الطالب المثالي بتجارة الأزهر يكشف لصدى البلد كواليس فوزه بالجائزة    قبل تطبيق قانون عدم تداول الدواجن الحية .. برلماني يفجر مفاجأة عنه    نمو الأداء المالي للبنك الأهلي الكويتي مصر في الربع الأول ل 2019    رئيس الوزراء: 500 مليون يورو من الاتحاد الأوروبي خلال 4 سنوات    جمعية رجال الأعمال تتوقع استمرار نمو القطاع العقاري خلال ال 4 سنوات المقبلة    بن زايد ل"السيسي": نثمن دور مصر لتحقيق استقرار المنطقة    سفير مصر بالخرطوم: نقف على مسافة واحدة مع كل السودانيين دون انحياز    رينارد يعد جماهير المغرب بالمنافسة على لقب أمم إفريقيا    الجيش الليبى: القضاء على المجموعات المسلحة هو الحل لإنهاء الأزمة فى البلاد    بسام راضي يكشف تفاصيل جولة الرئيس السيسي التفقدية لاستاد القاهرة    النني وأحمد علي تنازلوا عن الشارة لمحمد صلاح    للهروب من حرارة الجو.. مصرع شاب غرقا في طلخا    درّب نفسك.. نماذج امتحان الفلسفة للصف الثالث الثانوي    قتيل ومصابان بحادث انقلاب دراجة بخارية على طريق بهوت في نبروه    تأجيل محاكمة الرئيس مرسي في هزلية “السجون” إلى جلسة الغد    فيديو.. يارا تتجاوز ال300 ألف مشاهدة ب "شو بدو" في 24 ساعة    عمر خيرت: وضعت موسيقى "الممر" كأننى جندى بالجيش المصرى    كنزي عمرو دياب تهنئ الهضبة بعيد الأب    140 درجة للحد الأدنى.. محافظ الجيزة يعتمد تنسيق الدبلومات الفنية    " متحدث الوزراء": نستهدف الحفاظ على الشكل التراثي لمنطقة سور مجرى العيون    خالد جلال يجتمع مع عبد الحميد بسيونى بعد الاستقرار على الجهاز المعاون بالزمالك    مدربة سيدات أمريكا تثني على كارلي لويد    الجماهير الكولومبية تحتفل بالانتصار التاريخي على الأرجنتين في شوارع كوباكابانا    مبعوث أمريكا للشرق الأوسط: قد يتأجل الإعلان عن صفقة القرن حتى نوفمبر المقبل    غدًا.. علاء مرسي ضيف "كلام ستات" على ON E    حكم من صلى فترة من الزمن في اتجاه خاطئ للقبلة    خالد الجندي: الخلاف في جمع الستة البيض والقضاء مشكلة لمن يرفض التدين    مؤتمر «سيملس شمال إفريقيا 2019» للتكنولوجيا المالية والمدفوعات بالقاهرة.. اليوم    مصر الأولي أفريقياً في جذب الاستثمارات الأجنبية    اليمن.. التحالف العربي يدمر منصة صواريخ للحوثيين في حجة    في أول زيارة ل المغرب .. مي كساب تدعم أوكا في مهرجان موازين    مفاجأة في إيرادات فيلم "كازابلانكا"    إعادة تفعيل 270 ألف بطاقة تموين    الإغراءات تطارد الفرعون    أمل جديد لمرضى القلب والأوعية الدموية    تعرف على مستجدات تفرض نفسها على بطولة الأمم الأفريقية    ايقاف بناء عقار بدون ترخيص غرب الاسكندرية و التحفظ على مواد البناء    قبل انطلاق كان 2019.. خطة جديدة من الداخلية لحل مشكلة المرور خلال البطولة    الفريق أول محمد زكي في فرنسا    جامعة سوهاج تشارك في فعاليات المؤتمر الدولي السادس للهيئة القومية لضمان الجودة    عصير “فضل”.. الحامض!    السيسي: مصر لا تنسي أبطالها    «لامبارد» يقترب من تدريب تشيلسي    حبة حفظ الغلال تنهى مأساة مجند بقسم شرطة أبو النمرس    السيسي يهنئ أمير الكويت بعيد ميلاده: أصدق التمنيات بموفور الصحة والعافية    قائمة الأمانة تكتسح انتخابات الغرفة التجارية بكفر الشيخ .. صور    رئيس الطب النفسي يشن حملة شرسة على الإعلام    المرأة الحائض.. هل يجوز لها زيارة القبور؟    