يشترك عبد الخالق المسيري بطل "زهر الليمون" لعلاء الديب مع عبد العزيز بطل "أيام الإنسان السبعة" لعبد الحكيم قاسم، مع بطل رواية "قالت ضحي" لبهاء طاهر في كونهم أهم الشخصيات الروائية التي رسخت في وجداني، فالثلاثة يلتقون في منطقة الاغتراب والشجن والحزن، والشعور بالانهزام، وتجمعهم مرحلة زمنية متقاربة، وثمة عذوبة في التناول توافرت لثلاثة من كتاب جيل الستينيات في الرواية المصرية، نجحوا في مزج العام بالخاص بصدق وبلا فجاجة. بانتقاله إلي السويس، والعمل في مكتبة قصر الثقافة، والإقامة في حجرة علي سطح بيت قديم، في عزلة بديلة عن الموت أو الجنون، ظن عبد الخالق المسيري أنه دخل شرنقته, وابتعد عن القاهرة، وهرب من الماضي، لكنه في الواقع لم يستطع الهروب من ماض ينكشُ نفسه بنفسه، ويفرض صحبته بلا استئذان. لا أذكر عدد المرات التي قرأت فيها زهر الليمون، ولا عدد الساعات التي أمضيتها مع أصدقاء من جيلي في استعادة هذه الرواية، لكننا كنا نبدأ وننتهي علي اتفاق، أن زهر الليمون أغنية حزينة، وأن عبد الخالق المسيري نبي بلا أتباع، يئس، وقرر الاعتزال، لكنه يحمل علي كاهله تاريخه الشيوعي القديم الذي لم يعد له قيمة، بعد أن كان عالما سحريا وغريبا، العمال فيه أبطال يحملون أحلاما ومآسي، ويتحركون في الفجر خارجين من مصانعهم وسط ضباب ودخان، والمثقفون يتكلمون كلمات قليلة حسنة التركيب، عميقة الدلالة، تلامس واقع الحياة وتمتلكه وتُعليه، كلمات كأنها طقوس ديانة جديدة يمارسها في الخفاء، أشعرته برضا وتفوق كأنه يمتلك مفاتيح المستقبل، لكن أباه يخبره صراحة أنه لا يريد أن يجري وراءه في السجون، فأوراق كهذه نيران في بيته، ليس وراءها سوي الخراب، وعليه أن يلتفت لنفسه ولحياته حتي لا يهدم كل ما بناه الأب، وبالفعل يعتقل عبد الخالق مع رفاقه ويظل بالمعتقل أربع سنوات. كما تناوشه ذكريات أخري موجعة لعلاقة حب نادرة، مع رفيقته مني المصري التي تعرفت إليه بعد خروجه من المعتقل، جابا خلالها ربوع مصر لجمع الأغاني الشعبية، وأسفرت هذه العلاقة عن زواج استمر لفترة قصيرة، بعده هجرته مني المصري، وخرجت من حياته حين وجدت أن كل شيء يغوص، وهو واقف كفأر في مصيدة، وأنهت إجراءات الهجرة ولحقت بأخيها وديع في كندا، وهناك تزوجت وأنجبت أولادا، ثم ترسل إليه خطابات علي عنوان صديقه فتحي نور الدين، فيتحسر حين يراها في الصورة، ويتساءل كم تبدو المسافات بعيدة، وتلك التلال الخضراء التي تبدو خلفها في الصورة، هل شاهدها قبل ذلك في فيلم، ثم يدقق في ملامح مني، ويضع الصور في المظروف ويناولها لفريال زوجة فتحي التي تنظر إليه ولم يقل شيئا، مني المصري لم تهجره، بل هجرته الحياة، كانت مني تقول له إنه مركز الحياة، فيما ثبت بعد ذلك أنها هي التي كانت مركز حياته، قالت مني: لنكن عمليين، نحن نغوص، ونغرق، وأنا أريد بيتا وأولادا، وهنا لن يكون لي بيت ولا أولاد. هجرته مني، فصار وحيدا، يدور في الشوارع وبيوت الأصدقاء والمعارف، يسكر ويضيع وينام في أي مكان، يمضي النهار نائما، والظهر في مقهي، يمضغ الصداع والأسبرين، ويتجنب الأصدقاء المقربين ولا يقترب من بيت الأسرة، يغوص وحيدا، ذقنه