7 قرارات جديدة وعاجلة لمجلس الوزراء، تعرف عليها    نوري المالكي يتحدى ترامب: نرفض تدخلك ومستمرون في العمل السياسي بالعراق حتى النهاية    الإسكواش، 3 مصريات في نصف نهائي بطولة الأبطال العالمية    أكثر من 30 ألف طالب لم يتجاوزوا الترم الأول، قراءة رقمية في نتيجة الشهادة الإعدادية بالجيزة    نهلة عاطف توقع كتابها الجديد في معرض الكتاب (صور)    مستشفيات جامعة بني سويف تنجح في إنقاذ عين مريض من العمى بجراحة نادرة ومعقدة    الطفولة والأمومة يدعو إلى تنظيم استخدام الإنترنت للأطفال    رئيس الطائفة الإنجيلية بمصر يستقبل الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط    سعر الأرز الأبيض والشعير اليوم الأربعاء 28يناير 2026 فى محال المنيا    نصائح لشراء خزين رمضان 2026    وزير التعليم العالى: تعزيز الوعى بقضايا الأمن السيبرانى وحماية البيانات أولوية استراتيجية    الكشف على 290 مواطنا خلال قافلة شاملة بالقرى الأكثر احتياجا بالبحيرة    مستجدات تنفيذ المشروع القومي للمحطة النووية بالضبعة    الكرملين يلتزم الصمت بشأن تقارير عن تسليم الأسد    صحة غزة: 5 شهداء و6 إصابات جراء عدوان الاحتلال خلال 24 ساعة    نائب محافظ طولكرم: إسرائيل هجرت 25 ألف فلسطيني من طولكرم ونور شمس في عام    رئيس جامعة المنوفية يستعرض دليل النزاهة الأكاديمية وأخلاقيات البحث العلمي    جارية الآن.. بث مباشر دون تقطيع مانشستر سيتي ضد جلطة سراي دوري أبطال أوروبا    الرياضة: إجراءات حاسمة في واقعة وفاة لاعب السباحة يوسف محمد    إكرامي: أتواصل مع الخطيب بشأن قضية منشطات رمضان صبحي    محافظ قنا يستقبل وكيل وزارة التعليم الجديد ويؤكد على دعم المنظومة    متفاوتة الشدة وقد تكون رعدية.. الأرصاد تكشف خريطة الأمطار المتوقعة اليوم    السيطرة على حريق يلتهم مينى باص بالمحلة    ضبط سائق خالف خط السير ورفض إنزال الركاب بالبحيرة    ضبط 2.5 طن دواجن مشبوهة وتحرير محاضر مخالفات بأسواق الغربية    ضبط 114994 مخالفة مرورية والكشف عن 56 حالة تعاطي خلال 24 ساعة    فخ الصلح، اعترافات صادمة للمتهم بالشروع في قتل "عريس الشرابية"    استمرار الإقبال على معرض القاهرة للكتاب في يومه السابع    محافظ أسيوط يشهد احتفالية ثقافية وفنية بمناسبة عيد الشرطة وذكرى ثورة 25 يناير    أوقاف الشرقية تُجري اختبارات لاختيار أئمة التراويح والتهجد لشهر رمضان    إصدار سلسلة توعوية جديدة بشأن الهيئات البرلمانية للأحزاب والائتلافات بالنواب    لأول مرة، إجراء جراحات دقيقة للوجه والفكين بمستشفى أسوان التخصصي    هل نحتاج المكملات الغذائية؟.. تحذيرات طبية من الاستخدام العشوائي    هيئة الرقابة الإدارية تعقد ندوة حول الشمول المالي بمعرض الكتاب    الاستخبارات الأمريكية تتحرك سرا لتواجد دائم فى فنزويلا .. ماذا يحدث؟    