وزير البترول يبحث مع شيفرون الأمريكية تسريع ربط حقل أفروديت القبرصي بمصر    المفوضة الأوروبية للتوسيع تزور تركيا لمناقشة التعاون في الاستقرار والترابط الإقليميين    العراق: ندعم المفاوضات الإيرانية الأمريكية في عُمان    الناتو والاتحاد الإفريقي يعززان شراكتهما العسكرية خلال محادثات رفيعة المستوى في أديس أبابا    المقاولون العرب يفوز على وادي دجلة في الدوري    الصحة: 30 ألف طبيب وممرض يشاركون في علاج جرحى غزة.. وتطعيمات للأطفال ودعم نفسي بمعبر رفح    الهيئة العربية للتصنيع: وصلنا إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي في تصنيع عربات مترو الأنفاق والبضائع في مصر    وزيرة التنمية المحلية تتفقد مصنع معالجة وتدوير المخلفات بسندوب في الدقهلية    سفير أنقرة بالقاهرة: مصر وتركيا لديهما زعيمان قويان يضمنان أمن واستقرار المنطقة    تعرف على الأسهم الأكثر تراجعًا خلال تعاملات البورصة بجلسة نهاية الأسبوع    "حكاية الفدائي مستمرة".. الاتحاد الفلسطيني يحتفل ب عدي الدباغ هداف الدوري    خبر في الجول - الزمالك يتوصل لاتفاق مع الإيطالي كاديدو لقيادة فريق الطائرة    رسميا، البحوث الفلكية يعلن موعد أول أيام شهر رمضان 2026    رئيس لجنة الاتصالات بمجلس النواب: نناقش أزمة انتهاء باقات الإنترنت الأربعاء المقبل    الداخلية تكشف تفاصيل تعدي أجنبيتين على صاحبة دار لرعاية المسنين بالجيزة    مسلسل أولاد الراعي.. لا يفوتك فى رمضان على قناة cbc    رمضان 2026 .. قناة CBC تطرح البوستر الرسمى لمسلسل على قد الحب    شيخ الأزهر يستقبل الطالبة الكفيفة مريم حافظة كتاب الله ويوجّه بتبنى موهبتها    وصول الكتب المدرسية| مدارس الجيزة جاهزة للفصل الدراسي الثاني    جامعة كفر الشيخ تطلق قافلة شاملة في قرية أبو بدوي ضمن المبادرات الرئاسية    أخطاء المدافعين فى مصر    العثور على جثة متحللة لرجل بعزبة الصفيح في المنصورة    المستشار الألماني يزور قطر لإجراء محادثات حول التعاون وسط توترات إقليمية    بدعم إماراتي.. وصول سفينة «صقر» لميناء العريش من أجل تقديم المساعدات لغزة    الجسر العربي: استثمارات تتجاوز 55 مليون دولار ترفع حركة الشاحنات على خط «نويبع–العقبة»    الحارث الحلالمة: استهداف مظاهر الاستقرار فى غزة سياسة إسرائيلية ممنهجة    تعظيم سلام للأبطال| جولات لأسر الشهداء فى الأكاديمية العسكرية    الرقابة المالية تعتمد ضوابط جديدة لتعديل تراخيص شركات التأمين    النائبة ولاء الصبان: زيارة أردوغان لمصر تؤسس لمرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي والتجاري بين القاهرة وأنقرة    سكرتير محافظة سوهاج يشهد تدشين فعاليات المؤتمر الدولى الخامس لطب الأسنان    الإثنين.. افتتاح معرض "أَثَرُهَا" ل30 فنانة تشكيلية بجاليري بيكاسو إيست    «التنظيم والإدارة» يتيح الاستعلام عن نتيجة وظائف سائق وفني بهيئة البناء والإسكان    خالد الجندي يوضح معنى الإيثار ويحذّر من المفاهيم الخاطئة    محطة «الشهداء» تتحول لنموذج عالمى: تطوير اللوحات الإرشادية بمترو الأنفاق.. صور    الصحة العالمية تُصوت لإبقاء الوضع الصحي في فلسطين في حالة طوارئ    "مجرد واحد".. تفاصيل رواية رمضان جمعة عن قاع الواقع    رئيس الوزراء يتابع جهود منظومة الشكاوى الحكومية خلال يناير الماضي    رافينيا يغيب عن برشلونة أمام ريال مايوركا بسبب الإصابة    رئيس جامعة المنوفية يعقد اجتماعًا لمجلس إدارة مركز الدراسات الاستراتيجية وإعداد