د. غراء مهنا كتاب لمؤلف عربي مغربي صدر مؤخرا بالفرنسية فأحدث دويا من الإعجاب في الأوساط الغربية، وقد قرئ الكتاب علي نطاق واسع في فرنسا وإسبانيا وسائر البلاد القارئة بالفرنسية نظرا لأهميته ولأنه يناقش خطر انقراض الكتاب الورقي، وغربته في مواجهة الوسائط الحديثة، د.غراء مهنا أستاذ الأدب الفرنسي بآداب القاهرة وعضو لجنة الترجمة بالمجلس الأعلي للثقافة، خصت "الأخبار" بهذا العرض المكثف الوافي للكتاب ولأهم ما ورد فيه. في رواية عبد الله بيضا الأخير »وصية كتاب» يشعر الكتاب الورقي أنه مهدد ويقرر أن يقول كل شيء قبل وفاته. سيذكر حقائق تخصه كما تخص غيره وهي ليست مجرد حكايات تعتمد علي الذاكرة ولكنها علاقات وأحاسيس مختلفة، قصص حب وكراهية. وهي باختصار حياة كتاب ورقي أي نتاج الطبيعة الأم فهو من ورق الأشجار التي حطمت وفرمت لكي يكون له وجود، والكتاب الورقي ولد من حوالي ألفي عام وتغير وتحول وتطور، أحبه البعض وكرهه البعض الآخر، احترمه البعض ودهسه البعض الآخر، حافظ عليه البعض وحرقه الآخرون وتخلصوا منه. لقد وصل إلي حالة من الضعف تجعله يعجل بكتابة وصيته ويرفض أن يكون الكتاب الإلكتروني وريثاً له. والكتاب الذي يتحدث إلينا يعيش الآن محبوساً ومنسياً في خزانة القرويين، هذه المكتبة الشهيرة التابعة لجامعة فاس، وهي لم تعد مفتوحة للجماهير، يغطيها التراب ويعشش فيها العنكبوت. ويستعرض الأديب المغربي عبد الله بيضا تاريخ هذه المكتبة وأمجادها وتاريخ بنائها ويذكر من روادها ابن رشد ويذكر حريق الكتب كما صوره يوسف شاهين في فيلمه ويستعرض محارق أخري للكتاب في مكتبة الإسكندرية، وفي بغداد، ويذكر أشهر المكتبات عند العرب والعجم وحرائق الكتب هنا وهناك : محرقة ميدان الأوبرا ببرلين حيث تم حرق 20000 كتاب علي سبيل المثال، كما يستعرض الكتاب القوائم السوداء التي كانت تمنع قراءته، وأشكال الرقابة المختلفة سواء المعلنة أو المستترة، ويذكر القراء الذين أحبوه ومنهم الجاحظ الذي كرس حياته للكتاب، وكان لشكله القبيح دور في انعزاله وانصرافه عن الناس وإقباله علي الكتاب. ويقول الكتاب: الوصية تشمل بالضرورة التاريخ واليوم والشهر والسنة لكن قصتي تتعدي حدود الزمان؛ هي في كل وقت وكل عصر. ويتساءل هل هو كتاب، أم الكتاب أو عنوان ما، هل هو مفرد أم جمع، فحياته تختلط بحياة الآخرين ولا يفرق بين ما هو شخصي وجماعي. يقدم عبد الله بيضا علي لسان الكتاب حكايات كثيرة ووقائع تتكامل وتتشابك وتحكي سيرة حياة كتاب، ما رآه، وما سمعه، وما شعر به. كان البعض يعاملونه باحترام وتوقير، ويلمسونه برقة، والبعض الآخر يتباهي بوجوده في خزانة الكتب التي لا يفتحها أحد ولا يطلع أحد علي ما بها فهي أحد أسباب الوجاهة الاجتماعية. ويحكي الكتاب عن ناس دافعوا عنه وأحبوه، بعضهم من المشاهير والبعض الآخر لا يعرفهم أحد، أحبوه وبدأوا بإنشاء مكتبات في أماكن منعزلة يعيشون فيها وذلك باقتناء الكتب من كل مكان، من القمامة، من التبرعات، من أماكن مختلفة، وبعض هذه الكتب يحتاج إلي إصلاح وتجديد.. وتبدأ المكتبة بعدد قليل من الكتب وعدد قليل من الرواد ثم يزداد العدد ويقرأ السكان ويحبون الكتاب ولا يستغنون عنه في حياتهم. وكما بدأ الكتاب في مكتبة القرويين في فاس التي مازالت مغلقة وفي حالة يرثي لها ينتهي فيها حيث ينتظر الكتاب الموت. ولكن يشعر الكتاب ذات يوم بأصوات وأقدام تدخل المكتبة وتبين أنها رحلة مدرسية ليست للإطلاع علي الكتب أو القراءة ولكن ليري التلاميذ هندسة هذه المكتبة العريقة وبناءها. وتتسلل طفلة صغيرة وتمسك بالكتاب ويشعر بيدها وهي تتحسسه وتقلب صفحاته ويشعر بالسعادة فهو لم تلمسه يد منذ زمن بعيد؛ وينادون علي الطفلة، اسمها أمل وتأخذ أمل الكتاب وتخفيه تحت ملابسها وتخرج به من المكتبة ويولد الأمل من جديد.