شراكة بين إندرايف و"مصر الخير" لتدريب 327 طالبًا على مهارات البرمجة والذكاء الاصطناعي بالمحافظات    محمد عبد الوهاب: إطلاق أول مركز متخصص لخدمات التخطيط والتحليل المالي للشركات في الشرق الأوسط    لإنقاذ عقيد أمريكي.. ترامب يكشف تفاصيل جديدة عن عملية "كوماندوز غير مسبوقة" في عمق إيران    ترامب يهدد طهران: يوم الثلاثاء سيكون غير مسبوق ولا شيء يشبهه    وزير «الخارجية» يبحث مع غرفة التجارة الأمريكية سبل تعزيز الشراكة الاقتصادية    تأهب مصري عند معبر رفح لاستقبال مصابي غزة.. و3200 طن مساعدات تعبر إلى القطاع    مصدر من الزمالك ل في الجول: شيكو بانزا متواجد بمصر بشكل طبيعي.. وهذا موقفه    لحقت بابنيها.. مصرع سيدة إثر تصادم سيارة وموتوسيكل في قنا    تأجيل محاكمة 8 متهمين بقضية داعش الدرب الأحمر ل 18 مايو    البورصة المصرية تربح 51.2 مليارات جنيه بختام تعاملات الأحد 5 أبريل 2026    وزير العمل يتابع تطبيق نظام العمل عن بُعد بالقطاع الخاص عبر فيديو كونفرانس    جامعة القاهرة الأولى مصريا وإفريقيا.. وضمن أفضل 10% عالميا في تصنيف SCImago 2026    سعف النخيل يزين كنيسة أبي فام بالمراشدة.. أجواء مبهجة في أحد الشعانين بقنا    «الطفولة والامومة» يشارك فى وضع تشرعات لحماية الأطفال من مخاطر الفضاء الرقمي    حزب الله يقصف مواقع ومستوطنات صهيونية بالجليل.. وإيران تحذر الأمريكان : ستُفتح عليكم أبواب الجحيم    مدبولي: تطبيق سياسة مالية متوازنة لدفع النمو وضمان الاستقرار الاقتصادي    لو نورماند: لو ارتكبت نفس خطأ جيرارد مارتن كنت سأطرد.. والحكم زاد التوتر    في ختام معسكر الواعدين.. أبو ريدة: مصر تستحق الأفضل ولجنة الحكام تتمتع بالاستقلالية    رئيس جهاز حماية المنافسة: القانون الجديد يحقق الرقابة ويمنع الاحتكار    الشرقية تكثف حملات رفع الإشغالات وتغلق المحال المخالفة    3 قرارات ضد سائق متهم باستعراض القوة وارتكاب أفعال خادشة بهدف جذب المشاهدات    سقوط 3 متهمين بحجب المواد البترولية والإتجار بها في أسوان    أمل رشدي وإيهاب أبو الخير وأيمن عطية نواباً لرئيس قناة النيل للأخبار    تنشيط السياحة بالشرقية تنظم زيارة ترفيهية لأطفال مؤسسة تربية البنين    وزيرة «الثقافة» تتابع انتظام عمل الموظفين عن بُعد    «الرقابة الصحية» تعزز جاهزية منشآت المنيا للانضمام لمنظومة «التأمين الشامل»    بدء العمل عن بُعد بمحافظات التأمين الصحي الشامل وخفض استهلاك الطاقة 30%    كرة السلة، موعد مباراة الزمالك والشمس في ربع نهائي كأس مصر    الطقس غدًا في مصر.. أجواء مائلة للحرارة نهارًا وشبورة ورياح مثيرة للرمال والعظمى بالقاهرة 25 درجة    «الحياة بعد سهام» رحلة سينمائية عميقة بين مصر وفرنسا    تحرير 300 محضر تمويني في حملات على الأسواق والمخابز ببني سويف    غزة.. استشهاد فلسطيني من ذوي الإعاقة برصاص إسرائيلي    «ما وراء الحاضر.. حيث تتحول الأفكار إلى مدن» معرض فني ببيت المعمار المصري    ريهام عبد الغفور تكشف عن صعوبة اللغة العربية وحكاياتها الدرامية والسينمائية    مصر تدين الاعتداء على سفارة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة في دمشق    ضبط المتهم بضرب حصان باستخدام كرباج في القليوبية    جامعة قنا تناقش وضع هوية بصرية