القادة    تعليم القليوبية يشدد الإجراءات الأمنية قبل انطلاق الفصل الدراسي الثاني    طريقة عمل الثوم المخلل فى خطوات بسيطة وسريعة    تعليم القليوبية تدشن فعاليات منتدى وبرلمان الطفل المصري    الزمالك: دونجا ساعد الزمالك بالموافقة على الرحيل للدوري السعودي    مفيش رسوم نهائي.. شروط إقامة موائد الرحمن خلال شهر رمضان 2026    التقرير الطبي يكشف تفاصيل إصابة خفير بطلق ناري على يد زميله بالصف    شن حملة تفتيشية مكثفة على المحلات بالغردقة لضبط الأسواق.. وتحرير 8 إنذارات لمخالفات متعددة    هل يجوز الصيام بعد النصف من شعبان.. الأزهر للفتوى يجيب    صحة المنيا: مستشفى أبو قرقاص استقبلت 20 ألف مواطن وأجرت 193 عملية خلال يناير    عمر جابر خارج حسابات الزمالك في مواجهة زيسكو بالكونفدرالية    نشاط رياح مثيرة للرمال والأتربة على مطروح والساحل الشمالي والعلمين    الداخلية تضبط 462 تاجر سموم وتصادر 600 كيلو حشيش و285 قطعة سلاح    براءة طبيب من تهمة الإهمال والتزوير في قنا    سوق الدواجن يستقبل شهر رمضان بموجة غلاء جديدة وكيلو الفراخ البيضاء ب 100 جنيه    عبد الصادق الشوربجى: الصحافة القومية حققت طفرة معرفية غير مسبوقة    تشكيل أهلي جدة المتوقع أمام الحزم في الدوري السعودي    الرئيس السيسى لمجتمع الأعمال المشترك: نضع حجر أساس مرحلة جديدة طموحة جوهرها مصلحة شعبينا    الهدية.. العطاء الذي قبله النبي للتقارب والمحبة بين المسلمين    دعاء أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في شعبان    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أخبار اليوم تنشر صفحات من مذكرات عادل حموده »14«
نشر في أخبار الأدب يوم 06 - 04 - 2018


عادل حموده
عرفت جعفر نميري من سنوات الشطة والشيكولاتة إلي سنوات الثروة والشريعة!
استقرت بلاده بعد أن زار أقاليمها المختلفة ومنحها حكما ذاتيا واضطربت بعد أن طبق حدود الرجم والجلد وقطع اليد!
كان يؤمن بعصا سحرية أخذها من »شبح»‬ في الجنوب وعندما كسرت اكتشف مؤامرة لاغتياله وقلب نظام حكمه!
عملت مع صلاح حافظ ومصطفي أمين وأحمد رجب في مجلة الشرقية النسائية وتعلمت فيها الكتابة بأسلوب سهل انعكس علي مقالاتي السياسية!
حصل علي 20 مليون دولار من تهريب الفلاشا عبر السودان إلي إسرائيل ودفن النفايات النووية هناك!
قابلت ميرينا ميركوري النجمة اليونانية التي حاربت الديكتاتورية في بلادها بفن السينما حتي نالت الديمقراطية!
لم يكن ينجب فأقنعه المشايخ بأنه لو طبق الشريعة وتزوج من فتاة يقدمونها إليه سيحظي بولي العهد ولكن زوجته شكت بأن الفتاة ستكون حاملا بطفل سابق التجهيز!
هناك تجارب صحفية مهمة لم تحظ لقصر عمرها بالاهتمام الكافي منها تجربة مجلة »‬ الوادي »‬ التي عبرت عن التكامل بين مصر والسودان واتفق علي أن تصدر عن روز اليوسف في القاهرة ودار الصحافة في الخرطوم وتبادل مجلس مستشاريها الذي ضم شخصيات مؤثرة في البلدين هنا وهناك واتفق علي أن يتولي رئاسة تحريرها هبة عنايت وكنت أنا والصحفي السوداني شريف تمبل مديري التحرير .
وهبة عنايت فنان تشكيلي احترف الصحافة رسما وكتابة .. تخرج في كلية الفنون الجميلة وسافر مع زميلته تماضر بعد زواجها إلي الصين ليحصل علي دراسات عليا هناك .. وعاد منها وهو يحمل كثيراً من صفات الهدوء والصبر والدأب علي العمل .. وكان موسوعة ثقافية تمشي علي قدمين .. ونافسه في ذلك شقيقه راجي عنايت الذي اشتغل بالصحافة أيضا وهو والد جمال عنايت مقدم التوك شو المعروف .