قمة تعزيز السلام الإقليمى    «لو أن أحدًا يلاحظ» تشريح لونى فى دنيا امرأة    رمضان 2026 | أحمد حلمي ينتقل للإذاعة بمسلسل «سنة أولى جواز»    إعلاء صوت الحقيقة    مدرب الملكي ينصح بيلينجهام بضرورة التوقف عن الركض    الجامع الأزهر بشهر رمضان.. صلاة التراويح 20 ركعة يوميًّا بالقراءات العشر    العالم يستمع إلى مصر من دافوس    كفر الشيخ: توقف حركة الملاحة والصيد بميناء البرلس وسواحل المحافظة الشمالية لسوء الأحوال الجوية    نتيجة الشهادة الإعدادية فى الأقصر.. استمرار التصحيح تمهيدا لإعلان النتائج    وزير الصحة يبحث حوكمة نفقة الدولة والتأمين الصحي لتسريع وصول الخدمات للمرضى    كيف يتعامل مرضى الحساسية مع التقلبات الجوية؟.. «المصل واللقاح» يوضح    رئيس وزراء قطر: ندعم جهود خفض التصعيد في المنطقة    هل يجوز تسمية ليلة النصف من شعبان ب البراءة؟.. الإفتاء تجيب    الرئيس السيسي يصدق على تعيين 383 معاونا للنيابة الإدارية    فيروز أبو الخير تتأهل إلى نصف نهائي بطولة «سبروت» للإسكواش بأمريكا    مدحت عبدالدايم يكتب: فاتن حمامة نجمة القرن.. وفن إعادة صياغة الوعي    مواقيت الصلاه اليوم الأربعاء 28يناير 2026 بتوقيت المنيا    رمضان 2026... «الأوقاف» تحسم الجدل بشأن توقيت صلاة التراويح بالمساجد    وكيله: توروب رافض فكرة رحيل ديانج من الأهلي    الزمالك يعود للدوري باختبار صعب أمام بتروجت    أخبار فاتتك وأنت نائم| أسطول أمريكي يتحرك نحو إيران.. والذهب يُحطم الأرقام القياسية    ميلانيا ترامب تعلق على احتجاجات مينيسوتا.. "احتجوا بسلام"    في كل الأشياء الجميلة القابلة للكسر يعيد نصرالله قراءة البداية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



بقية : توءم الكابوس السابع
نشر في أخبار الأدب يوم 02 - 02 - 2013

سوف أبوح لكم الآن بما هو كامن وثابت في ذاكرة المواجع التي تعرضنا لها في تلك الازمنة الصعبة المتتالية ، لعل أخطرها هو مخاوفنا من بيع بيوتنا أو تنازلنا عن مساحات فراغ تنفتح علي المدي بلا حدود ، ورغم معرفتنا بأن حدودنا المتباعدة في الشمال أو الجنوب كانت تتشكي من طول الهجر وفراغ المساحات البراح التي لم تدخل حساباتنا ولا باعها اجدادنا القدامي أو بعناها لغريب حاول أن يجاورنا ويدفع بسخاء فتكون المسألة مجزية ، لكن ما جري لتلك المساحات الممنوحة للغرباء كان بتوافق الكل قاسيا لأنه يدخل خانة التفريط ، والبيع للغريب قد يتساوي مع التفكير في البيع للقريب بدعوي أنه لن يبدل او يغير أو يفكر أن يحجب عنا ضوء الشمس ، لأن المدي المفتوح ميراث محفوظ ، ولأننا لم نكشف او نعرف شيئا عن صفقات تنازل عن أجزاء من أرضنا للغرباء علي امتداد العصور التي مرت بهم ، ومهما ضاقت الأحوال فكيف ندخل دوامة قبول التفريط فيها كما فعلها بعض من شاع عنهم توقيع مثل هذه الصفقات ، قلنا انها أكاذيب مدسوسة لنريح ارواحنا التي تسعي في الفراغات بين واقع مأمول وواقع يتردي لأبعد الحدود ، وقلنا أن ما يشاع يمكن أن يتوافق مع بعض الأفكار التي نتحاور بشأنها أحيانا ، أو نعترض عليها في بعض الأمسيات حتي مع عيالنا ، وكم نشأت بيننا من خلافات بمختلف صورها وتنوعها وتباين أسبابها ، لأن بيوتنا وغيطاننا كانت وظلت بضمائرنا قناعات لا تتبدل او تتعدل ، وربما ستبقي بيوتنا ومنازلنا وغيطاننا المزروعة وشطوط نهرنا وبحرنا ميراثا