مستدامة للمشروعات الجارية    خلال 24 ساعة.. ضبط مئات القضايا الجنائية وتنفيذ أكثر من 71 ألف حكم    عمرو السولية: علي ماهر لا يقل عن أي مدرب أجنبي وسيراميكا لا يلعب لصالح أحد    نقابة المهن السينمائية تنعي الإعلامية منى هلال    شرق بورسعيد يستقبل أكبر سفينة صب جاف ترسو في ميناء مصري    القوات المسلحة تشارك أطفال مصر الاحتفال بيوم اليتيم.. شاهد    «الصحة»: تقديم 318 ألف خدمة علاجية بالقوافل الطبية خلال فبراير الماضي    البابا تواضرس يترأس قداس أحد الزعف بالإسكندرية ويدعو لترشيد الاستهلاك    «أهلي 2005» يواجه «زد» اليوم في ختام دوري الجمهورية للشباب    المتاحف تحتفي بالمناسبات الثقافية والوطنية بعرض مجموعة متميزة من مقتنياتها الأثرية خلال شهر إبريل    وزير الرياضة يهنئ «طلبة» بعد التتويج بفضية سلاح الشيش في بطولة العالم    وزير الرياضة يستقبل هنا جودة بعد إنجازها في كأس العالم لتنس الطاولة    تخطت مليار دولار، المركزي الأردني يطلق حزمة إجراءات احترازية لدعم الاقتصاد    رئيس مجلس الشيوخ يهنئ الأقباط بمناسبة أحد الشعانين وقرب عيد القيامة المجيد    تفاصيل اجتماع مجلس إدارة مستشفيات جامعة القاهرة مارس 2026.. متابعة خطة تطوير قصر العيني بمدد زمنية محددة.. استمرار تقديم الخدمة الطبية خلال التطوير    الصحة تشارك في مائدة مستديرة لتعزيز إتاحة وسائل تنظيم الأسرة بالقطاع الخاص    انطلاقة نارية ل«قلب شمس».. محمد سامي يجمع النجوم في دراما مشوقة وعودة خاصة لإلهام شاهين    تطورات عاجلة بعد تصريحات ترامب.. والسيناريوهات المتوقعة (فيديو)    السر الكامن في الصالحين والأولياء وآل البيت    أذكار النوم.. "الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور"    نشأة التقويم الهجرى الإسلامى    دار الإفتاء: ترشيد استهلاك الكهرباء واجب وطني وديني    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



عرفت جعفر نميرى من سنوات الشطة والشيكولاتة إلى سنوات الثروة والشريعة.. صفحات من مذكرات عادل حمودة (14)
نشر في الفجر يوم 13 - 04 - 2018

استقرت بلاده بعد أن زار أقاليمها المختلفة ومنحها حكما ذاتيا واضطربت بعد أن طبق حدود الرجم والجلد وقطع اليد
كان يؤمن بعصا سحرية أخذها من شبح فى الجنوب وعندما كسرت اكتشف مؤامرة لاغتياله وقلب نظام حكمه
حصل على 20 مليون دولار من تهريب الفلاشا عبر السودان إلى إسرائيل ودفن النفايات النووية هناك
هناك تجارب صحفية مهمة لم تحظ لقصر عمرها بالاهتمام الكافى منها تجربة مجلة «الوادى» التى عبرت عن التكامل بين مصر والسودان واتفق على أن تصدر عن روزاليوسف فى القاهرة ودار الصحافة فى الخرطوم وتبادل مجلس مستشاريها الذى ضم شخصيات مؤثرة فى البلدين هنا وهناك واتفق على أن يتولى رئاسة تحريرها هبة عنايت وكنت أنا والصحفى السودانى شريف تمبل مديرى التحرير.
وهبة عنايت فنان تشيكلى احترف الصحافة رسما وكتابة.. تخرج فى كلية الفنون الجميلة وسافر مع زميلته تماضر بعد زواجهما إلى الصين ليحصل على دراسات عليا هناك.. وعاد منها وهو يحمل كثيرا من صفات الهدوء والصبر والدأب على العمل.. وكان موسوعة ثقافية تمشى على قدمين.. ونافسه فى ذلك شقيقه راجى عنايت الذى اشتغل بالصحافة أيضا وهو والد جمال عنايت مقدم التوك شو المعروف.