غير حليق، ورأسه مشتعل بالقسوة والدمار، وظل هائما علي وجهه من مقهي إلي مقهي، حتي اعتبره المثقفون مخبرا، وتكررت المشاجرات والطرد. ولا تذكر الرواية أي المشاكل علي وجه التحديد التي أدت لدخول عبد الخالق المسيري الشاعر الرقيق صاحب الروح الهشة في هذه العزلة، الاعتقال، أم هجر الحبيبة، أم محاكمات الرفاق وخلافاتهم، أم البيت الذي لم يكتمل، أم الوطن الذي تلقي النكسة، فقد كان عبد الخالق المسيري حتي هذه اللحظة مفعما بالأمل، ورغم تجربة الاعتقال المريرة التي استمرت أربع سنوات، كان للبيت قيمة في رأسه، فالتقي بمني المصري وتزوجها، ورغم هزيمة يونيو، كان للوطن في رأسه قيمة ومعني وصورة متخيلة، وطن به فلاحون يعملون في حقل، وعمال يخرجون من مصنع، وأسطوات يعملون في ورش تقع في حارات نظيفة، وتلاميذ ينتظمون في صفوف دراسية، هذه الصورة التي لم يعد يراها، وصار يري بدلا منها فوضي وخرابات وأكواما من زبالة فيها عمارات شعبية، هذه التراكيب الجديدة المشوهة، والفوضي التي لا اسم لها، ليست فقرا وليست تخلفا، لكنها حالة مرضية تسلبه الهوية والشعور بالانتماء. بداية الشرخ كانت في أواخر عهد عبد الناصر، حين وضع الشيوعيين في السجون لأنهم يرون أن القناع لا يخفي الأنياب، وقشور الاشتراكية التي تبناها ليست إلا برقعا عربيا مزخرفا تتستر وراءه انتهازية شمطاء، بما يعني أن في السلطة قوتين، وفي القاعدة تحالفا مستحيلا، وبالرغم من هذا الشرخ، كان عبد الخالق لا يزال فاعلا، يمارس حياته، فقد تزوج بمني المصري بعد قصة حب كبيرة ونادرة، لكن الشرخ اتسع، وصار غير قابل للالتئام بموت عبد الناصر ومجيء السادات بتحولاته الحادة، وتخليه عن قشور الاشتراكية إلي الرأسمالية، ومحاربته لليسار، وصعود التيارات الدينية المتشددة، وإجراءاته الاقتصادية التي غيرت وجه الحياة في مصر للأسوأ، فأتت علي البقية الباقية من حلم عبد الخالق المسيري، وجعلته يمشي حاملا يأسه معه في سير طويل بلا اتجاه كأنه قاصد قلب الغربة والفراغ، حتي صار غريبا، كل ما يحيط به غريب ومفاجئ، لا يعرفه، وصار عجوزا لا يحق له أن يبدأ من جديد. تنتاب عبد الخالق المسيري مشاعر محايدة حين يلتقي به زميله العائد من السعودية مصطفي الكردي، ولا يجد سوي الصمت عندما يظهر افتتانه بكل ما رآه في السعودية، ولما أحس مصطفي بالصمت، عاد وقال إن مصر في أحسن حال، وما ينقصها هو بعض الحرية والتجارة والأعمال والقضاء علي الروتين وميراث التخلف والفقر وآثار سنوات الارتباك والعك، فابتسم عبد الخالق ابتسامة بلا معني، فعاد مصطفي لينكأ الجرح بلجاجة وربما دون أن يقصد: "وأنت يا عبد الخالق.. أحوالك عاملة إيه؟ مفيش حاجة جديدة؟ أخرج يا أخي بقي من الشرنقة بتاعتك دي.. سافر أو اتحرك شوية.. حرام عليك.. العمر بيضيع.. وانت راجل كلك مواهب" لكن عبد الخالق كان قد انزلق إلي شرنقته، واستسلم لعزلته واغترابه، في حجرته علي سطح بيت من بيوت السويس، يعمل في مكتبة لا يرتادها أحد، مستبعد من اللقاءات المباشرة والمناسبات بسبب ماضيه الشيوعي، حتي جفت روحه وغطاه الملل كما يغطي التراب رفوف كتبه وأوراقه القديمة، لا يغادر يغادرها ولم