حزب المؤتمر: حكم الإدارية العليا أنقذ نزاهة الانتخابات وأغلب مرشحينا عادوا للسباق    الدولار ثابت في البنوك، يسجل 47.64 جنيها    رغم شكوى لبنان لمجلس الأمن..توقعات باشتعال الحرب بين حزب الله والاحتلال الصهيونى    باكستان تعلن استعدادها لإرسال قوات إلى غزة وترفض المشاركة في أي تحرك لنزع سلاح الفصائل    محمد صلاح على دكة البدلاء، تشكيل ليفربول لمواجهة وست هام في الدوري الإنجليزي    عروض من الخليج وليبيا.. محمد مجدي أفشة يحسم مصيره مع الأهلي بعد كأس العرب    ضبط 1850 كيلو سماد زراعي مدعم قبل تهريبه إلى السوق السوداء بالفيوم    بالأسماء، نتائج جائزة مكتبة الإسكندرية للمبدعين الشباب في دورتها الأولى    وزير الثقافة يهنئ الكاتبة سلوى بكر لحصولها على جائزة البريكس الأدبية    تطهير مآخذ محطات مياه الشرب بمدن القناة    وزير التربية والتعليم يفاجئ 6 مدارس تعليمية في دمياط    مصدر من الأهلي ل في الجول: مفاوضات التجديد مع ديانج لم تنجح حتى الآن    الإسماعيلية تستضيف بطولة الرماية للجامعات    محاضرات توعوية وورش فنية ضمن أنشطة قصور الثقافة بمدارس بشاير الخير بالإسكندرية    "القاهرة الأهلية" تختتم فعاليات القافلة الطبية للكشف والعلاج لطلاب كليات القطاع الصحي    عاجل| يصل إلى 13 ألفا و360 جنيها.. تعديلات جديدة على المعاشات وأجور الاشتراك التأميني    على مدار الساعة.. سعر الريال القطرى اليوم الأحد 30 نوفمبر 2025    الثلاثاء المقبل.. "الوطنية للانتخابات" تعلن نتيجة المرحلة الثانية من انتخابات مجلس النواب 2025    «الإحصاء»: 30.2٪ زيادة في صافي قيمة الدخل الزراعي 2023- 2024    «الخارجية» تعلن إطلاق سراح المواطنين المصريين الثلاث المختطفين في مالي    سامح حسين رئيسًا شرفيًا لمهرجان مسرح الجنوب    التحذير من التشكيك والحيرة ونشر روح التشاؤم في كل شيء.. موضوع خطبة الجمعة المقبل    وزير التعليم يجري جولة مفاجئة ب 6 مدارس بدمياط    وزارة الصحة: لقاح الأنفلونزا يمكن الحصول عليه من عمر 6 شهور    "الريف المصرى الجديد" تقدم 1000 كشف عيون مجانى لأهالى الطور    500 قتيل جراء فيضانات وانهيارات أرضية في 3 دول آسيوية    وزير الإسكان يتابع تجهيزات واستعدادات فصل الشتاء والتعامل مع الأمطار بالمدن الجديدة    مصطفى غريب: كنت بسرق القصب وابن الأبلة شهرتى فى المدرسة    دانيلو: عمتي توفت ليلة نهائي كوبا ليبرتادوريس.. وكنت ألعب بمساعدة من الله    ليس له خبرة إدارية.. محمود البنا يهاجم أوسكار رويز رئيس لجنة الحكام    فنزويلا تعلق علي قرار ترامب بغلق مجالها الجوي: سنرد ب كرامة وشرعية    وزيرة التضامن تصل الغربية لافتتاح مركز العزيمة لعلاج وتأهيل مرضى الإدمان    ضمن مبادرة «صحح مفاهيمك».. أوقاف السويس تنظّم ندوة تثقيفية حول «التنمّر وأثره على الفرد والمجتمع»    وزير الصحة: المشكلات بين المرضى والأطباء محدودة.. ولا تهاون في أي اعتداء على الفرق الطبية    وزير الخارجية يلتقي أعضاء الجالية المصرية بإسلام آباد    صندوق التنمية الحضرية : جراج متعدد الطوابق لخدمة زوار القاهرة التاريخية    القصة الكاملة لاعتذار عمرو يوسف عن الألفاظ الجريئة    الحبس وغرامة تصل ل500 