شرعيا مأمونا يتحقق لنا فيه ولخلفتنا من بعدنا الإطمئنان والسكينة ، ويتأكد ونسنا الإنساني الذي ألفناه دوما وعرفناه في كتب التاريخ ، وربما يكون هو أساسا لرسوخ سكوننا المستتب لآلاف الأجيال التي سبقتنا ، وما شفناه واقعا مستقرا عشنا نترسم خطاه وبدا لنا انه كان مرغوبا وظل ساكنا في الذاكرة ، حيز عشقناه كما علمونا في صبانا ولسنوات طالت وطالت بامتداد أعمارنا مع عيالنا وأحفادنا ، وقد بررناها لأنفسنا فتحولت لحالات زهو وثقة مطمئنة بيننا وبينهم ، وقد تبدو مستترة في بداياتها ثم مكشوفة معلنة علي فترات تتباعد أو تتقارب ، وقد نتحدث عن الدنيا التي انقلبت موازينها وحسابات الخلق في بعض أطرافها القريبة او البعيدة ، وليتأكد لنا أننا صرنا ندور في طواحين هواء كابوسية تلفلفنا وتتوهنا في المنامات التي تحولها لكوابيس تكبس انفاسنا في عتمة العتمة ، وقد تتضاحك ساخرة منا ولا تستحي من تباهيها ببعض من كان يباركها ويدعمها ، وهادفا لإزاحتنا عن بيوتنا وعيالنا وهم أعز وأغلي ما ملكناه ، فهل نترك عيالنا بعد الرحيل ضحايا لكوابيس تتلون وتبدل تقاطيعها ؟ وقبل إكتشافاتنا لتوأمتها وقد رايناها وقد توارت خلف ملامح الوجوه البشرية التي سرت مخازيها في الخفاء والعلن ، وقد رأينا ما لا يمكن أن يراه عيالنا من علامات الخطر ، ولأنه بدا لنا أن عيالنا صدقوا بعض ما شاع عن كوابيس معنية بتعديل المسار بالخروج الجماعي والتربح المجاني في عالم تحكمة الأموال ، سواء كانت مهربة أو مسربة أو ثمنا لمساحات فراغ يمكن التخلي عنها بلا ضرر ولا ضرار ، وكم عانينا في السر والعلن من تلك المخاطر التي شاعت بلا حياء ولا خجل وراينا مقدماتها ، فتزايدت مخاوفنا غير المؤكدة من براعة تلك الكوابيس الكامنة والساكنة بيننا ، وقد بدلت ملامحها فتشابهت مع وجوه الجيران ، لكنها كانت قادرة علي معاودة حصارنا في أوقات لا نملك السيطرة عليها ، وفي غفلتنا أو غيابنا او غفلة عيالنا في أوقات ما ، تتمكن من حصارهم والهيمنة علي عقولهم ، ولأن ما قلناه يمكن أن يكون حقائق مؤكدة ، وليست هواجس او مخاوف ناتجة عن ظنون تأكدت بتوأمة الكوابيس السبعة للجن الساكن تحت الآرض ، مضافا إليها امكانية حصارنا بكوابيس تتشابه مع ما رأيته وعانيت من شراسته ، وكانت مخاوفنا علي عيالنا من أن يتحولوا لأدوات تاهت عقولها ، فيتباعدوا عنا ويقللوا حواراتهم معنا لعدة اسابيع وقد ظهرت عليها علامات لم نلمحها من قبل , علامات تتشابه مع العلامات التي كانت تطل علي ملامحنا بعد مكابداتنا من حصار الكوابيس المتتابع ، وقلنا لبعضنا البعض أنها علامات غير متوقعة منهم ، ولأن بعض سلوكياتهم لم تطف بخيالاتنا في مثل هذه التوقيتات الحرجة ، لكنهم كانوا ضحايا مرحلة ، وإذا كانت الكوابيس الطالعة من البطن المخفي الكامن والراصد لتفاصيل واقع عليل ، فلعلها في الخفاء ترتب نفسها لتبدأ إقتحامهم بنفس الضراوة التي واجهتنا بها في المنامات ، وربما زوّدت خبراتها ولوّنت أشكالها ، وكان علينا لو تأكدنا من تلك الهواجس أن نترفق بعيالنا اكثر لنحميهم من المخبوء وأن ننسي خلافاتنا أو نتناساها ونخففها عنهم لأنهم خلفتنا ، وقد قررنا أن نواصل متابعتهم في الخفاء كما في العلن ، وربما دعونا لعيالنا بالهداية وزيادة الوعي وكانت أبواب السماء مفتوحة فإستجابت لدعواتنا بشكل متسارع وغير متوقع