اتاحت لنا الوادي أن نزور أقاليم مختلفة من السودان مثل النوبة في الغرب وجوبا في الجنوب والمقلد حيث ظهر البترول والجزيرة حيث زراعة القطن بجانب الخرطوم العاصمة وجارتها أم درمان التي يلتقي عندها النيل الأزرق بالنيل الأبيض ليتحدا في مسار واحد يتجه نحو المصب في مصر .
لكن هبة عنايت كان يحرر الوادي باسلوب »‬ ناشيونال جيوجرافيك »‬ بما تتميز من معلومات عن المدن والحيوانات والحضارات والقبائل فلم تحقق المجلة النجاح المتوقع لها وبعد عامين قرر أن يترك تحريرها لي وسافر إلي لندن في مطبوعة عربية تصدر هناك .
سارعت بتغيير حجمها من قطع كبير إلي قطع روز اليوسف ونقلتها من مجلة جغرافية إلي مجلة سياسية مستفيدا من الفراغ الذي تركته روز اليوسف بتراجعها الحاد وسقوطها المدوي ونشرت ملخصات لكتب هيكل الممنوعة وأحاديث لزعماء المعارضة فلفتت الأنظار وارتفع توزيعها ولكن ذلك لم يجد قبولا عند مبارك ونميري .
وفي ذكري إغتيال السادات نشرت للمحرر العسكري لدار الهلال حمدي لطفي تحقيقا سياسيا وجنائيا عن القضية التي نظرت في القوات المسلحة الخاصة بإهمال المسئولين عما حدث في مسرح الجريمة وكانت تلك القضية الثالثة في الجريمة بعد قضية مجموعة الإغتيال التي نفذتها وقضية تنظيم الجهاد الذي حرض عليها وكانت علي ما يبدو قضية محرمة لا يجوز الاقتراب منها فكان ما نشرناه عنها مبررا كافيا لضرب »‬ الوادي في مقتل » .
لكن الوادي والحق يقال أغلقت بطريقة لا تخلو من الأناقة .
بعد صدور العدد سافرت إلي الخرطوم لتغطية رحلة لمبارك هناك لتوقيع اتفاقيات جديدة للتكامل بين البلدين وهناك فوجئت بوزير الإعلام صفوت الشريف يطلب مني أن ألقاه في فندق هيلتون الذي ينزل فيه وسمعت منها أن الرئيسين اتفقا علي أن تصدر الوادي أسبوعيا لا شهريا وأن علي أن احدد طلباتي لتنفيذ الاتفاق ورحت أكتب في ورقة كبيرة ما أحتاج من امكانيات وأخذ الوزير القائمة ولكنه لم ينفذها بل أغلق المجلة الشهرية ولم يفتح المجلة الأسبوعية .
لم يعد للوادي التي حررتها وجود ولكنها ظهرت في شكل مختلف وبرئيس تحرير آخر هو أنيس منصور الذي اشرف عليها بعد خروجه علي المعاش في مجلة أكتوبر التي أسسها لكن المجلة التي أصدرها أغلقت بعد أعداد قليلة دون أن تلفت النظر وربما لم يسمع عنها أحد .
اتاحت »‬ الوادي »‬ لي التعرف علي شخصيات سياسية سودانية علي رأسها جعفر نميري الذي كان يمكن أن يكون أفضل رئيس حكم بلاده لو لم يتورط في فساد انتهي به إلي إعلان نفسه حاكما بأمر الله فطبق عليه الحد السياسي قبل أن ينجح في تطبيق الحد الديني .
أول مرة رأيت فيها نميري وجها لوجه وأنا بصحبة صلاح حافظ وهبة عنايت ومحمد محجوب الوزير في رئاسة الجمهورية السودانية وهو شيوعي سابق كانت زوجته الثانية تعيش في القاهرة واستولت بعد سقوط نظامه علي ما في حسابهما المشترك من أموال واختفت أما هو فلقي مصرعه تحت عمارة سقطت بالقرب من نادي هليوبوليس .
وكان المحجوب العقل المفكر لنميري بما في ذلك تحوله نحو الشريعة وصاغ محجوب مؤلف نميري الذي يبرر ذلك ونشر تحت عنوان »‬ النهج الإسلامي »‬ .