ألف حال إعاقة أعمال الصيد بهذه الممارسات .. تعرف عليها    تعرف على مواقيت الصلاة اليوم الاحد 30-11-2025 في محافظة قنا    مزايا وحوافز من جهاز المشروعات الصغيرة.. تعرف عليها    كازاخستان تحتج على هجوم أوكراني بمسيرة على محطة نفط بالبحر الأسود    صراع الصدارة يشتعل.. روما يختبر قوته أمام نابولي بالدوري الإيطالي    حقيقة وجود فيروس جديد منتشر وتعطيل الدراسة بسببه| مسئول يكشف    تعليم القاهرة تعلن خطة شاملة لحماية الطلاب من فيروسات الشتاء.. وتشدد على إجراءات وقائية صارمة    180 ألف طن صادرات غذائية.. والبطاطا الحلوة والموالح تتصدران القائمة    تشكيل مانشستر يونايتد المتوقع لمواجهة كريستال بالاس    مواقيت الصلاه اليوم الأحد 30نوفمبر 2025 فى محافظة المنيا.... اعرف مواعيد صلاتك بدقه    7 ديسمبر.. عرض مسلسل "ميدتيرم" على منصة Watch It    وزير الدفاع يشهد تنفيذ المرحلة الرئيسية للتدريب المشترك « ميدوزا - 14»    هام من محافظ القاهرة بشأن مبادرة استبدال التوك توك بسيارات بديلة    عطل خط قطر 1000 مم يتسبب في قطع المياه بعدة مراكز بالفيوم    مركز المناخ يعلن بدء الشتاء.. الليلة الماضية تسجل أدنى حرارة منذ الموسم الماضى    نجت دائرة واحدة، حسابات معقدة في الفيوم بعد إلغاء نتيجة انتخابات مركز سنورس    دعاء الفجر | اللهم افتح لنا أبواب رحمتك واغفر لنا ذنوبنا    الرئيس السيسى فى خطاب لأبومازن: الشعب الفلسطينى البطل لا يزال مرابطا على أرضه متمسكا بحقوقه ومتشحا برداء البطولة.. موقف مصر ثابت وداعم للقضية الفلسطينية.. وأدعو المجتمع الدولى إلى إعادة بناء ما دمرته حرب غزة    تعرف على الدوائر الملغاة فى أسيوط    برنامج دولة التلاوة.. وماذا بعد؟    رويترز: المسؤولون الأمريكيون فوجئوا بإعلان ترامب إغلاق المجال الجوى الفنزويلى    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



تكفير الخطيئة:إلياس كانيتي وطابور العميان!
نشر في أخبار الأدب يوم 01 - 09 - 2018

في مطلع الثلاثينيات من القرن الماضي أرسل شابٌ حاصل علي درجة الدكتوراه في الكيمياء من جامعة فيينا مخطوطَ روايته الأولي إلي أديب نوبل توماس مانّ، مُستطلعًا رأيه. اعتذر مان اعتذارًا مهذبًّاعن النظر في الرواية لضيق وقته ولكثرة مشاغله.بعد أقل من نصف قرن، سافر الرجل نفسه إلي ستوكهولم لاستلام جائزة نوبل في الأدب سنة 1981. نتحدّث هنا عن الكاتب الألماني اللسان، الإسباني الأصل، والحائز علي نوبل في الأدب إلياس كانيتي (1905-1994). رواية »Die Blendung»‬ هي أولي روايات كانيتي، الذي حلّت ذكري وفاته في الرابع عشر من أغسطس الماضي. صدرتْ طبعة الرواية الأولي في فيينا عن دار نشر هيربرت رايشنر النمساوية سنة 1935.كانت فكرة الرواية قد لمعت في ذهن كانيتي حينما كان طالبًا يدرس لدرجة الدكتوراه في جامعة فيينا، حيث أراد كتابة متتالية روائية في ثمانية أجزاءٍ، مُعارضًا رواية بلزاك »‬الكوميديا الإنسانية»، فخطّط لتأليف متتالية روائية تدور أحداثها حول ثمانية نماذج بشرية خرقاء ومثيرة للسخرية.بمواصلة عملية الكتابة والحذف، تبخّرت شخوص الفكرة الأصلية ما عدا شخصية واحدة، هو بطل روايتنا مُدمن الكتب المجنون د. بيتر كِين.