مدير المركز الثقافى الكورى بالقاهرة: بدأت تعلم العربية للتقارب مع المصريين    مظاهرة ضخمة في شوارع هونج كونج رفضا لمشروع قانون تسليم المطلوبين للصين    وزيرة الصحة تتفقد التشغيل التجريبى لوحدة صحة عمر بن الخطاب ببورسعيد    أردوغان يهدد بإشعال حرب في شرق المتوسط    يصيبهم بالعقم ويؤثر على الصحة الجنسية.. مرض خطير يهدد الرجال    وزير القوي العاملة يلتقي مدير منظمة العمل الدولية بجنيف    تعرف على فعاليات وحفلات مراكز الإبداع الفني خلال الأسبوع الجاري    عزل 6 ركاب بمطار القاهرة لعدم حملهم شهادات الحمى الصفراء    دار الأفتاء تنتهى الجدل .."الرحمة الموزعة على روح الميت حلال ولا حرام"    الأرصاد: غدا ارتفاع تدريجي في درجات الحرارة.. والعظمى بالقاهرة 35    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





صديقتي اليهودية:إشكالية الآخر والخطاب الثقافي
نشر في أخبار الأدب يوم 08 - 09 - 2018

ثمَّة تضافر بين ما تثيره إشكالية وجود الآخر، وتعدد صور هذا الوجود، وماهيته، وبين محتوي الخطاب الثقافي الذي يدور من خلاله هذا الحوار بين الأنا والآخر في السياقات السردية والحياتية علي حد السواء؛ فربما كان مفهوم الآخر هو ذلك المشارك للواقع المحيط بالذات، والضاغط عليها، بغض النظر عن هويته المنفصلة عن هوية الأنا أو المتصلة بها علي حد السواء، فلكل منا آخر في البيت والعمل والحياة بكافة مناحيها واختلافات التعاملات بها، وفي المذهب أو العقيدة أو التوجه، وما يربط بين الرواية كوعاء سردي قد يستوعب المزيد من الإشكاليات والفرضيات والنماذج الإنسانية الدالة علي الاختلاف أو الضدية في التعامل أو عن المزيج الذي يشملهما كسمة من سمات التعاطي مع الواقع، وانطلاقا من مفهوم الفن الروائي من أنه هو الذي:
»يستطيع عبر إمكاناته السردية والجمالية، أن يفضح أوهام الذات وانحرافاتها الفكرية والشعورية، خصوصا حين تسجن الآخرين في انتماءات ضيقة (مذهبية أو عرقية) مثلما يستطيع التغلغل إلي أعماق الروح الإنسانية، ليبرز قدرتها علي تجاوز هذه الانتماءات، والدخول إلي عوالم رحبة، تحرر الإنسان من إكراهات تربي عليها، عندئذ يمكن المتلقي أن يعايش مكونات أصيلة تجمع بين البشر، ويتبين عبر هذا الفن، كيف يتحول الاختلاف إلي رحمة، فيؤسس لثقافة ينفتح فيها الإنسان علي أخيه الإنسان ويحترم ما يميزه»‬
هكذا ترتبط العلاقات الإنسانية بوجودها رهانا علي الارتقاء إلي مفهوم أعلي من مستوي العلاقات التي يلعب دائما فن الرواية كفن سردي علي وتر سبر غور بواطنها واستقصائها من خلال حوار إنساني هو بالضرورة مفتاح مهم للولوج إلي أسرار النفس البشرية علي مختلف توجهاتها ومحاولة الوصول إلي الأعماق أو إلي الجذور الإنسانية التي تربط البشر ببعض إيمان بأن جميع الحضارات والتوجهات والنزعات الإنسانية والعرقية قد خرجت من معين واحد وبوتقة واحدة.. وربما كانت تلك الرؤية مما يلوح بدايةً للولوج في العمل الروائي »‬صديقتي اليهودية» للروائي الأردني »‬صبحي فحماوي» والذي يملك أول أسلحته