أتاحت لنا «الوادى» أن نزور أقاليم مختلفة من السودان مثل النوبة فى الغرب وجوبا فى الجنوب والمقلد حيث ظهر البترول والجزيرة حيث زراعة القطن بجانب الخرطوم العاصمة وجارتها أم درمان التى يلتقى عندها النيل الأزرق بالنيل الأبيض ليتحدا فى مسار واحد يتجه نحو المصب فى مصر.
لكن هبة عنايت كان يحرر «الوادى» بأسلوب «ناشيونال جيوجرافيك» بما تتميز من معلومات عن المدن والحيوانات والحضارات والقبائل فلم تحقق المجلة النجاح المتوقع لها وبعد عامين قرر أن يترك تحريرها لى وسافر إلى لندن فى مطبوعة عربية تصدر هناك.
سارعت بتغيير حجمها من قطع كبير إلى قطع روزاليوسف ونقلتها من مجلة جغرافية إلى مجلة سياسية مستفيدا من الفراغ الذى تركته روزاليوسف بتراجعها الحاد وسقوطها المدوى ونشرت ملخصات لكتب هيكل الممنوعة وأحاديث لزعماء المعارضة فلفتت الأنظار وارتفع توزيعها ولكن ذلك لم يجد قبولا عند مبارك ونميرى.
وفى ذكرى اغتيال السادات نشرت للمحرر العسكرى لدار الهلال حمدى لطفى تحقيقا سياسيا وجنائيا عن القضية التى نظرت فى القوات المسلحة الخاصة بإهمال المسئولين عما حدث فى مسرح الجريمة وكانت تلك القضية الثالثة فى الجريمة بعد قضية مجموعة الاغتيال التى نفذتها وقضية تنظيم الجهاد الذى حرض عليها وكانت على ما يبدو قضية محرمة لا يجوز الاقتراب منها فكان ما نشرناه عنها مبررا كافيا لضرب «الوادى فى مقتل».
لكن الوادى والحق يقال أغلقت بطريقة لا تخلو من الأناقة.
بعد صدور العدد سافرت إلى الخرطوم لتغطية رحلة لمبارك هناك لتوقيع اتفاقيات جديدة للتكامل بين البلدين وهناك فوجئت بوزير الإعلام صفوت الشريف يطلب منى أن ألقاه فى فندق هيلتون الذى ينزل فيه وسمعت منه أن الرئيسين اتفقا على أن تصدر الوادى أسبوعيا لا شهريا وأن على أن أحدد طلباتى لتنفيذ الاتفاق ورحت أكتب فى ورقة كبيرة ما أحتاج من إمكانيات وأخذ الوزير القائمة ولكنه لم ينفذها بل أغلق المجلة الشهرية ولم يفتح المجلة الأسبوعية.
لم يعد ل«الوادى» التى حررتها وجودا ولكنها ظهرت فى شكل مختلف وبرئيس تحرير آخر هو أنيس منصور الذى أشرف عليها بعد أن خرج على المعاش فى مجلة أكتوبر التى أسسها لكن المجلة التى أصدرها أغلقت بعد أعداد قليلة دون أن تلفت النظر وربما لم يسمع عنها أحد.
أتاحت «الوادى» لى التعرف على شخصيات سياسية سودانية على رأسها جعفر نميرى الذى كان يمكن أن يكون أفضل رئيس حكم بلاده لو لم يتورط فى فساد انتهى به إلى إعلان نفسه حاكما بأمر الله فطبق عليه الحد السياسى قبل أن ينجح فى تطبيق الحد الدينى.
أول مرة رأيت فيها نميرى وجها لوجه وأنا بصحبة صلاح حافظ وهبة عنايت ومحمد محجوب الوزير فى رئاسة الجمهورية السودانية وهو شيوعى سابق كانت زوجته الثانية تعيش فى القاهرة واستولت بعد سقوط نظامه على ما فى حاسبهما المشترك من أموال واختفت، أما هو فلقى مصرعه تحت عمارة سقطت بالقرب من نادى هليوبوليس.
وكان المحجوب العقل المفكر لنميرى بما فى ذلك تحوله نحو الشريعة وصاغ محجوب مؤلف نميرى الذى يبرر ذلك ونشر تحت عنوان «النهج الإسلامى».
فى ذلك اليوم استقبلنا نميرى فى استراحته بمعسكر «الشجرة» حيث قيادة قوات حامية الخرطوم وما إن دخلنا عليه حتى اتصل بزوجته تليفونيا وقال لها: «بثينة الجماعة عندى وهم سيتناولون الطعام معنا جهزى الوريج».