أول ما يلفت انتباه القاريء للرواية عنوانُها؛ العنوان حمّال أوجه، فالمفردة يُمكن ترجمتها بالإعماء المتعمّد، وهي أيضًا العمي الذي يصيب العين فورالتقائها بالنور الساطع، بينما آثر مترجمو الرواية إلي الإنجليزية ترجمةَ العنوان ترجمةً تأويلية خالصة، فتُرجِمَ العنوان إلي »‬مراسم تكفير الخطيئة »‬Auto-da-fé، وهو مصطلح قروسطي يشير إلي إجراء طقسيّ كان يخضع له المُدانون بالهرطقة في أثناء سطوة محاكم التفتيش الإسبانية، وكان ينتهي –غالبًا- بعقوبة الإعدام حرقًا؛ وكلها إشارات رمزية ترسم حياة البطل من البداية إلي النهاية.

في دراسة صدرتْ عن دار مطبوعات فيشر للجيب سنة 1985 حول أعماله، صرّح كانيتي أنّه أخضعَ الرواية لمراحل مختلفة من الكتابة والتنقيح. ففي المسوّدة الأولي أطلق كانيتي علي البطل اسم Bوهو اختصار لBüchermensch أو رجل الكتب، ثمّ عدّله إلي Brand في محاولة لصنع جناس صوتي مع اسم »‬كانط» الفيلسوف الألماني الأشهر )في توريةٍ تسخر من نمط حياة إيمانويل كانط، الصعب المنغلِق)، لكنّه عدّل الاسم إلي كِين بناءً علي توصية من صديقه الروائي هيرمان بروخ. كما أشار كانيتي إلي تأثّره بعددٍ من الكُتّاب في أثناء كتابة الرواية، من بينهم فرانتس كافكا في روايته القصيرة »‬التحوّل»، و»‬الأنفس الميّتة» لجوجول، و»‬الأحمر والأسود» لستندال.
تنتمي الرواية إلي الأدب »‬الجروتيسكي»، أي الأدب الغرائبي المُشوِّه للواقع، والمُطعَّم بقطرات مركزّة من السخرية الحادة والسوريالية السوداء. والجروتسك مصطلح ارتبط عند ظهوره بالفنون الجميلة، إذ أُطلق في الأصل علي الرسوم المُكتشَفة في مناطق كانت مغمورة بالتراب في إيطاليا وتَحتوي علي رسومات عجائبيّة. فيما بعد تَوسّع المعني واستُخدمتْ الكلمة في علم الجمال كصفة أو طابَع لكل ما هو غير مُنتظم،ومتَّصف بالغرائبية، ولكلّ ما هو مضحك من خِلال المُبالَغة والتشويه والتناقض مع كل ما هو سامٍ ورفيع.
يري النقّاد أنّ كانيتي انطلق من وجهة نظر الفرنسي فيكتور هوجو حينما وصفَ الجروتيسك بأنّه:”بالنِّسبة لنا معشر الروائيين هو أغني اليَنابيع التي تستطيع أن تدلّنا علي الفنّ الحقيقي”.