وقناعاته بذلك المفهوم للأنا والآخر، من خلال هذا العنوان لرواية عربية كاتبها أردني عربي، واقع جغرافيا قبل وقوعه النفسي والمعنوي في بؤرة الصراع العربي الصهيوني، فدلالة العنوان قد لا تحتاج إلي تأويل ولا محاولة استكناه هذا الطرح الإبداعي/ المفتتح.. لكنه قد يوثق علاقة من نوع آخر قد تثير جدلا وترقبا للمتلقي وهو يبادر بتصفح تلك الرواية وتشعل تكهناته وتلعب علي وتر الإثارة التي تتخذ من العلاقة بين مكونات العنوان: (الصداقة، واليهودية، وتاء التأنيث) التي تعطي في مكونها هذا المعني المبطن والساعي إلي إثارة الجدل، من أجل طرح مفاهيمي يخص الكاتب قد يكون من أسباب اختيار هذا العنوان لهذه الرواية من خلال بدايتها الخطية الممهورة بالتواريخ، دلالة علي تراتبية تلك الأحداث التي يجعلها السارد العليم المتحدث علي مدار الرواية عن ذاته وعن الآخرين.. ومن خلال خلفية مكانية متحركة عبر زمن محدود لرحلة سياحية في أصقاع أوربا أو الغرب الذي يمثل عنصرا آخر من عناصر الآخر في الرواية/ الواقع.. قد تدفع القارئ أو توهمه بأن العمل هو من قبيل أدب الرحلات يبرع فيه الكاتب في الوصف الساحر للطبيعة ولجماليات المكان، ما قد يجعلها عملا أدبيا هجينا بين الرواية وأدب الرحلات.
حوار الأنا والآخر
من خلال الحوار الممتد الذي يمثل فنيا عصب هذا العمل الروائي، يمثل جدلية العلاقة بين الأنا والآخر اليهودي/ الصديقة اليهودية التي يأتي اللقاء معها علي خلفية الرحلة السياحية التي ربما تمثلت فيها أطياف عدة من شخصيات تمثل عرقيات وجنسيات مختلفة تبرز مدي الارتباط الإنساني قبل الأيديولوجي الذي يسم كل العلاقات بالتوتر.. كحيلة سردية لخلق ما يشبه المكان أو المجتمع الروائي الذي يستطيع الكاتب أن يجعله إطارا مكانيا للعمل ينطلق به إلي كل الأماكن وإشكاليات الوجود التي يعانيها السارد المشارك في الحدث الروائي والمتفاعل به علي نحو ما سنري.. حيث يستهل الكاتب روايته:
»‬تستعد الحافلة للانطلاق صباحا بمحرك ينفث بهدوء بخارا شاحب البياض من عادمه عند ساحة بيكاديللي وسط لندن بركابها المنتظرين اكتمال عدد أفراد المجموعة، لتطوف بهم في رحلة سياحية في سبع من دول شمال أوروبا»
ليلج إلي هذا الصدام أو الاشتباك النفسي الضاغط للعلاقة بين هوية العربي وهوية الغربي/ الآخر من خلال كل المواقف التي تواجه السارد لتبرز إلي حد كبير صور هذا التنافر في العلاقة الخارجية للبشر من خلال توجهاتهم الأيديولوجية، ذلك الوتر المشدود الذي تلعب عليه الرواية علي مدار السرد سواء بالضغط والتلميح من رفاق الرحلة الغربيين علي السارد الرئيسي للرواية/ العربي الذي أعطته الرواية اسم »‬جمال»بدلالته العربية نسبة إلي الزعيم العربي جمال عبد الناصر.. أو بالضغط النفسي للمقارنة بين العالمين وبين مواطني كل عالم منهما لإشعال التناقضات المذهلة.. ما قد يعطي الرواية مسحة ساخرة قد يخرج بها السرد عن خطه الرئيسي ربما ليستطيع الاستمرار في شد وتر العلاقة الملتبسة والمتأرجحة مع جميع الشخوص الواقعة في أسر تلك العلاقة سواء كانت شخوصا رئيسية مثل »‬يائيل» الصديقة اليهودية، أو ما عداها من شخصيات ظل أو شخصيات ثانوية تدور في فلك ما يحدث بين الشخصية العربية والشخصية اليهودية.