و«الوريج» أو «الوريق» أكلة سودانية تعد من ورق البسلة بعد التخلص من حبوبها بإلقائها للحيوانات ولم يتردد نميرى فى انتظار الطعام أن يفتح البار الكبير أمامه عارضا كل ما يملك من شراب فقد كان مولعا بالخمر والنساء ولم يكن بالطبع قد فاجأنا بانقلاباته وتحولاته الحادة من الضد إلى الضد ومن النقيض إلى النقيض.
وراح نميرى يحكى ما تيسر من سيرته ليكملها لنا فيما بعد محجوب.
بدأ نميرى روايته من وقت أن كان قائد حامية الجنوب وفى لحظة ما لا يتذكر مقدماتها ظهر أمامه فجأة شخص لم يلمح قدومه مادا إليه يده بعصا وما إن أمسك بها ونظر إليها متأملا حتى اختفى الرجل وكأنه تبخر.
تأخرت مرتبات جنوده وضباطه فقرر النزول إلى الخرطوم لجلبها وفى معسكر الشجرة هدد القيادات العسكرية العليا بأنه سيطيح بهم لو لم ينفذوا ما يريد والغريب أنه لم يجد مانعا من تنفيذ تهديده واختار الصيف موعدا للانقلاب فلا أحد فى ذلك الموسم يقدر على المقاومة بسبب شدة الحرارة وفى 25 مايو 1969 قام بحركته وبثت إذاعة أم درمان بيانا للعقيد محمد جعفر نميرى يعلن فيه استيلاء الجيش على السلطة فى البلاد ورقى نفسه مشيرا قبل أن يصبح رئيسا.
وفى أعماقه ظل نميرى مؤمنا بسحر العصا التى منحها إليه الرجل الشبح فى الجنوب ولم يكن ليمشى بدونها وسمعت من هبة عنايت أنه ألغى احتفالًا سياسيًا عندما كسرت العصا وأن مخابراته اكتشفت يومها مؤامرة لاغتياله.
ونجح نميرى فى إيقاف النزاعات القبلية والأهلية التى تفجرت فى السودان بسبب مساحته الشاسعة وأقاليمه السبعة غير المتاشبهة ودانت القبائل التى تسيطر على تلك الأقاليم له بعد أن اشتبك وديا فى مصارعة مع زعمائها وسجل أنه أول حاكم سودانى يزورها.
عاش نميرى حياته بالطول والعرض حتى ظهر فيها عدنان خاشقجى تاجر السلاح الشهير.. تدخل خاشقجى لإنقاذ السودان من أزمات نقص الوقود بمقايضته بالصمغ العربى الوفير فى البلاد وتطورت العلاقة بينهما لتصل إلى مرحلة الفساد فوافق نميرى على تهريب يهود الفلاشا من إثيوبيا إلى إسرائيل عبر بلاده وحصل فى المقابل على عشرة ملايين دولار وتضاعف المبلغ عندما وافق على دفن النفايات النووية فى بلاده أيضا.
وما إن أصبح مليونيرا على غير ما خطط حتى بدأ يشعر بالقلق على ثروته التى جناها فى الحرام لمن تؤول بعد وفاته وهو لم ينجب ولا أحد من أشقائه أيضا.
هنا بدأ اللعب فى دماغه وتدخلت قيادات الأحزاب والجماعات الدينية لإقناعه بأنه لو قطع صلته بالشيطان وسلك طريق الله ونفذ شريعته فى البلاد وتزوج من فتاة شابة سيقدمونها إليه فإنه قطعا سينجب منها من يحمل اسمه ويرث ماله.
وبالفعل أعلن نميرى قوانين الشريعة وحطم علنا مستودعات الخمر فى قصره وبلده فى استعراض صورته أمام الكاميرات.. ونصبت محاكمات فى الشوارع.. وبدأ مسلسل الرجم والجلد وقطع اليد يفرض نفسه على أخبار العالم كل ليلة.. وفى الوقت نفسه راحت الفتنة السياسية تستيقظ بعد سنوات طويلة من النوم وأخذت الفوضى معها وتسللت إلى كل المؤسسات السيادية المستقرة.