استطاع كانيتي في روايته أنّ يرسم رواية جروتيسكية محبوكة ببراعة من خلال الربط المتواصل بين حالة الحُلم والعِلم، وبين ما يجري علي أرض الواقع والهلاوس التي تجري في رأس البطل.بطل الروايةعاشقٌ مولع بالكتب،ويرفض التواصل مع الناس، مُعتزلًا العالم في مكتبته الضخمة. بطلنا هو بروفيسور بيتر كِين، أستاذ فقة اللغة الصينية الأشهر في زمانه، وهو رجل غريب الأطوار في الأربعين من عمره، يعيش منعزلًا في شقّة بالعاصمة النمساوية فيينا (حيث كان يعيش كانيتي). وهي ليست شقّة، بل بالأحري مكتبة ضخمة تضم ما يزيد علي خمسة وعشرين ألف مجلد، لا يزورها النورُ إلا من خلال طاقةٍ صغيرة تتوسّط سقف حجرة المكتب، فجدران الشقّة مغطاة بالكتب.يعيش بروفيسور كِين حياةً رهبانية متقشّفة، والتقشّف هنا موصول من أول الكلام مع البشر وصولًا إلي رفض الزواج واحتقار المرأة. فالرجل غير مهتمّ بالتواصل مع أي مخلوق.لا تشغل باله النساء ولايؤرّقه الجنس، وربما ولا الجنس البشري برمّته. يرفض بطل الرواية رفضًا قاطعًا التضحية بعمله الأساسي (وهو جمع الكتب القديمة والنادرة) لكسب المال، فيعيش علي ميراث والده لمدة عشر سنوات، وينشر مقالةً أو مقالتين دسمتيْن كل بضع سنوات، لإرضاء غرور الدوائر الأكاديمية داخل أوروبا. لكن ولعه المَرَضيّ بالكتب وبجمعها يدفعه للتفكير في الزواج من مُدبًّرة منزله غير المتعلمة تيريزا كرومبهولتس (ستة وخمسين عامًا)، اعتقادًا منه أنّها الشخص الوحيد الذي يمكنه المساعدة في صون مكتبته والحفاظ عليها.تتظاهر تيريزا بعشقها للكتب وبرعايتها لمكتبة د. كِين، مُحاولةً اجتذابه للوقوع في حبّها والزواج منها، وتنجح بالفعل في اصطياده. في ليلة الزفاف يحدث موقف صغير يغيّر كل شيء. تزيح تيريزا بحركة غير متعمّدة أحد الكتب المرصوصة فوق الأريكة التي كان ينام فوقها، فتجتاح الرجل سورة غضبٍ عارمة. بالتدريج تسقط الأقنعة، وتنكشف حقيقة تيريزا.حيث يتبيّن لكِين أنّ تيريزا عجوز ماكرة، أوقعته في شباكها لا بحثًا عن ظل رجلٍ، بل عن ظلّ حائطِ منزل تستحوذ عليه في نهاية المطاف، لتشتعل بعدها معركة وجودٍ حامية بين الزوجين؛ تشرع تيريزا يومًا وراء يوم في تقليص نفوذ الكتب داخل الشقّة، فتبدأ في إزاحة الكتب جانبًا، وتواصل مهمّتها بدأبٍ، بإقصاء كِين وكتبه من غرفة أكبر إلي واحدةٍ أصغر، وهكذا حتي ينزوي كِين في غرفه مكتبه لينام ويأكل ويقرأ داخلها، بينما تنفرد هي بباقي الغُرف.يقرر كِين استعادة نفوذه السابق داخل منزله، وإعادة الكلمة العليا إلي »‬قلعة الكتب» علي حد تعبيره. تتسّع الهوة بين الزوجيْن، فيلزم كِين حجرة مكتبه ولا يتبادل مع تيريزا كلمةً واحدة، فتنخرط تيريزا في علاقة غرامية مع تاجر موبيليا كانت تتردّد عليه يُدعي »‬السيد جروب»، أو السيد »‬بودّا». يحتدّ الصراع، لكن تيريزا الماكرة تنتصر، وتنجح في طرد زوجها المجنون من الشقة بلا رجعة. ويكون الطردُ بداية مواجهة كِين للعالم الحقيقي خارج أسوار المكتبة.يلتقي كِين في إحدي الحانات برجل يُدعي زيجفريد فيشر أو »‬فيشرلِه»، الذي يقنعه بأنه بطل شطرنج لا يُباري، ويخبر كِين برغبته في السفر إلي الولايات المتحدة ليشارك في بطولات الشطرنج العالمية، لكن يعوزه المال، فيبدأ في استدراج كِين الساذج واستلاب أمواله بطرق خادعة، موهمًا إياه بمحاولةٍ استرداد كتبه من تيريزا.
