عبلة الروىنى قبل عام كتب د. فيصل دراج عن زيارته لمصر بعد ثورة يناير، أبدي ملاحظة أساسية عند زيارته "لأخبار الأدب"..(إنهم جميعاً يتكلمون في السياسة، السياسة محور أسئلتهم، وهي الهاجس الأكبر).. الآن بعد عام ونصف من الثورة المصرية، نكاد لا نتكلم إلا في السياسة، هي السؤال الأول، والسؤال الثاني، والأخير، كل شيء آخر هو (ترف غير لائق) بتعبير المخزنجي.. هذا حالنا، وحال المصريين جميعاً، من المثقف إلي رجل الشارع البسيط، لا شيء آخر يشغله سوي الأحداث، التي تعصف بنا جميعاً وبمصائرنا.. (السياسة، القانون، الدستور، الاقتصاد، الديمقراطية، الانتخابات، الفاشية، والليبرالية، المحكمة الدستورية، الدولة الدينية، الدولة المدنية) إنها مفردات الحياة اليومية، ولغة الحوار الدائر.. لغة جديدة، هي امتداد لفضاء سياسي متنوع، وثقافة جديدة وفاعلة، وهي إيجابية بما أحدثته من تغيير في الوعي والشخصية، والانتقال من العزلة والانكماش واليأس وفقدان الهمة، إلي الإمساك بالمصير، والإصرار علي تقريره بأنفسنا، وهي رد الاعتبار المؤكد لمعاني وقيم سقطت سهواً لسنوات طويلة، أولها معني (الوطن). ما يحدث في مصر حالياً، فرض تقدم (السياسي)، وليس تراجع (الثقافي)..الثقافي الذي تم تحريكه بصور مختلفة، تعددت فيها مصادر المعرفة، هي أقرب للكرنفال الشعبي، الحشود التي تحركت في الميادين، وفي الوعي أعادت الاعتبار للفنون البصرية والأدائية والفنون الشفاهية . أحد وجوه المدينة الفاضلة عند "باختين".. ثمة أشكال ثقافية جديدة فرضت نفسها علي الواقع، الحشود التي تحركت في الميادين، وفي الوعي أعادت الاعتبار للفنون البصرية والأدائية والفنون الشفاهية، أعادت الاعتبار للجمهور في مواجهة القارئ المنعزل داخل الغرف المغلقة، ومثلما أحدثت الصورة تغييراً في بنية الكتابة، أحدثت الثورة تغييراً في بنيه الصورة والكتابة معاً. هل هي الثقافة الشعبوية تعود من جديد، أم هي اللحظة التي تبدع ثقافتها بعمق بنيوي، ليس مقطوعاً عن التاريخ السابق له، ثقافة تبدتْ في الهتافات، والشعارات، والجرافيتي، والموسيقي الإلكترونية، والفرق الجماعية، واللغة المنفلتة من سطوة السلطات، والخروج الي آخر مدي، بصورة لا نستطيع التحديد بين الفوضي والحرية.. لم تسقط الثقافة في بيات شتوي طويل، ولكن بدت مختلفة (توحد الإنسان المنقسم، وتعلم الطفل الملقي في العراء مبادئ المساواة).