« ارتسم المأزق أمامنا سؤالا ساخرا طرحه فلاح شاب لا يمت لنا أو لها بقرابة لكنه تجاسر وسألنا عن كيفية تعريتها وتغسيلها؟ لأنها تحولت إلي صخرة ملمومة علي نفسها وفاقدة لملامحها وقد تحجرت تقاطيعها وتداخلت وذابت الحدود وانطمست رموشها وتوارت ، فكرنا في كيفية الخروج من المأزق لو ماتت بالفعل قبل أن نداويها ونعيد صورتها القديمة أو بعضها علي الأقل ، حتي ولو اكتفينا بأن تتحول المادة الحجرية التي صارت بادية علي تقاطيعها وأطرافها إلي الحد الذي لا يسمح لأي نفر بأن يتعرف عليها، ثم يشك في أن المرحومة انخطفت من وسط الدار او انقتلت ثم إندفنت وبدّلها الجاني بالكتلة الحجرية الساكنة الصامتة فلا يتحرك فيها غير بؤرتي عينيها، وفكرنا وتحاورنا فزادت مواجعنا لأن ما سمعناه من الغرباء بشماتة أوشك أن يدمغنا ونحن ناسها وأهلها بعار التخلي عنها ، وكأننا أهملناها ولم نحافظ عليها من وجهة نظرهم ، ورغم أن مثل هذا الادعاء البغيض مستنكر من أي عقل يتفكر علي مهل، إلا أنه واجهنا ، فتاهت عقولنا ولم تجد جوابا علي السؤال الذي لم يخطر علي بال أي واحد منا في يوم من الأيام
وصرنا محاصرين بالخوف من رحيلها وهي علي هذا النحو ببدنها وقد تصخر إلي حد يجعل غسلها ودفنها في مثواها الأخير أمام الناس مستحيلا ، وكنا نتساءل أحيانا كيف ظلت ملامحها واضحة وثابتة وخلاياها تنبض بالحياة طوال عمرها الممدود ثم تحجرت بشكل مفاجئ فتداخلت ملامحها أو انطمست، كنا نتأسي شفقة عليها في الأركان أو نتباكي علي الفقيدة قبل الوداع، يحبس الواحد منا دموعه إذا فكر في العبور امامها ليطمئن قلبه عليها أو يقضي مطلبا يلزمه بالمرور بصحن الدار ، يرجع من عبر فنسأله ويرد بكلمات تعبر عن الدهشة متمنيا خلاصها بعد أن يصف هاتين العينين الصاحيتين اللتين تشعان وتبرقان وسط التقاطيع التي تداخلت ثم صارت متباعدة مغايرة لتلك الملامح التي ألفناها، لكنها كانت تتنفس بوهن وكأنها تعلن لمن يراها أنها مازالت علي الأرض تحيا ، تتنفس وتشغل نفس الحيز الذي اختارته لنفسها وسكنته بإرادتها بوسط الدار البراح، ومربعها الملموم المجاور لدرجات السلم العتيق بتشكيلاته العريقة ثابت وباق يسهل ترميمه لو إنكسرت منه طوبة أو انشرخت قطعة من الخشب، لكننا لا نملك القدرة ولا الوسيلة الفاعلة لعلاجها رغم أحفادها الذين درسوا الطب بكل فروعه, لكن أحدا منهم لم يقدّم لنا تفسيرا لحالتها أو يفسر الأسباب التي حولتها علي هذا النحو إلي ما صار إليه حالها ، نتماسك ونتحامل بكل العسر تأسيا عليها ونرتب احوالنا ليوم وداعها»