إذن هي لعبة صراع ثقافي تفرض وجودها في مواجهة كل هذا الكم من الأضداد، التي ربما انبثقت منها فلسفة التعامل مع مفهوم الآخر الذي ربما تحول كلية ليصير في كفة بينما اليهودي المتعصب الصهيوني في الكفة الأخري.. تلك الإشكالية التي ربما أثارتها الرواية في تضاعيفها، والتي حرص الكاتب علي بلورتها من خلال حكاياته الداخلة في غمار التجارب الخاصة به في رحلات سابقة.. بالمعني/ الشكل الذي تتخذ به الرواية بعدا رؤيويا مجسدا للحالة النفسية للسارد الذي يصل في كثير من المواضع إلي حد الثرثرة أو الوقوف الممل علي تفاصيل التفاصيل لمد جسور التواصل مع الآخر الذي لا يخشي وجوده اتكاءً علي معايشة لطبيعته بما أنهما بالأصيل أصبحا أبناء منطقة واحدة مشتعلة بالحروب والصراع في مقابل (غرب) بعيد عن تلك الصراعات.
»‬توترت الحافلة بركابها الذين شنفوا آذانهم، وجحظت أعينهم لمشاهدة هذا الإرهابي العربي، الذي يلج عليهم خلوتهم، فينكدُ عليهم، يعكر جو فرحهم في هذه الرحلة السعيدة، إذ لم يكن متوقعا أن يكون بينهم سائح عربي، في هذا العصر الذي وسموه ظلما بالإرهاب العربي الإسلامي وألبسونا إياه زورا وبهتانا بهدف شيطنتنا، بعد احتلال كامل تراب فلسطين، و دفع تحالف أكثر من ثلاثين دولة غربية لتحطيم عراقة العراق، ومن ثم سائر البلاد العربية، وذلك علي مبدأ »‬رمتني بدائها وانسلت»
بما يجعل من تلك الحافلة ضميرا مصغرا للمجتمع الإنساني الذي يتمثله السارد كي يضع فرضياته ورؤاه التي يحاول بها تجسيد تلك العلاقة/ النتيجة الجديدة أو الأمل في عقد حوار يغير من الثوابت والفرضيات القديمة من أجل إنتاج حالة من محاولة الاتساق مع الطبيعي، والرؤية التي مفادها أن البشر كلهم في بوتقة واحدة مهما اختلفت أيديولوجياتهم وتوجهاتهم ونزاعاتهم العرقية والمذهبية والتاريخية، والجغرافية المستمدة من واقع يفرض دوما منطق المقارنة الظالمة، كما يفرض سمة الصراع المنقول من بقعة من العالم إلي بقعة أخري هي الشرق الأوسط، بما يفيد فكرة التسييس التي يحاول النص الروائي التأكيد والاتكاء عليها في ذات الوقت، ولعل هذا الحوار بين يائيل والسارد لدال علي هذا الصراع بداية:
»‬نحن نبني دولتنا التي انتظرناها منذ ثلاثة آلاف عام، يا جمال وها نحن نراها تولد كما شئنا لها.. يجب أن نضحي» تضحون بماذا؟ بأنفسكم وبسعادتكم وبشخصيتكم التي تحولت صورتها في العالم كله، من مظلوم إلي ظالم؟»
»‬كل هذا عمل مؤقت، سينتهي عندما تقوم إسرائيل الكبري عندها سنمارس الديموقراطية الحضارية بكل معني الكلمة»
»‬لن تنتهي هجراتكم المتكررة، فأنتم شخصيات قلقة دائمة الحركة الحركة، وفلسطين هي أرض معارك متواصلة، اعتدنا عليها منذ نشوء المعرفة علي الأرض. ولذلك سماها رسولنا (أرض الرباط) »
الآخر/ الغرب