في كل يوم يصطدم كِين بخدعة جديدة، وبمخادعين جُدد، حتي ينهار ويسقط في دائرة جنون محقّق، فيعترف بجرائم لم يرتكبها (زوجته تيريزا مثلًا التي توهم أنها قتلها). يظهر شقيق بيتر كِين، طبيب أمراض النساء، والمعالج النفسيّ د.جيورج كِين، وهو الشخص الوحيد السويّ في الرواية،وهو الوحيد أيضًا المهموم بإعادة شقيقه إلي منزله وإلي مكتبته وإلي فردوسه المفقود. لكن بيتر كِين، الذي كان قد سقط بالفعل في دوامة جنون حقيقيّ، يُنكر جهود شقيقه، متهمًا إياه بالتواطؤ مع العالم الخارجيّ المجنون. في النهاية يعود بيتر كِين إلي مكتبته وإلي شقته. وبمجرد وصوله إلي منزله يضرم النار في الكتب فتحترق المكتبة، ويحترق د. كِين معها وبها، ومن هنا نفهم سبب ترجمة الرواية في نسختها الإنجليزية إلي »‬تكفير الخطيئة».

يشير عنوان الرواية إلي حالة »‬العماء» التي أصابت جميع أبطالها.وأهل العماء في الرواية علي نوعيْن: نوعٌ أعمته شهوة المال وحبّ التملّك مثل (تيريزا وبودّا وفيشرلِه المخادِع وغيرهم)، وآخر تعامي عن الحقيقة أو عن الاعتراف بها، وأولهم بيتر كِين، الذي قاده »‬تعاميه» المتعمّد عن الواقع وتجاهله لحقيقة أنّ العالم ليس محصورًا بين دفتيّ كتاب إلي عمي البصيرة، وإلي التخبّط، وإلي السقوط المتكرّر في أيدي النصّابين واللصوص. تناول العديد من كبار الأدباء رواية كانيتي بالنقد والتحليل. ربط بعضهم شخصية د. كِين بشخصية الفارس النبيل دون كيخوته دي لا مانشا، الذي كان غارقًا في قراءة كتب الفروسية، ولم تبدأ حياته الحقيقية إلا حين خرج إلي العالم، فتعامل معه بمنطق »‬التعامي» نفسه الذي تعامل به خليفته د. بيتر كِين، فنال من سخرية البشر ما نال، وأشار نقّاد آخرون إلي ملامح مشتركة تجمع بين. كِين وكانيتي وكيخوته وكانط، وربما يوزيف كا/كافكا؛ حيث تبدأ أوائل أسمائهم بالصوت »‬ك»، والتأويلات كلها مفتوحة.
يلاحظ قاريء الرواية، والمُحيطُ بسيرة كانيتي أنّ شخصية بيتر كِين واهتماماته هي انعكاس لشخصية إلياس كانيتي وميوله. فطالما أعرب كانيتي عن رغبته في تكريس نفسه للكتب وللتأليف والانعزال عن العالم، وتزوّج كانيتي من صديقته »‬فيتزا» في فيينا قبل عامٍ واحدٍ من ظهور روايته. كما أنّ لكانيتي شقيقاً اشتغلَ طبيبًا في باريس، اسمه جيورج كانيتي، الذي هو– بشكل أو بآخر- معادل موضوعي لشخصية »‬جيورج كِين» داخل الرواية.
السؤال المهم: هل أراد إلياس كانيتي في بداية مشواره الأدبي (ولأنه مثقّف حقيقي)تأديبَ ذاته بالسخرية اللاذعة منها، ومِن مثالية المثقّف الذي فقد اتصاله مع العالم، ومع الحقيقة، مُنعزلًا في فقاعةٍ هلامية من المثالية، أو في عالمٍ موازٍ، يظنّ معه أنّه في حضرة الحقّ وأن الحقّ في حضرته، وأن الآخرين ليسوا سوي جهلاء أو مُغيّبين أو عمين، بينما هو– في الحقيقة -أعمي يقود طابورَ عميان طويلاً؟.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.