هل تبدل عيالها علي غير توقع منها علي مهل كما قال توءمي الثالث ؟ قلنا لبعضنا البعض إنه من الممكن أنهم افاقوا لأرواحهم، ربما اكتشفوا أن اوهامهم وأمنياتهم كانت مسنودة علي خيالات ، وما كانت تتبدي لنا في حدقات عيونهم محض أمنيات مبهورة بما شافوه خارج حدودنا، وكانت إمكانياتهم التي تبدلت وتغيرت فأضافت للأجيال الجديدة ما يمكن أن يقال عنه إنه زراعة لأحلام أكثر تألقا لحساب مستقبل أفضل، وبالأجهزة الوافدة من خارج حدودنا ليتأكد لهم ولنا أن مستقبلهم هناك سيكون الافضل، وفيه ستتحقق إنسانية الإنسان، مع إمتيازات كان من الممكن أن نملكها خلال ازمنة الغفلة التي طالت وطالت ،ثم صرنا نراها ولا نداري دهشتنا التي كانت تتجلي لهم ولا تتواري أو تتخفي، وكنا بخيالاتنا نتابعهم بإنبهار وإعجاب عندما يتحدثون عنه، ونوشك أن نطالبهم بتشغيل هذه الأدوات والمخترعات في بيوتنا ومصانعنا ونوادينا ولا نداري إستنكاراتنا لما صارت اليه امورنا وقد تبلّد من تبلّد، وعندما يتشابه الإنسان مع الكابوس تكمن المخاطر بلا حدود من حوله، وقد شفنا منهم كثرة وسكتنا، كنا نراهم كوابيسا راسخة تضع اقنعة البشر وتمارس ما يمكن أن يقال عنه « كذبا مكرورا « لم يجد من يتجاسر علي مواجهته، ونستعيد ما شفناه في أزمنة توهجت فيها امنياتنا، وبمشاعر فياضة حالمة أدركنا كيف عشقنا تراب هذا الوطن فتوهجنا وتألقنا أكثر بتلك المشاعر، وكانت أيامنا تتوالي ببطء وتتشكل أعواما ممطوطة محكومة بغباء وتسلط سافرين فننتبه اليها في صحونا ونتحامل عبر تلك السنوات التي طالت، لنري فيها نفس الوجوه تطل علينا وكأنها قدر ، لكننا عشناها غصبا عنا كوابيسا لوجوه ثابتة وبوجوه متكررة تتناسل وترث وتفرط في كل ما تطاله اياديها، وكنا نحتج احيانا علي إستحياء او نصرخ في الشوارع بجرأة ونواجه من يحافظون علي امننا وامنهم وكأننا نسهم بتاملنا الصامت ونسأل انفسنا كيف تاهت كل الأمنيات التي سكنت مشاعرنا أعمارا عشناها نزرع الأحلام في الغد الأكثر أمنا وانكسرنا في غفلة منا، وبعقولنا كنا نتساءل كيف تبددت الأحلام المشروعة منا؟ وأطفال الأمس الذين يكبرون ويحلمون وينظرون لخريطة العالم ، ويتباهون بكل من يخطو خطوة للأمام في أي مجال خارج حدودنا ، فيتهيأ لنا أن الهواء الصافي لايخصنا وما يخصنا تتم تعبئته بالمعوقات لنا ولعيالنا ولأمثالهم - ممن يطالبون بالمشروع بارضهم وبين ناسهم - دون جدوي ، يبحثون ولا يجدون من يمكنهم أو يساعدهم بأي دعم او عطاء يليق بأحلامهم وأمنياتهم ، وهؤلاء الذين رحلوا وعاشوا بين الغرباء وأضافوا للوعي الإنساني جديدا لم يسبقهم إليه أحد ، وفي مشاويرهم واصلوا وتعلموا وتأكدوا أن العقل الصّاحي من أي ارض لا يحتاج إلا للجسارة أو دخول المغامرة المحسوبة لصالح ما يمكن أن يكون تحقّقا او إضافة لتاريخ مثل تاريخهم العتيق الذي تألق ثم خبا ضوءه بفعل من يعشقون العتمة ، وهم مثل الكوابيس البشرية مؤكدة الهوية والبارعة في تعويق أي مربع يشع فيه ضوء ، نتأمل ونقرا ونتابع ونتحسر علي ما فاتنا ، ونوشك أن نتباكي مع عيالنا واحفادنا وقد إكشفوا الفوارق وأعلنوا لنا تمردهم وأستعدادهم لإعلان العصيان علي كل من يحجبون المساعي ويعوقوا من يرغب في اي اضافة ، فنراهم شموعا قابلة للإنطفاء بما يمكن أن نسميه عراكا مع الذات - بديلا عما يمكن أن يقال عنه آنه عراك مع الخصوم - فنتساءل مع انفسنا بمرارة أن كانت الدنيا قد عرفت سلاما لم يختره من إلتزموا به او قبلوه واختاروه، وما لم يتم فرضه عليهم بالتهديد والتخويف او بحبس وتعذيب؟ فعلي اي أساس؟ وأية دلائل بصنفون الشعوب بالتقدم او بالتخلف؟ وكل بحسب معاييره ، فنجيب بأن الحياة تتطلب سعيا متواصلا لم نعد نمارسه وأننا في حيز السكون المسكون بخصوم يتخفّون باقنعة بارعة لرسوم الملامح التي تخصنا، نحتاج وعيا إمتلكناه وكتبناه في البرديات المسلوبة، وقد تاه منا في تلك الغفلة التي سبقت علامات شيخوختنا المبكرة وأكدتها لنا ، وتتسلّط علينا في العتمة الليلية كوابيسا تتخفي وراء ثياب الحراس، وقد كونتها وشكلتها عقول في صف خصومنا القدامي ، وأطلقوا أعوانهم فطاردونا وطلعت لعيالنا كوابيسهم علي مهل ، وصارت تحاصرهم وتحاصرنا وتزود مساحات العتمة

« تعايشنا إذن برضانا أو غصبا عنّا مع الجدّة الكبيرة الصّاحية التي تقعد نفس مكانها وتداري رأسها والحيّز الذي كان يميّز تقاطيع ملفوفة بطرحتها الحريرية، ومكان وجهها وقد صار مسكونا بالتجاعيد الغويطة أو السطحية المتداخلة فلا يسمح للرائي بأن يحدد حيز الفم او الشفتين المتلاحمتين اللتين تداريان فراغ الفم المؤكّد من الأسنان ، ومرورا بالأنف المتداخل مع الخدّين وقد تاهت الأذنين، ومتكوّرة علي نفسها والصّمت المطلق يشكّكّنا بأنها فقدت الحياة لولا هاتين العينان الصّاحيتان اللّتان تصبّان بريقا متوهجا نحو من يتجاسر ويتأمل متشكّكا في فقدانها للحياة، وبحسب من شاف وباح أن نظراتها كانت وهجا عاتبا لائما بغضب يخوّف المتأمل الرّاغب في أن يستوثق من حالتها ليحكي لنا ما شافه»
وبغض النظر عما عرفناه وما فعلناه في سابق أيامنا من كشف لهم أو فرار من سطوتهم، وبدا لنا أن عيالنا لم ينتبهوا لتلك الحقائق المرويّة التي قلناها لهم، ودفاعا عن بيوتنا التي هي مأوانا ومأواهم، وميراثنا كما انها ميراثهم المشروع لأرض ننتسب وينتسبون اليها بخلايانا وخلاياهم، وربما تواطأنا بإظهار عدم الفهم في البدايات بصمتنا المتعمّد لنداري وعينا، فوصفونا بعدم القدرة علي المواجهة إستنادا إلي عدم التعليق وكشف رفضنا المعلن تضامنا أو تعاطفا معهم لنتحاشي المواجهة لطمأنة قلوبهم وقلوبنا بسكوتنا، وكنا نستمع منهم كلاما يعبر عن أسفهم أو ندمهم علي بعض ما قالوه بألسنتهم في سابق الأيام - ولم يكن يليق بنا وبهم حسبما علمناهم ونبّهناهم - بمعاودة اللوم علي مافاتنا أو فاتهم، وربما إرتحنا وإطمأنت قلوبنا لو أنهم إستعادوا وصايانا القديمة المسطورة ببرديات اجداد رسموها ثم خبأوها، وربما لو عادوا ودمدموا بها علي مسامعنا - لنتحرك بلا تراجع - عن الخطوات الفاعلة لنيل الحقوق المسلوبة التي ضاعت منا في مراحل القلق الممدودة ، وكانوا يتعثّرون بخطواتهم الأولي بحثا عن مخارج لعبور الأزمات ، وسمعنا منهم دون طلب عبارات تؤكد نواياهم ورغباتهم القديمة التي طرحوها علينا لتغيير سلوكياتنا او سلوكياتهم، وكان تنازلنا عن مساحات أرض ورثناها وعشنا لنربيهم ونرعاهم من مردودها، بديلا عن وعود في الفراغ عن مردود اغتراب مدفوع الثمن، لكنه حسبما قالوه ووصفوه كان مهربا او مخرجا لحالة تجسدت وأنفرضت عليهم - ولا بديل عن اختيارها طالما أن وسائل الحياة وتحصيل الرزق هنا صار عسيرا، وكانت ردود أفعالنا مخيّبة