لكن نميرى لم يهتم بانتقادات العالم التى اتهمته بالهمجية والوحشية فقد كان يريد أن يرضى المشايخ الذين وعدوه بتحقيق معجزة الإنجاب لكن تدخلت زوجته ومعها محجوب طالبين منه أن يفيق من غيبوبته فالذين وعدوه بطفل من الفتاة التى سيزوجونها له سيوفون بوعدهم.. فعلا ستأتى الفتاة بطفل.. لسبب بسيط أنها ستكون حاملا به قبل أن يدخل عليها.
وفى رحلته الأخيرة إلى البيت الأبيض استقبله الرئيس الأمريكى رونالد ريجان ودعاه إلى عشاء فى اليوم نفسه ولم يكن على المائدة كما هو معتاد نخبة من المساعدين السياسيين ومستشارى الأمن القومى وإنما كان عليها مجموعة من أبرع جراحى الأطراف وهو ما أثار دهشة نميرى وتضاعفت دهشته عندما أطفئت الأنوار وبدأ عرض فيلم تسجيلى قصير يصور عاملا فى مصنع فورد للسيارات قطعت خمسة من أصباع يديه ونجح الجراحون فى إعادتها إلى ما كانت عليه.
وما إن عادت الأنوار حتى تهكم ريجان من عقاب قطع اليد الذى فرضه نميرى فى وقت نجح الطب فى إعادة أصابع مقطوعة وتسبب ذلك فى حرج واضح لنميرى الذى فقد شهيته فلم يقرب أطباق الطعام التى وضعت أمامه وهنا واصل ريجان السخرية مضيفا: «لا تخشى شيئا يا فخامة الرئيس الطعام خال من لحم الخنزير ومذبوح على الشريعة الإسلامية».
ويوم تقرر مغادرة نميرى واشنطن اتجه ليركب الطائرة من قاعدة أندروس الجوية وفوجئ هناك بعدد غير متوقع من مراسلى الصحف كرر عليه السؤال :
سأله الأول: أين ستذهب؟.
أجاب: سأذهب إلى الخرطوم؟
وسأله الثانى: ما محطتك الأخيرة؟
أجاب: الخرطوم طبعا.
وسأله الثالث: هل أنت متأكد؟
هنا أجاب غاضبا: بكل تأكيد.
وحسب ما سمعت من شاهد عيان على ما حدث فى واشنطن هو محمد محجوب فإن نميرى سئل نفس السؤال سبع مرات حتى فقد أعصابه متعجبا ومندهشا من تكراره ولكن ما إن حطت طائرته فى مطار القاهرة للتزود بالوقود حتى فوجئ باتصال من مبارك يدعوه للبقاء فى مصر لاجئا خشية على حياته من الاضطرابات التى كانت تعم السودان وكانت نصيحة مبارك بطلب من واشنطن وفى تلك اللحظة أدرك نميرى أن مراسلى الصحف الأمريكية كانوا يعرفون ما لم يكن يعرف فهو لن يعود إلى الخرطوم كما أجزم لهم.
وفى القاهرة عاد نميرى إلى ما كان عليه بعد أن فقد كل شىء فلم يكن أمامه سوى الخمر لينسى المصير الأسود الذى حفره بنفسه.
وقد نشرت تلك القصص الخفية عنه وهو على قيد الحياة ولم يكذبها.
كانت السودان بين يديه قطعة من الشيكولاتة سرعان ما مزجها بالفساد والتصورات غير المناسبة لها فتحولت فى جوفه إلى نار من الشطة.
والحقيقة أننا كنا معجبين به لكننا سرعان ما اختلفنا معه ولو كنا قد نشرنا حواراته السياسية فى روزاليوسف فإن جوانبه الشخصية أخذت طريقها للنشر فى مجلة «الشرقية».
أسست «الشرقية» سميرة خاشقجى الشقيقة الصغرى والمدللة لرجل الأعمال عدنان خاشقجى.. والدهما كان طبيب الملك عبدالعزيز بن سعود.. ودون تردد أرسلهما الأب إلى الإسكندرية للدراسة فى منتصف خمسينيات القرن الماضى وهناك تعرفت على محمد الفايد مالك متاجر هارودز فيما بعد وتزوجته وأنجبت منه عماد أو دودى.
درس عماد السينما فى هوليوود وأخرج فيلم «عربة جياد النار» قبل أن يلتقى الأميرة ديانا ويعيش معها قصة الحب الشهيرة التى انتهت بقتلهما عام 1997 فى باريس وسط شائعات غير مؤكدة بأن ديانا تحمل فى أحشائها طفلا من شاب مسلم وإن لم يكن المسلم الأول الذى عرفته فقد أحبت قبله طبيبا باكستانيا (حسنات) يقيم فى لندن وتمنت الزواج منه.