في ذلك اليوم استقبلنا نميري في استراحته بمعسكر »‬ الشجرة » حيث قيادة قوات حامية الخرطوم وما ان دخلنا عليه حتي اتصل بزوجته تليفونيا وقال لها : »‬ بثينة الجماعة عندي وهم سيتناولون الطعام معنا جهزي الوريج » .
و»‬الوريج » أو »‬ الوريق » أكلة سودانية تعد من ورق البسلة بعد التخلص من حبوبها بإلقائها للحيوانات ولم يتردد نميري في انتظار الطعام أن يفتح البار الكبير أمامه عارضا كل ما يملك من شراب فقد كان مولعا بالخمر والنساء ولم يكن بالطبع قد فاجأنا بانقلاباته وتحولاته الحادة من الضد إلي الضد ومن النقيض إلي النقيض .
وراح نميري يحكي ما تيسر من سيرته ليكملها لنا فيما بعد محجوب .
بدأ نميري روايته من وقت أن كان قائد حامية الجنوب وفي لحظة ما لا يتذكر مقدماتها ظهر أمامه فجأة شخص لم يلمح قدومه مادا إليه يده بعصا وما أن أمسك بها ونظر إليها متأملا حتي اختفي الرجل وكأنه تبخر .
تأخرت مرتبات جنوده وضباطه فقرر النزول إلي الخرطوم لجلبها وفي معسكر الشجرة هدد القيادات العسكرية العليا بأنه سيطيح بهم لو لم ينفذوا ما يريد والغريب أنه لم يجد مانعا من تنفيذ تهديده واختار الصيف موعدا للإنقلاب فلا أحد في ذلك الموسم يقدر علي المقاومة بسبب شدة الحرارة وفي 25 مايو 1969 قام بحركته وبثت إذاعة أم درمان بيانا للعقيد محمد جعفر نميري يعلن فيه استيلاء الجيش علي السلطة في البلاد ورقي نفسه مشيرا قبل أن يصبح رئيسا .
وفي اعماقه ظل نميري مؤمنا بسحر العصا التي منحها إليه الرجل الشبح في الجنوب ولم يكن يمشي بدونها وسمعت من هبة عنايت أنه ألغي احتفالاً سياسيا عندما كسرت العصا وأن مخابراته اكتشفت يومها مؤامرة لإغتياله .
ونجح نميري في إيقاف النزاعات القبلية والأهلية التي تفجرت في السودان بسبب مساحته الشاسعة وأقاليمه السبعة غير المتشابهة ودانت القبائل التي تسيطر علي تلك الأقاليم له بعد أن اشتبك وديا في مصارعة مع زعمائها وسجل أنه اول حاكم سوداني يزورها .
عاش نميري حياته بالطول والعرض حتي ظهر فيها عدنان خاشقجي تاجر السلاح الشهير .. تدخل خاشقجي لإنقاذ السودان من أزمات نقص الوقود بمقايضته بالصمغ العربي الوفير في البلاد وتطورت العلاقة بينهما لتصل إلي مرحلة الفساد فوافق نميري علي تهريب يهود الفلاشا من أثيوبيا إلي إسرائيل عبر بلاده وحصل في المقابل علي عشرة ملايين دولار وتضاعف المبلغ عندما وافق أيضا علي دفن النفايات النووية في بلاده أيضا .
وما أن أصبح مليونيرا علي غير ما خطط حتي بدأ يشعر بالقلق علي ثروته التي جناها من الحرام لمن تؤول بعد وفاته وهو لم ينجب ولا أحد من اشقائه أيضا .
هنا بدأ اللعب في دماغه وتدخلت قيادات الأحزاب والجماعات الدينية لإقناعه بأنه لو قطع صلته بالشيطان وسلك طريق الله ونفذ شريعته في البلاد وتزوج من فتاة شابة سيقدمونها إليه فإنه قطعا سينجب منها من يحمل اسمه ويرث ماله .
وبالفعل أعلن نميري قوانين الشريعة وحطم علنا مستودعات الخمر في قصره وبلده في استعراض صورته الكاميرات .. ونصبت محاكمات في الشوارع .. وبدأ مسلسل الرجم والجلد وقطع اليد يفرض نفسه علي أخبار العالم كل ليلة .. وفي الوقت نفسه راحت الفتنة السياسية تستيقظ بعد سنوات طويلة من النوم وأخذت الفوضي معها وتسللتا إلي كل المؤسسات السيادية المستقرة .
