الهم السياسي هو المسيطر علي معظم قصص الكاتب (محمد القصبي) في مجموعة (زمن الجنرال) التي صدرت عن الهيئة العامة للكتاب فهي تكشف عن خبايا الواقع وتعري وجوه الفساد في المجتمع من خلال نماذج لشخصيات يرسمها الكاتب في إطار فني متميز علي لغة بسيطة ، متموجة أحيانًا ومتعددة الدلالات في أحايين أخري والملاحظ أن الضعف الانساني يتسيد معظم القصص كا أن القصص تتسم بالواقعية ومحاولة الكشف عن كوامن النفس الانسانية. «بلغة سردية ممتعة يعزف الكاتب خلال مجموعته القصصية «زمن الجنرال « علي وتر الحياة المؤلمة لأبطاله والذي ينسج من أبطاله عوالم قصصية تكسب قصصه القصيرة ثراء شديداً وتناقضات تبدو للقارئ وكأنه يعيشها ويتمرد عليها، بصياغة ممتعة لأبطاله ولكل شخصية في هذه القصص مقومات جسمية وعقلية ونفسية واجتماعية تنعكس علي هيئتها وسلوكها وطباعها وأخلاقها، يبرز لنا الكاتب أهم ملامحها ويرينا ما فيها من مزايا وعيوب. كما أن لكل شخصية غاية تسعي إليها ودافعا يحثها علي تحقيق هذه الغاية، وبما أن الشخصيات تختلف في طباعها وأخلاقها وغاياتها ودوافعها، فلا بد أن يحدث الصدام والصراع بينها، وتحول العقبات دون غاياتها وأهدافها ويمكن تقسيم القصص من حيث المناخ الفكري الغالب عليها إلي: أولاً : ثالوث السياسة والجنس والمال في قصص زمن الجنرال، انتصار الزعيم ، اتحاد ملاك المحروسة ، الواقعية الجديدة. ثانياً : الفساد والإفساد الاجتماعي في قصص (الرجل البقية) إمام لهذا الزمن (الكوة). ثالثا: منحني العلاقة بين الرجل والمرأة في قصص أحلام المرضي ، ذات صباح ممطر ، (مينون). أولا: زمن الجنرال: إذا صح مفهوم مايسمي بالقصة المفتاح فإن قصة (زمن الجنرال) والتي تحمل المجموعة اسمها تحمل الكثير من السمات الفنية والفكرية للكاتب من حيث سيطرة الهم السياسي، اتسمت القصة بالقدرة علي رسم الشخصية الرئيسية المركزية وتفاعل الشخصيات الأخري معها وصناعة الحدث وتقاطعاته مع الشخصية. وخلق الصراع الدرامي بين الجنرال والآخرين بحيث جاءت تمثل تراجيديا السقوط الإنساني. فقد تشكلت عناصرها من هذا الجنرال الذي يكسب من كل شيء ويتاجر في كل شيء في المخدرات والسلاح وأجساد النساء من خلال عقلية باردة لا تكترث بأية هموم إنسانية ، عقل يفكر ويد تبطش ومقدرة هائلة علي الهيمنة والسيطرة ، كل ذلك بهدف الحصول علي المال ولو بالتعاون مع خصمين لدودين في وقت واحد وقد جاءت التقنية الفنية في صورة رسالة تكتبها امرأة إلي أخري ومن خلال ذلك يتم الكشف عن عناصر الفساد وكيفية إدارة هذا الجنرال لإمبراطوريته ، كما أننا نري ثالوث الجنس والمال والنفوذ متشابكا كأقوي مايكون التشابك، ويظهر هذا بجلاء في الصفحة 15 عرفت أنه صاحب فكرة تزويد المتمردين بالأسلحة سألته في دهشة . وهل يعقل هذا ؟ تشترون أسلحة لقومكم؟ أجاب في هدوء .. وهو يتعري من آخر قطعة من ثيابه: حتي نسيطر علي مصادر تسليحهم إلي أن نتمكن من احتوائهم. انتصار الزعيم في هذه القصة يستخدم الكاتب أسلوب المذكرات من خلال الطبيب البيطري لاسطبلات الزعيم ومن خلال الجواد عنتر والهرة عبلة وتقنية الجنس بينهما يوازي الكاتب بين هذه اللعبة ولعبة الصراع بين الزعيم ورئيس دولة أخري، ومما يشير امتزاج الجنس بالسلطة أن صحافة استوانيا الحرة قد نشرت الآتي: إن للزعيم الضيف رغبة خاصة في الجواد إن لم يتم تلبيتها اختل بناؤه النفسي. إذن امتلاك الجواد تعبير عن دافع جنسي والرمز في دولة استوانيا الحرة قد يشير إلي الغرب بريطانيا أو أمريكا الذي يحرك الزعيم كيفما يشاء وقد صور الكاتب في مقدرة رائعة عملية الجماع بين الجواد والمهرة وكأنه يمسك بأكثر من كاميرا كما نري في صفحة 26 . (يندفع كالبرق في الهواء ليستقر فوقها في ذات اللحظة التي لامست فيها ساقاها الخلفيتان الأرض بعد ركلتها الفاشلة . لا تستكين ، تصهل في غضب ، تحشد قواها لتقذف به من فوقها فحاولت أن تستدير و تركض إلي الأمام لكن ساقيه الأماميتين تشددان حول وسطها الحصار، توهن مقاومتها يخفت صهيلها ، يتحول إلي خوار مكتوم منتظم . تغمض عينيها في استسلام». يغمض الزعيم أيضًا عينيه في حالة من التوحد الجنسي بين الزعيم والمهرة وأخيرا يطرح الكاتب جوهر القضية فيقول: الآن عرف لماذا ينحني النظام أمام عنتر. نلاحظ في هذه القصة اللغة التلغرافية حيث. اللفظ علي قدر المعني تفي بالوصف وتعبر عن الحدث وترسم الشخصية دون زيادة أو نقصان فهي محكمة. في قصة اتحاد ملاك المحروسة. يتم تصوير الواقع من خلال هذه العمارة ( المحروسة) ومن خلال هذا الرمز فإن اتحاد ملاك المحروسة يمثل مجتمعًا قائمًا بذاته يضم الشريف والخائن ، والكريم والنذل ، والخير والشر حيث توجد بؤر عديدة للصراع بين هذه الشخصيات وبعضها أمام ( محروسة) وهي المالكة الحقيقية للعمارة فقد تم التواطؤ بين جميع الأطراف ، حازم الطفيلي ، سالي هانم ، عنتر السنباطي ، أمين رمضان وحتي المحامي سعيد ثابت ، لذا فقد تم تلفيق تهمة سرقة المجوهرات وفي البداية لم يستطع الراوي أن يدافع عن محروسة لأن اتحاد الملاك قد ورطه في فضائح جنسية وفي النهاية يتحول الراوي إلي شخصية إيجابية أما محروسة فتنتقم وتثأر لنفسها من هؤلاء المتآمرين نري فيها أيضا تعرية للفساد والكشف عنه وقد تمثل في الصراع بين الشخصيات. الصراع هنا صراع بين صيغ متعارضة وتكوينات متصارعة. . طريقته في البناءأقرب إلي فن الرواية القصيرة والكاتب لديه قدرة رائعة علي رسم الشخصيات وبنائها كما أن الحدث ممتد في معظم قصص المجموعة وهذا من سمات الرواية . فالقصة القصيرة هي فن صناعة الأزمة وذلك من خلال توتر الحدث والوصول به إلي ذروته . يمتلك الكاتب أسلوباً مميزاً من خلال لغة رصينة كما أن الحوار جاء فصيحا ومعبرا عن أبعاد الشخصية كما اتسمت معظم القصص بتطويع السرد لمستوي التلقي وجاءت التراكيب اللغوية سلسة بعيدة عن الإلتواء والتعقيد وقد تمحورت حول امتزاج الحنس بالمال والسياسة بالنفوذ.