هنا يبرز نموذج أو عنوان كبير للآخر، وهو الآخر الغربي، هي من التقابلات الصارخة التي يطرحها النص الروائي من جدل المقابلة بين الغرب والعرب بين الحياة الجافة الهمجية وسط الحروب والاشتعالات التي يبرهن النص الروائي علي افتعالها من قبل الغرب، وبين الحضارة المادية والثقافية التي يعيشها الغرب علي أنقاض هذا الصراع الرهيب بين العرب وإسرائيل الصهيونية، ليدلل السارد علي ذلك اتكاء علي المعلوماتية والمعرفة الشاسعة بالمكان من خلال سمة »‬أدب الرحلات» وتفاصيلها الدالة علي المعرفة التامة بالمكان والغوص في تضاريسه.. والتفاصيل الدقيقة التي قد تدخل في سياقات بعيدة تماما عن السياق الرئيسي للصراع بين الأنا/ ال نحن/ الآخر، وإن كانت في بعض المواضع تمثل خيطا رفيعا جدا، وهو ما قد يمثل سمات من سمات الثرثرة التي يسقطها الكاتب كسمة من سمات العرب، كحضارة للقول لا الفعل بدليل تناثر المقولات المأثورة، وأبيات الشعر، والمواقف الحكائية الفكاهية والساخرة، والكم الكبير من الثرثرة والاعتماد علي الأساطير والحكايات.. وربما لملء فراغ نفسي يتعلل به السارد أحيانا.. ولعل ما يلوح من تصريح الشخصية اليهودية من تأكيد مزدوج علي دور هيمنة الغرب علي المقدرات: مساعدة اليهود من جهة، وإقصاؤهم عن المشهد الأوربي من جهة أخري
»‬ولكننا نستند علي سد منيع من القوي العالمية، المسيطرة علي الكرة الأرضية كلها »
وهو ما يؤكد عليه السرد علي مداره كجزء مهم من مفهوم التوجهات المزدوجة للسياسة الغربية التي استفادت من تاريخ سياسي وعسكري، وديني بتجارب أثبتت لها الخطر الصهيوني الذي زرعته في الشرق الأوسط ووسط كيان عربي خالص، كي تنقل بؤرة الصراع لتمتد رقعة الحضارة وتزدهر بعيدا.. وهو ما يعبر عنه السارد بهذا المشهد الدال والمجسد فنيا وتصويريا للعلاقة بين المستبد وفريسته إسقاطا علي العلاقة المتبادلة بين كل من الغرب والشرق، والعرب/ الفلسطينيين، والصهاينة
»‬تتجه نحو مؤخرة السفينة.. يفاجئك الكثير من النوارس وهي تنقض علي السمك المتعثر في تشقلبه بين الزبد الغزير الفوار تعبيرا عن انزعاج بحره من الفوضي الخلاقة التي يخلقها مخاض السفينة في هذا الماء اللجاج. تقف عصابة القتلة من النوارس البيضاء، وهي تسقط زرقها الأبيض المسود علي موج البحر متحدية لجبروته، وعلي قضبان حواف السفينة، بينما هي تنظر يمينا ويسارا، مغرورة بمناقيرها الحمراء، وكأنها أحمر الشفاه الذي تضعه حوريات البحر ليغوين به البحارة التائهين»
في جمالية من جماليات السرد في هذا النص الروائي خلال لقطة من لقطات الرحلة البحرية في تلك الأصقاع الغربية الذي كان التعبير فيها رمزيا مميزا بصوره البديعة التي يمكن تأويلها علي أكثر من مستو، وهي التي تفضح العلاقة بين القوي الناعمة المتغطرسة المتوارية في اللون الأبيض كرمز للسلام كما يقول السارد في موضع آخر، وهي التي تتلوث بالدماء البريئة.. في مفارقة أيضا بديعة.