تغادره، يزور فيها صديقه ورفيق الاعتقال فتحي نور الدين، الشيوعي البسيط الذي أحب عبد الناصر ورآه صعيديا وشهما، لكنه وقف في المعتقل عاجزا غير مصدق أن يكون عبد الناصر هو الذي أمر بوضعه في السجن، وهو الذي أمر الضباط بالضرب والتعذيب. فتحي نور الدين الذي سيبكي بكاء حارا لحظة تنحي عبد الناصر ولحظة موته، وسيتزوج بفتاة ريفية متصالحة مع نفسها ومع العالم لتنجب له طفلين، ويسكن معها في شقة من المساكن الشعبية، ثم يزور صديقه ورفيقه القديم أحمد صالح الذي تغلب علي متناقضات كثيرة، وزرع نفسه في أرض جديدة، ورشة صياغة بالأزهر، فلم يبق ما يربطه بالماضي سوي أحاديث الليل المتكررة في السياسة وفي تحولات الناس والرفاق، و عدا فتحي نور الدين وأحمد صالح، صار عبد الخالق المسيري يتجنب مجالس الرفاق القدامي، الذين صارت كل متعتهم محاكمة الآخرين، يحومون حول أجسادهم كالغربان، متعتهم الوحيدة التي يعرفونها ويجيدونها، مثل كامل رستم المحامي الذي نجح في تسميم العلاقة بين عبد الخالق وزوجته مني، وناشد مراد الصحفي، رفاق ينشبون مخالبهم في أول شيء يرونه يتحرك، رفاق سلك كل منهم طريقه، من تواءم مع الحياة، ومن تغير، ومن باع، ومن تاجر، لكن تبقي المشاجرات والاتهامات المتبادلة بالعمالة والخيانة والمحاكمات، ولذلك كان عبد الخالق يتجنب الخوض معهم في أي حديث، ولا يتكلم إلا مع أحمد صالح، وحتي معه صارت السياسة موضوعا يتكلمان فيه بحذر، يرددان أخبارا وطرائف، لا يذهبا إلي أبعد من ذلك حتي لا تبرز الأشواك. وكما تجنب عبد الخالق المسيري لقاءات الرفاق المؤلمة، فإنه كان يتجنب التوجه إلي بيت الأسرة في الدقي، كي لا يري البيت الذي بناه الأب من طابق واحد، وأقام أعمدة الطابق الثاني لكنه مات قبل أن يكتمل، فتوقف عند هذه المرحلة، ليس لديه رغبة في رؤية البيت وقد صار قصيرا، تحيط به مبان حديثة، وعمارات عالية، وبعد أن اختفت شجرة الليمون، التي كانت كبيرة، تسقط زهرها الأبيض علي الأرض، ولأن لديه مشاعر متناقضة من المحبة والإنكار لإخوته، ولا يربطه بهذا البيت سوي أمه المريضة التي يزورها كل شهر، وبدا أنه لم تعد لعبد الخالق المسيري رغبة في مواجهة العالم، حتي طارق المسيري ابن أخيه، الشاب الذي يحمل نفس الأفكار، وتثير لقاءاته معه الكثير من الأمل، وجد نفسه غريبا عنه، لوصول المناقشات بينهما إلي نفس النقطة، فطارق حديث السن، ابن الثانية في كلية الآداب، يري أن الكل متقاعس وبليد، لا يهمهم إلا تبرير أخطائهم، ولا يصلحون إلا للمتاحف، بما فيهم عمه بالطبع، فيرد عليه عبد الخالق بتسامح " لم تكن أفكاري ملابس أرتديها، لم تكن بدلة نضال، وكذلك أغلب الرفاق، ولو أن منظرنا صار غريبا في عين حضرتك، فقد تمزقت ثيابنا في الطريق، من له عينان فلينظر" وهكذا يجد عبد الخالق المسيري نفسه في غربتين، واحدة بين رفاقه القدامي، وأخري بين اليساريين الجدد، الذين يمثلهم ابن أخيه، ولأن الخلاف بين الرفاق أقسي أنواع العذاب، فقد أيقن بحواره مع طارق أن الدائرة تغلق، طارق يحتد، وهو يتسامح، فيري بعينيه نفسه في ظاهرة من ظواهر الطبيعة، طارق يصعد الجبل وهو يهبطه، لكنهما يحرثان في أرض واحدة.