لكن نميري لم يهتم بانتقادات العالم التي اتهمته بالهمجية والوحشية فقد كان يريد أن يرضي المشايخ الذين وعدوه بتحقيق معجزة الإنجاب لكن تدخلت زوجته ومعها محجوب طالبين منه أن يفيق من غيبوبته فالذين وعدوه بطفل من الفتاة التي سيزوجونها له سيوفون بوعدهم .. فعلا ستأتي الفتاة بطفل .. لسبب بسيط أنها ستكون حاملا به قبل أن يدخل عليها .
وفي رحلته الأخيرة إلي البيت الأبيض استقبله الرئيس الأمريكي رونالد ريجان ودعاه إلي عشاء في اليوم نفسه ولم يكن علي المائدة كما هو معتاد نخبة من المساعدين السياسيين ومستشاري الأمن القومي وإنما كان عليها مجموعة من أبرع جراحي الأطراف وهو ما أثار دهشة نميري وتضاعفت دهشته عندما أطفئت الأنوار وبدأ عرض فيلم تسجيلي قصير يصور عاملا في مصنع فورد للسيارات قطعت خمسة من أصابع يده ونجح الجراحون في إعادتها إلي ما كانت عليه .
وما أن عادت الأنوار حتي تهكم ريجان من عقاب قطع اليد الذي فرضه نميري في وقت نجح الطب في إعادة أصابع مقطوعة وتسبب ذلك في حرج واضح لنميري الذي فقد شهيته فلم يقرب أطباق الطعام التي وضعت امامه وهنا واصل ريجان السخرية مضيفا : »‬ لا تخشي شيئا يا فخامة الرئيس الطعام خال من لحم الخنزير ومذبوح علي الشريعة الإسلامية » .
ويوم تقرر مغادرة نميري واشنطن اتجه ليركب الطائرة من قاعدة أندروس الجوية وفوجئ هناك بعدد غير متوقع من مراسلي الصحف كرر عليه السؤال :
سأله الأول : أين ستذهب ؟ .
أجاب : سأذهب إلي الخرطوم ؟ .
وسأله الثاني : ما محطتك الأخيرة ؟ .
أجاب : الخرطوم طبعا .
وسأله الثالث : هل أنت متأكد ؟ .
هنا أجاب غاضبا : بكل تأكيد .
وحسب ما سمعت من شاهد عيان علي ما حدث في واشنطن - هو محمد محجوب - فإن نميري سئل نفس السؤال سبع مرات حتي فقد أعصابه متعجبا ومندهشا من تكراره ولكن ما أن حطت طائرته في مطار القاهرة للتزود بالوقود حتي فوجئ باتصال من مبارك يدعوه للبقاء في مصر لاجئا خشية علي حياته من الاضطرابات التي كانت تعم السودان وكانت نصيحة مبارك بطلب من واشنطن وفي تلك اللحظة أدرك نميري أن مراسلي الصحف الأمريكية كانوا يعرفون ما لم يكن يعرف فهو لن يعود إلي الخرطوم كما أجزم لهم .
وفي القاهرة عاد نميري إلي ما كان عليه بعد أن فقد كل شئ فلم يكن أمامه سوي الخمر لينسي المصير الأسود الذي حفره بنفسه .
وقد نشرت تلك القصص الخفيفة عنه وهو علي قيد الحياة ولم يكذبها .
كان السودان بين يديه قطعة من الشيكولاتة سرعان ما مزجها بالفساد والتصورات غير المناسبة لها فتحول في جوفه إلي نار من الشطة .
والحقيقة إننا كنا معجبين به لكننا سرعان ما اختلفنا معه ولو كنا قد نشرنا حواراته السياسية في روز اليوسف فإن جوانبه الشخصية أخذت طريقها للنشر في مجلة »‬الشرقية » .
أسست »‬ الشرقية » سميرة خاشقجي الشقيقة الصغري والمدللة لرجل الأعمال عدنان خاشقجي .. والدهما كان طبيب الملك عبد العزيز بن سعود .. ودون تردد أرسلهما الأب إلي الإسكندرية للدراسة في منتصف خمسينيات القرن الماضي وهناك تعرفت علي محمد الفايد مالك متاجر هارودز فيما بعد وتزوجته وانجبت منه عماد أو دودي .