الخطاب الثقافي
يبرز من خلال هذا الحوار أهمية الخطاب الثقافي.. الدور الذي تسعي إليه الرواية بشكل كبير للوصول إلي تلك اللغة المشتركة بين المتضادين أو المتناحرين، ربما اتكاء علي خطاب إنساني بالأساس قد يبرر هذه العلاقة التابوهية بين السارد/ جمال، وبين الآخر/ يائيل، من حيث كونها علاقة إنسانية بالأساس قائمة علي الانجذاب الجنسي الذي لم تستطع العوائق الكثيرة أن تمنعه، لتحول يائيل من مجرد (آخر) صهيوني إلي رفيق إنساني في شئون الحياة، ما قد يؤكد أن ما يرمزان إليه أنهما ضحية لهذا الآخر الغربي الذي ربما امتلك خطابا ثقافيا مختلفا وراقيا عن هذا الخطاب الثقافي العربي الأجوف، والخطاب الصهيوني الدموي المحمل بالحقد والشعور بالاضطهاد.
»‬التاريخ يتغير يا دكتورة يائيل.. انظري إلي جنوب أفريقيا التي تحررت اليوم من نظام الفصل العنصري..أتمني أن تغيروا هدفكم الوطني، خاصة بعد انتهاء عصر الجيتوهات الغربية. ضدكم، وهذا يشجع كل يهودي لأن يعود إلي وطنه الأصلي قبل الحرب العالمية، وبالنسبة لنا فنحن العرب نرحب بكل يهودي عربي ضللته الدعايات الغربية ليعود إليه وطنه العربي معززا مكرما»
تلك المحاولات من السارد اعتمادا علي اللغة التي تعامل بها مع هذا الآخر، والتي نجحت في تجسيد العلاقة بينهما، علي نحو من الغرابة والمفاجأة التي فاجأ بها السارد قارئه، متتبعا مسلسل الإثارة الذي بدأه بالعنوان، ثم بالاستجابة الإنسانية علي مضض محملة ببعض تلك المناوشات التي منبعها الاعتقاد الكامل بكل ما رسخ في النفوس وقر فيها من خلال خطاب ثقافي آخر توجيهي استطاع أن يزرع العداء والاستعداء المستمر، إلي جانب مبدأ السمع والطاعة الذي يتميز به كل فكر متطرف استبدادي.
مما ينبغي الإشارة إليه اعتماد الكاتب للاقتباس والتضمين في ثنايا نصه الروائي، للعديد من المقولات والأشعار والمأثورات العربية في الغالب، إلي جانب التوثيق لبعض الأماكن والآثار في قلب أوربا ذاتها بجوار الآثار التاريخية التي كانت سمة من سمات خطابه الثقافي في مواجهة الآخر/ الذي تحول إلي صديقة، مما ساهم في تحقيق جزء ولو يسير في معادلة حواره مع الآخر.. إلا أن الشق الأول منه ربما تحول إلي علاقة عكسية تبرز مدي حنجورية الخطاب الثقافي العربي الذي يعمد غالبا إلي الشعر، علي النقيض من الآخر الغربي، وهي ملاحظة ربما كان لها وجه آخر أو غرض آخر لدي الكاتب لتأسيس هذه السمة النفسية التي يلعب عليها دائما لشحذ الهمة، ولذلك قد يكون وجودها في الرواية ملتبسا إلي حد ما، كما أن التفسير العلمي قد جاء متسقا في أغلب أحواله كتضمين لمعلومة علمية أو صناعية في صالح الخطاب الثقافي الموجه في محاولات لفت الانتباه وتغيير لغة الخطاب إلي المصداقية العلمية والتفسيرية بعكس استخدام لغة الخطابة الشعرية والغنائية كما ألمحنا:
»‬بل شاهدي أن دخان المصانع البعيد هناك لا يلوث سماء انجلترا.. إذ تصدره الرياح الغربية باتجاه الشرق.. الدخان يتصاعد منها، وكأنه يكون غيوما قذرة تتراكض في السماء باتجاه الشرق.. قد يكونوا يفكرون أن هذا التلوث لا يهم، مادام ذاهبا إلي أوربا.. المهم أن تبقي بيئة بريطانيا العظمي بهيجة نقية.. إنهم يخلصون من زبالتهم وذلك بإرسالها إلي الشرق!»