لآمالهم، وأن الحل كان هنا في وطن ظل جاذبا حتي للغرباء، فكيف يتحول إلي وطن طارد لخلفة مشحونة بالطموح وراغبة في الإضافة الموجبة ، وكانت العبارات التي سمعناها منهم تبدو مرتبة ومقنعة ، مدعية انها سوف تسهم في تزويد قدراتنا وقدراتهم واستعادة ميراثهم في الأرض حتي لو قاموا برهنها أو بيعها، لكننا كنّا في مربع الريبة نخاف علي عيالنا لأن رحيلنا عن دنياهم كان يقترب وميراثهم كان جديرا بالحماية، لعلهم تصابروا وأظهروا التعفف في وجودنا وطمأنوا قلوبنا عليهم في تلك الأيام ولكن إلي حين

سوف أحدثكم بضمير الجمع لأننا عشنا تلك التجربة الشرسة معا وتأكد لنا ذلك ، ونادرا نادرا ما كان يحدث أن تتشابه مثل هذه الرؤي والمنامات او الكوابيس التي يتعرض لها أي جمع من البشر فشافوا وسردوا وباحوا وإعترفوا بما حدث لكل واحد منهم وتعمّقوا وأوضحوا لبعضهم البعض كل تفاصيلها ثم اكتشفوا انها تتشابه الي حد التطابق علي نحو بدا لنا ولهم جنونا مضاعفا او خبلا دعاني لاستبيح بعض ما قالوه وأكون متحدثا بديلا عنه ، وأحيانا اتجاسر وأراني متحدثا بديلا للكل ، فتحاملوا وتثبّتوا من دقة وعيكم الذي هو وعينا ، وفسروا لنا تلك الحالة من الرؤي المتتالية المتتابعة ، والمتزامنة وهي تغزوا أدمغتنا ونحن آباء كبار وأجداد صادفوها وتأكدوا من التطابق في كل تفاصيلها التي شفناها وسنرويها لكم ، فلعلكم تفلحون في فك اللغز أو تفسيره لأنفسكم أولا ، ثم تتطوعوا لو شئتم بأن تساعدوا هؤلاء الآباء والأجداد علي الخروج من دوامات هواجسنا التي تسكن ادمغتنا البشرية محدودة القدرات والخبرات ، فهل نبدأ ؟ او نتراجع ونطوي الصفحات لنريح انفسنا من العناء ، عناء الحكي وعناء المتابعة مع تكليف الذات بمواجهة الجمع في تلك الليلة السابعة علي هذا النحو المتداخل ؟ ولماذا لا نجرب ؟ والموضوع من اوله إلي اخره ناتج عن إفرازات عقلنا الجمعي وضميرنا الجمعي والحلم بهذا الكابوس الجمعي ؟ هي سلالة مشتركة عريقة ما زالت تحتفظ بجيناتها الوراثية المشتركة التي لا نقبل ألتخلي عنها ، أو أن نتنازل حتي النفس الأخير لغريب أو بعيد عنكم أو عني - بديلا عن المجموعة التي تشاركني في الشيخوخة وتوهان العقل أحيانا عندما نحاول لملمة كل التفاصيل فسامحوني أو سامحونا لأن السماح مبرر لمواصلة الحياء في بعض الحالات

« صارت جدة جدنا تتنفّس بوهن إذن لكنها تحيا بيننا وتري ، ولو عاودت سؤالي عن عمرها فلن اتمكن من تحديده بالتقريب ولا جزافا ، لأنها إنولدت بشكل مؤكد في زمن لم تكن فيه شهادة الميلاد تكتب ويتم تسجيلها علي الورق في الأيام الأولي لميلاد الوليد أو الوليدة علي النحو الذي إعتدناه او عرفناه وتأكدنا من وجوده بداية من تاريخ ميلاد آبائنا وأجدادنا القدامي ، ولأن جدة جدنا الكبير كانت بنت الزمن الآخر بحسب تأكيدات أكابر الاكابر ، وكانت جدة جدنا الذي إنولدت قبل رحيله بسبع سنوات فباركني وإحتواني ورعاني ونصحهم بفطامي ، ولاعبني وداعبني وعلمني نطق الحروف والأرقام وحفظ ما تيسّر من اجزاء «عمّ » و « تبارك « و « قد سمع « بالمصحف الشريف ، ثم كتابة الكلمات ورسم الحروف بخطوط « النّسخ « أو « الرقعة « أو « الثّلث « وبرغم أننا فقدناه وأنا صبي في السابعة من عمري إلا أنه باق في الذاكرة، وشهادة ميلادي التي إنكتبت وإنحسبت بموجبها سنوات عمري ، وصارت موثقة ومتاحة بالسجل المدني ثم في صندوق المعاشات ومصلحة الجوازات والجنسية ، وملف خدمتي بوزارة المعارف العمومية وقد طالت وطالت سنوات وسنوات لا أميل لتحديدها لمن يسألني رغم كونها محسوبة في ذاكرتي وذاكرة الكل ، ربما تحاشيا للحسد الذي خوفتني منه جدتنا الكبيرة قبل أن تكف عن الكلام ولأنها نصحتني ألا ابوح به للغرباء بسنوات عمري ، مثلما خوفت ابي وجدي وذكرتهما بما شاع وأنعرف من أن البوح المجّاني بسنوات العمر جالب للحسد، ولأن أعمارنا كانت في عيون الآخرين تطول عن أعمار السلالات الأخري من أهالي القرية والمركز والمديرية بكل مراكزها كما كان شائعا ، فقد صرنا هدفا مرصودا للحسد كما باحت لنا وصدقناها لو حدثتنا أو حاورتنا قبل أن تؤكد أن أعمارنا ستطول وتمتد برض المولي جلّ في علاه، وربما بمباركاتها الخالصة وبفضل دعواتها الطالعة من قلبها لمولانا الخالق فاتسعت ساحات ارزاقنا لأن الرّب راض عنها وعنا ، وسيطّول أعمارنا اكثر وأكثر حتي من عمرها الممدود، وكنا نفرح وهي تدعو لنا بالسّتر في الدنيا والآخرة ووفرة الرزق والفلاح والهداية وتحقيق الأمنيات ، وأي واحد من سلالتها كان يشعر انه بفضل رضاها عنه سيتمكن من تخطي كل المصاعب بأصالة معدنه وهي العارفة بمعادن الناس، وأن تظل هامته مرفوعة ، فنقول لبعضنا البعض أن المولي عزّ وجلّ راض عنها كل الرضا فصفحتها بيضاء لأنها لم ترتكب طوال عمرها الممدود ذنبا بقصد ، بحسب تأكيدات وشهادات من عاشروها حتي من غرباء الناس ، أما عيّالها وعيال عيّالها وكبار السن منهم يبوحون لنا بأنهم يفكّرون في بناية ضريح يليق بها ومقام بركن الزّاوية التي بناها علي أرضه البراح في مدخل الدرب أحد أجدادنا القدامي الذين رحلوا قبل أن نراه او يراه الآباء او بعض الأجداد ، لكنه ودّع دنياه قبل أن يتحقّق حلمه بأن يقوم بدفنها بنفسه في الضّريح الذي دبّر تكاليفه بسخاء وكرم وأحتفظ بماله في داره لسنوات وسنوات ، وقبل رحيله عن الدنيا بأيام شعر بأنه « ستوافيه المنية « فلملم عياله وطلب منهم أن يحفروا حيّزا حدّده في ارضيّة القاعة التي يرقد فيها فإستجابوا وحفروا واخرجوا الكنز المدفون فأدهشهم وأبهرهم ، وربما حسبوها تركة ستئول إليهم كورثة بحسب شرع الله ، وعندما طلب منهم عدم البوح بسره او محتوياته وافقوه ، لكنه واصل وطلب من كل واحد منهم أن يقسم علي المصحف الشّريف أن تكون محتويات الكنز أمانة في اعناقهم جميعا وأن ينفذّوا وعده الذي قطعه علي نفسه ، أن يبتنوا لها ضريحا ومقاما لا يشبه اي ضريح او مقام في كل الناحية فطاوعوه ووعدوه بحمل الأمانة ، وانهم سوف يقومون بعمل المطلوب منهم توافقا معه وتقديرا لها ، وما باحوا حتي لواحد من أهله أو أهل القرية بما كان بينهم من توافق مع الأب الذي اوصاهم أن يكونوا خلفته الحلال فلا يقتربوا من الأمانة المودعه في اعناقهم وسوف يسألون عليها يوم الدين «


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.