لن أخبرك بكل شيء. فلا شيء يحدث فعليًا. فأنا أمثل، رغم كل شيء، المدرسة الأوربية الشرقية للتعقل: نحن لا نناقش حالات الطلاق، ولا نستسلم للاكتئاب. وهكذا تمر الحياة في هدوء علي جميع الأصعدة؛ خلف النافذة، السماء رمادية والطقس دافئ باستثناء في ديسمبر. قليل من الحفلات الموسيقية. مطرب شاب مذهل يغني منذ فترة وجيزة في نادي المحامين. والليلة الماضية، كان هناك حفل موسيقي رائع يقدم موسيقي دميتري شوستاكوفيتش (كذلك عزفوا مقطوعة وترية أهداها له كاتب سيرته كريزيستوف ماير). عزفوا، ضمن أشياء أخري، مقطوعة بعنوان "سبع رومانسيات" مستوحاة من قصائد ألكساندر بلوك، مقطوعة لم أعرفها مسبقًا. وكان العازفون من طلاب الأكاديمية الموسيقية يتسمون بالحماس بالإضافة للتكنيك الرائع. أما العمل النهائي، المجموعة التي سبق وأشرت لها، تركت تأثيرًا مذهلًا علي M وعليّ. كان الحفل احتفاء بذكري الميلاد المائة للمؤلف الموسيقي، ولذلك اتسم بشيء إضافي، شحنة إضافية، فلقد أشعل الطلاب الشموع علي خشبة المسرح ولم يتم الإبقاء سوي علي عدد محدود من كشافات الإضاءة. وبدا أنهم علي درجة استثنائية من التركيز. وهكذا هي الحال مع الموسيقيين الشباب الذين لم يفسدهم الروتين الوظيفي، فالموسيقيون الشباب يعزفون باستمتاع، يعزفون بكامل أجسادهم وأرواحهم.
البهجة التي أشعر بها تقريبًا كل مرة أجدها في ميدان كراكاو الرئيسي، بغض النظر عن الموسم أو الوقت من اليوم، فأنا أشعر بالذهول من فخامة المكان، طبقات الأبنية التكعيبية الغريبة، التداخل بين التناسق واللا تناسق، المرح الإيطالي في (قاعة كلوث) والرصانة القوطية لكاتدرائية ماريان، التي بدت كما لو كانت بناية عملاقة.
في صحف اليوم: اشترت مكتبة الدولة في وارسو أرشيف زبيجنيوف هربرت بدعم حكومي، بملايين الدولارات. في الولاياتالمتحدة، من الحق المكتبة والكاتب (أو ورثته) أن يتفاوضوا علي مثل تلك المسائل، لكن هنا يكون الأمر محل جدل عام محتدم. بداية، سارعت مكتبة بينيكي في نيو هيفين لشراء مكتبة هربرت، لكن مجموعة من كتاب اليمين أطلقوا التحذيرات، محتجين (ليس بتجرد تام، كما بدا لي) ضد "استيلاء الأجانب علي تراث شاعر عظيم"، واستمر ذلك حتي وافقت الحكومة اليمينية علي التدخل لشراء المكتبة. زبيجنيوف هربرت، الرجل الحر والشاعر المذهل، أصبح موضوعًا للمساومة السياسية. أقرأ الآن مقال مايكل هوفمان عن جوتفريد بين شاعرًا. وفي الوقت نفسه، كانت صحيفة وارسو للأدب في العالم، قد نشرت توًا مختارات موسعة لقصائد بين، ورسائله ومقالاته، في عدد تم إهداؤه له ولبريخت، فكلاهما مات في 1956، وهكذا جمعتهما القاعدة التهكمية لذكري الميلاد بعد موتهما بخمسين عامًا، كشاعرين لم يشتركا في أي شيء آخر غير ذكري موتهما. سخر بين من تطبيق النظرية الماركسية علي الأدب، وذلك في مرحلة سابقة، خلال سنوات وصول هتلر للسلطة، وبسبب موقفه هذا تم عزله كيساري من مجال الأدب ببرلين. كان شغوفًا جامحا بالجمال محاصرا بالمصلحين المذهبيين للبشر. ومن حين لآخر، كنت أعاود الاطلاع علي قصائد بين، وكثيرا ما وجدتها مشحونة وموترة، بالإضافة لبعض المقاطع في مقالاته وتقريبًا جميع رسائله للسيد أويزل، وهو تاجر من بريمن. كانت الرسائل مرتجلة، تهكمية نوعًا ما، وعادة ما تتخللها لحظات تنوير من الشعر النقي. بين، البرجوازي الفقير بامتياز، يعيش حياة متواضعة لحرفي (كان طبيبًا، وكاتبًا مسرحيًا، لكنه لم يكن مطلقًا متأنقًا ولا ناجحًا ماليًا)، أبدي إعجابًا ب"أويزل"، والذي يراه مثلًا وفخرًا بانتمائه لمستوي اجتماعي أرفع حقيقة مما لأويزل في الواقع، فلقد أصبح المنتفع من أفكار ونوبات غضب وملاحظات بين.