فيلوح هنا التفسير العلمي في قول السارد للصديقة التي تميل إلي تلك اللغة من الخطاب وتستجيب، علي عكس استهجانها أو عدم فهمها للمأثور والمهجور من الأمجاد القولية والأسطورية للعرب، ربما ليتحقق جزء كبير من القناعة التاريخية المستندة إلي العلم، أو اللغة السائدة والتي يقتنع بها الآخر قبل أي شيء، بغض النظر عن إمكانية الاعتراف بالخطأ في حق من يمثل له أيضا آخر، ويريد أن يحصل منه استحقاقات يري ذاته جديرة بها دونه.. ومن هنا جاء مبدأ تبرير الاغتصاب والتدمير والمواجهة الشرسة للعالم بأسره.
لعل انتهاء النص من حيث بدأ، بانتهاء الرحلة السياحية (كغيرها)، يعمل عمل الدلالة أيضا علي الدوران في الفراغ واللاجدوي التي تتشبع بها الحالة السياسية والتي يراد لها السكون والخمول وإبقاء كل شيء علي ما هو عليه، بدليل التهكم في المشهد الساخر الذي يسخر فيه السارد/ جمال من »‬قمة أوسلو».. ولعل براعة المحاولة أو التكشف أو التسلل من خلال هذا النص الروائي قد أعطته ميزة المغامرة كما قلنا بداية من العنوان، ولكن هذه المغامرة ربما أتت علي مستوي الحالة الإنسانية التي ربما اكتملت باكتمال العلاقة الجنسية مع الصديقة اليهودية، كمحاولة لكسر إيهام الهيمنة الصهيونية وأوهامها علي طريقة الفارس العربي الهمام الذي ربما كان سيفه شيئا آخر، غير السلاح، مغاير ومخاتل، وعلي العكس تماما ربما كانت روحانية علاقته كشرقي أصيل سببا في إذكاء الحميمية التي تحترق فيها الروح في بوتقة الجسد فتنتج هذه العلاقة الأسطورية للجنس، كأداة إخضاع وانتصار
تنتهي رحلتنا.. لا أعرف كيف ودعتها.. هل وعدتها بزيارتها في مدرستها المكسيكية؟.. هل وعدتني بزيارتي في عمَّان؟.. هل لعلاقتنا أن تتوطد، وتستمر؟.. كل الذي أذكره أن الأفق كان ضبابيا، وأن دموعنا الممتزجة علي وجهينا الملتصقين، لم تجعلنا نشاهد بعضنا بعضا ونحن نقف متداخلين بالأحضان بقبلة لم تنته ببساطة عند حاجز ركاب الطائرة التي أقلتني لأعود من هناك إلي عمَّان.
ولعل تلك الأسئلة تمثل ردود أفعال لم تكن واردة، ولكنها ربما عكست الرغبة الشديدة في التواصل الإنساني الذي ربما انتصر هنا في ضمير النص الروائي، علي الجانب الجغرافي والسياسي بما يمثل خطابا جديدا للتعامل مع الآخر الذي يمثل عنوانه الأكبر الصدام والاختلاف في كل ألوانه، لتكون العلاقة تلك هي مفارقة النص وسؤاله، وإمكانية تحقيقه علي أرض الواقع بالمفهوم الإنساني عموما؟.. وما قد يفك شيفرة عنوان الرواية!! وما يدفع بالأسئلة في اتجاه الوجود المشترك علي أرض الواقع، انزياحا إلي عدة عوامل نفسية، قد تؤثر في فلسفة هذا الوجود، وربما كرست لثقافة الخطاب الذي ربما تمركز في هذا الخطاب الإنساني الذي يحاول أن يجمع البشر، ولكن في علاقات دائرية ما تلبث تنتهي حتي تعاود كرتها نحو إعادة إنتاج الحالة/ العلاقة المتوترة من جديد، دلالة علي استمرارية هذا الصراع وهذا الجدل الدائر حول ماهية الخطاب الذي نتوجه به في تعاملاتنا مع نماذج الآخر في هذا الوجود المخاتل.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.