اي فكرة لاتساوي شيئا ما لم تقدم البرهان علي صحتها.. إلا قليلا.. هو مبدؤه العام الذي يكيل به أفكاره. وهو يري ان اعظم تحية يمكن ان يسعد بها كاتب هو ان يشعر كل قارئ بأنه يقصده بما يكتبه وبذلك تكون الكتابة رسالة عامة وخاصة في نفس الوقت.
اتسمت كتاباته بالاستعارة بصورة جلية والتشبيهات الجميلة التي اكسبتها صفة انسانية لاتنتهي ومجموع مقالاته يشكل مأدبة عامرة تتسابق اليها الأيدي, وصفه الاديب الكبير إحسان عبدالقدوس بأنه خليط من سارتر والعقاد وتوفيق الحكيم وطه حسين اما هو فكان يقول: من أراد ان ينظر إلي فلينظر إلي بعيني إلي عيني يحاسبني بقولي علي قولي ويستخدم موازيني في وزني.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.