أقرأ الآن كتابًا ضخمًا لكارل كورينو يتناول سيرة روبرت موزيل، مؤلف "اعترافات تورليس الصغيرة" و"رجل بلا صفات"، والذي كتب خطبة رائعة عن موت ريلكه، وكان من أوائل من قدروا عظمته كشاعر. ووجدت في الكتاب نفسه نص الخطبة التراجي-كوميدي التي قدمها في مؤتمر 1935 تحت عنوان "دفاعًا عن الثقافة في باريس". ولم يكن لديه دليل علي أن المؤتمر تمّ تنظيمه من قبل الشيوعيين، وأنه فقط من المسموح انتقاد نظام هتلر فقط، وليس الاتحاد السوفيتي. لكن موزيل دافع عن الفردانية الفنية، وحذّر من النمو الجمعي في العديد من الدول الأوربية. وكذلك أصر علي أنه لا رابط بين الثقافة والتوجهات السياسية؛ فجوهر الثقافة ينطوي علي شيء ما هش، نزوي، غير قابل للتوقع، وحتي النظام السياسي المحترم لن يرغب بالضرورة في إنتاج فن عظيم. وقوبل بالاستهجان من مجموعات ضمن حضور هذا المؤتمر الكبير، والذين توقعوا بيانات دعائية، لا تقيم اعتبارًا للتأملات الموضوعية. وكان لدي كورينو الكثير لقوله عن الفقر الذي عاشه موزيل، لدرجة أن الكاتب فكر في الانتحار وهو في الثلاثينيات، وذلك في لحظات لم يلمح خلالها بارقة أمل مادي له أو لزوجه. وتعرض للهجوم من النازيين والشيوعيين سواء بسواء، ولابد أن عنوان روايته "رجل بلا صفات" قد أغضب كليهما، خاصة أن كلتا المجموعتين كانتا تعملان لخلق نوع جديد من البشر يتمتع بصفات واضحة التحديد. وكان لكليهما "ممثل لعصر البرجوازية المنحطة." (ومؤخرًا تمّ إدراك أن هذا العصر لم ينحط أبدًا، أو ربما انحطّ لكنه عاود النهوض) لكن موزيل قضي سنواته الأخيرة في المنفي بسويسرا، حيث عاش في وضاعة أكثر مما قبل، وعاني الفقر والعزلة. وكان توماس مان شخصية مهمة بالنسبة له؛ فلقد شعر موزيل بمزيج من الحب ذ الكراهية تجاهه. ولم يعرف توماس مان سوي النجاح، حتي هجرته لم تكن كارثية. وخلال إحدي المناقشات، ارتعش موزيل بعصبية عند مجرد الإشارة لاسم مان. وقدم موزيل تعريف مذهلًا لرواية "الجبل السحري" لتوماس مان: العمل بمثابة "معدة قرش". وقصد بهذا أن رواية مان العظيمة تحمل بداخلها جميع أنواع البقايا غير المهضومة للأنظمة الأوربية الموجودة فعليًا من أفكار ورؤي وغيرها. واتبعت رواية موزيل "رجل بلا صفات" قواعد مختلفة تمام الاختلاف: فهنا كل الإشارات للوقائع السياسية والفلسفية تأخذ سمة غير مباشرة تلميحية باطنية. وكان موزيل منجذبًا لدلالة الاحتمال؛ لأي شيء من الممكن أن يحدث فقط في نوبة الغضب المقيدة. ويظل السؤال مطروحًا، فبرغم ذلك، ربما كان مان محقًا في تضمين روايته الجبل السحري قدرًا كبيرًا من شذرات أفكار واقعية.