درس عماد السينما في هوليوود وأخرج فيلم »‬ عربة جياد النار »‬ قبل أن يلتقي الأميرة ديانا ويعيش معها قصة الحب الشهيرة التي انتهت بقتلهما عام 1997 في باريس وسط شائعات غير مؤكدة بأن ديانا تحمل في أحشائها طفلا من شاب مسلم وإن لم يكن المسلم الأول الذي عرفته فقد أحبت قبله طبيبا باكستانيا (حسنات ) يقيم في لندن وتمنت الزواج منه .
وتزوجت سميرة مرة أخري من دبلوماسي وسياسي سعودي هو أنس ياسين عاشت معه في الهند وانجبت منه ابنتها جمانة قبل أن تطلق منه .
وتزوجت للمرة الثالثة من شاب لبناني عمل مع شقيقها هو عبد الرحمن الأسير تسبب فيما بعد في كثير من المتاعب النفسية التي هددت حياتها .
اختارت سميرة لنفسها لقب »‬ بنت الجزيرة العربية » توقع به أعمالها الأدبية ومقالاتها الافتتاحية في الشرقية وكثيرا ما كان يكتب تلك الافتتاحيات أحمد عبد الحليم الذي كان مديرا لتحرير مجلة حواء .
استقرت سميرة في فيلا في الزمالك وفتحت مكتبا للشرقية في وسط القاهرة يتلقي مقالات كبار الكتاب مثل مصطفي أمين وأحمد رجب وناصر الدين النشاشيبي ومني سراج ويوسف فرانسيس وصلاح حافظ الذي اختارته مستشارا للتحرير، وساعدته بطلب منه في عمله هناك فكيف اتأخر عن الأستاذ الذي شربت منه أصول الصنعة .
وفي مكتب القاهرة أيضا كانت المجلة تجهز فنيا قبل أن يحملها لويجي إلي أسبانيا لتطبع هناك ولويجي اثيوبي إيطالي تخصص في طباعة الأوفست وعمل في روز اليوسف سنوات طوال تحت قيادة محمد سليم المدير الفني لصباح الخير والذي انتقل منها إلي الشرقية .
وكلفتني الشرقية بتحقيقات خارجية تعرفت فيها علي دول كثيرة من العالم منها تحقيق يسجل رحلة الماس من مناجم استخراجه في جنوب أفريقيا إلي صياغته مجوهرات في فرنسا بعد أن عرفت أسرار تجارته في بلجيكا بالتحديد في مدينة انتويرب .
وسافرت مع سميرة في رحلة إلي اليونان قابلنا فيها النجمة السينمائية ميرينا ميركوري التي حاربت بفن السينما الديكتاتورية في بلادها قبل أن تنال ديمقراطيتها وقابلنا هناك أيضا رئيس حكومتها قسطنطين كرامنليس وزوجته .
وربما يستهجن البعض انتقالنا من صحافة السياسة إلي صحافة المرأة لكن من يفعل ذلك لا يعرف أن صحافة المرأة لها فضل كبير في تربية المجتمع من خلال القيم التي تنقلها للأسرة وعلي المستوي المهني تعلمت من صحافة المرأة الكتابة بأسلوب جذاب بسيط انعكس فيما بعد علي كتاباتي السياسية وتجاوز كثيراً من الكتابات السياسية الأخري التي يصعب هضمها فحروفها من زلط واسمنت وكلماتها من حديد وخشب .
وهناك زاوية أخري يصعب إغفالها وهي أن روز اليوسف بكل دورها السياسي والصحفي كانت تحت الاحتلال وتعاني من ضعف وهزال ولا تحتمل بصيصا من ضوء الحرية والاختلاف وفي وقت لم تكن فيه بدائل مادية كانت الشرقية فرصة يصعب تركها كما كان يكفيني وجود صلاح حافظ بكل مواهبة السحرية فيها .
ولابد من الإعتراف بأن سميرة خاشقجي كانت رائدة تنوير في بلادها سبقت بسنوات طويلة اتجاهات التحديث التي تعيشها الآن .
لكن الشرقية رغم نعومتها وأناقتها كادت أن تودي بي إلي السجن في تركيا كما أنها كشفت لي عن عالم خفي تحت الأرض تتصارع فيه أجهزة المخابرات لتحقيق أهداف غير مشروعة مستخدمة فيها جنون تجار السلاح بالمال ولو انتهي بعضهم بالقتل وانتهي البعض الآخر بالعجز عن الحركة .
ليس كل ما يبرق ذهبا .. وليس كل ما هو ناعم حريرا .. والتفاصيل والوقائع المثيرة تستحق الانتظار .


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.