وتزوجت سميرة مرة أخرى من دبلوماسى وسياسى سعودى هو أنس ياسين عاشت معه فى الهند وأنجبت منه ابنتها جمانة قبل أن تطلق منه.
وتزوجت للمرة الثالثة من شاب لبنانى عمل مع شقيقها هو عبدالرحمن الأسير تسبب فيما بعد فى كثير من المتاعب النفسية التى هددت حياتها.
اختارت سميرة لنفسها لقب «بنت الجزيرة العربية» توقع به أعمالها الأدبية ومقالاتها الافتتاحية فى الشرقية وكثيرا ما كان يكتب تلك الافتتاحيات أحمد عبدالحليم الذى كان مديرا لتحرير مجلة حواء.
استقرت سميرة فى فيللا فى الزمالك وفتحت مكتبا للشرقية فى وسط القاهرة يتلقى مقالات كبار الكتاب مثل مصطفى أمين وأحمد رجب وناصر الدين النشاشيبى ومنى سراج ويوسف فرانسيس وصلاح حافظ الذى اختارته مستشارا للتحرير وساعدته بطلب منه فى عمله هناك فكيف اتأخر عن الأستاذ الذى شربت منه أصول الصنعة.
وفى مكتب القاهرة أيضا كانت المجلة تجهز فنيا قبل أن يحملها لويجى إلى إسبانيا لتطبع هناك ولويجى إثيوبى إيطالى تخصص فى طباعة الأوفست وعمل فى روزاليوسف سنوات طوال تحت قيادة محمد سليم المدير الفنى لصباح الخير والذى انتقل منها إلى الشرقية.
وكلفتنى الشرقية بتحقيقات خارجية تعرفت فيها على دول كثيرة من العالم منها تحقيق يسجل رحلة الماس من مناجم استخراجه فى جنوب إفريقيا إلى صياغته مجوهرات فى فرنسا بعد أن عرفت أسرار تجارته فى بلجيكا بالتحديد فى مدينة انتويرب.
وسافرت مع سميرة فى رحلة إلى اليونان قابلنا فيها النجمة السينمائية ميرينا ميركورى التى حاربت بفن السينما الديكتاتورية فى بلادها قبل أن تنال ديمقراطيتها وقابلنا هناك أيضا رئيس حكومتها قسطنطين كرامنليس وزوجته.
وربما يستهجن البعض انتقالنا من صحافة السياسة إلى صحافة المرأة لكن من يفعل ذلك لا يعرف أن صحافة المرأة لها فضل كبير فى تربية المجتمع من خلال القيم التى تنقلها للأسرة وعلى المستوى المهنى تعلمت من صحافة المرأة الكتابة بأسلوب جذاب بسيط انعكس فيما بعد على كتاباتى السياسية وتجاوز كثيرا من الكتابات السياسية الأخرى التى يصعب هضمها فحروفها من زلط وأسمنت وكلماتها من حديد وخشب.
وهناك زاوية أخرى يصعب إغفالها وهى أن روزاليوسف بكل دورها السياسى والصحفى كانت تحت الاحتلال وتعانى من ضعف وهزال ولا تحتمل بصيصا من ضوء الحرية والاختلاف وفى وقت لم تكن فيه بدائل مادية كانت الشرقية فرصة يصعب تركها كما كان يكفينى وجود صلاح حافظ بكل مواهبه السحرية فيها.
ولابد من الاعتراف بأن سميرة خاشقجى كانت رائدة تنوير فى بلادها سبقت بسنوات طويلة اتجاهات التحديث التى تعيشها الآن.
لكن الشرقية رغم نعومتها وأناقتها كادت أن تودى بى إلى السجن فى تركيا كما أنها كشفت لى عن عالم خفى تحت الأرض تتصارع فيه أجهزة المخابرات لتحقيق أهداف غير مشروعة مستخدمة فيها جنون تجار السلاح بالمال ولو انتهى بعضهم بالقتل وانتهى البعض الآخر بالعجز عن الحركة.
ليس كل ما يبرق ذهبا.. وليس كل ما هو ناعم حريرا.. والتفاصيل والوقائع المثيرة تستحق الانتظار.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.