جامعة قناة السويس تستقبل وزير الأوقاف في مناقشة علمية لمعهد الدراسات الأفروآسيوية    المواطن يعاني من الغلاء.. نقيب الزراعيين يطالب الدولة باستيراد الدواجن: السعر العادل للكيلو لا يتجاوز 75 جنيها    مؤسسة أبو العينين تستعرض خطة رمضان خلال ورشة عمل التحالف الوطني    وزير الإعلام الصومالي يؤكد خطورة التدخلات غير المشروعة على استقرار إفريقيا والعالم    الأهلي يفوز على سبورتنج في دوري سيدات السلة    انتشال جثة شخص وإصابة آخر في انقلاب سيارة ملاكي داخل ترعة بقنا    هزار قلب بجد.. القبض على طالب بتهمة سحل شاب من ذوي الهمم في سوهاج    مصرع شقيقتين إثر تصادم ملاكي وتوكتوك أمام مركز أبو حمص في البحيرة    النائبة أميرة صابر تستعرض تفاصيل مقترح إنشاء بنك للأنسجة البشرية: نطاق التبرع أوسع من الجلد    ويتكوف وكوشنر يزوران حاملة الطائرات أبراهام لينكولن.. وإيران: أي هجوم سيُكلّفكم كثيرا    حميد الشاعري يختم موسم «مزيكا صالونات»    لعبة وقلبت بجد الحلقة 25.. شريف وسامح ينصبان فخا محكما لكارم للإيقاع به    الصور الأولى من عزاء والد الفنانة علا رشدي.. شاهد    محلل سياسى فلسطينى: اليمين الإسرائيلي يرى في حرب غزة فرصة لتكرار تهجير 48    أزمة الأخلاق وخطر التدين الشكلى!    هل يجوز تأخير الدورة الشهرية بالأدوية لصيام رمضان كاملًا؟.. أمينة الفتوى تجيب    مباحثات قطرية - أمريكية في واشنطن لتعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية    عميد قصر العيني: لنا دور وطني في إعداد أجيال من الأطباء المؤهلين    اتحاد الكرة يعلن موعد غلق القيد في الدوري المصري    الاحتلال الاسرائيلي يقتحم قرية اللبن الشرقية ويستولي على عدد من المركبات    «تجارية القاهرة» تكثف جهودها لتجهيز معرض أهلا رمضان 2026 الرئيسي بمدينة نصر    "الصحة": التبرع بالجلد لا يسبب تشوهات.. والمأخوذ طبقة رقيقة جدًا    نوال مصطفى تكتب : صباح الأحد    رئيسة القومي للطفولة والأمومة تشهد اجتماع القاهرة التاسع لرؤساء المحاكم الدستورية    مران الزمالك – تخفيف الحمل البدني لتفادي الإجهاد قبل مواجهة زيسكو    فرانك: كان من الممكن أن نخسر بخماسية أمام مانشستر يونايتد    تشكيل برشلونة أمام مايوركا في الدوري الإسباني.. لامين يامال في الهجوم    أوقاف الشرقية: افتتاح 6 مساجد بتكلفة 23 مليون جنيه لاستقبال رمضان    5 إجراءات عاجلة من "الأطباء" ضد ضياء العوضي    بعد قليل، محافظ أسيوط يعتمد نتيجة الشهادة الإعدادية ويعلنها رسميا    زيلينسكي : الولايات المتحدة تريد من روسيا وأوكرانيا إنهاء الحرب بحلول الصيف    تصرف غريب من مها نصار بعد منشور مهاجمتها هند صبري    رصف ورفع كفاءة طرق ب3 مراكز وزيادة المساحات الخضراء بمصيف بلطيم    الهيئة الإنجيلية تسلّم محافظة أسيوط 30 كرسيًا متحركًا وتطلق مبادرات لخدمة 5000 مواطن وأسرهم    طلاب التربية العسكرية بجامعة كفر الشيخ يواصلون حملة تبرع بالدم بالمستشفى الجامعي    قبل رمضان.. فتح مسافات جديدة بالطريق الدائري الإقليمي وتكثيف إجراءات السلامة    لأول مرة.. الرقابة المالية تتيح لشركات السمسرة تسويق خدماتها عبر المنصات الرقمية    ابنة الرئيس الأمريكي تزور معبد حتشبسوت بالأقصر    مصر تعزز دورها في حماية التراث الإنساني باستعادة رأس تمثال أثري    ارتفاع أسعار الذهب في مصر بقيمة 30 جنيهًا    مع بداية الفصل الدراسي الثاني… أولياء الأمور يطالبون بالغاء التقييمات الأسبوعية    موتٌ في قعر القَذَر ..بقلم الشاعر/ معصوم أحمد / كاليكوت-الهند    أكاديمية الشرطة تستقبل وفدًا من دارسي برنامج الدبلوماسية الشبابية| فيديو    هجوم روسي واسع يستهدف البنية التحتية للطاقة في أوكرانيا.. تفاصيل    كرة سلة - بقيادة أوجستي.. الكشف عن الجهاز الفني الجديد لمنتخب مصر    وزير الخارجية يستقبل رئيس لجنة العشرة الأفريقية لإصلاح مجلس الأمن    النائب محمد زين الدين يقدم اقتراح برغبة لتخصيص أماكن للباعة الجائلين لمواجهة الفوضى    توتنهام بالقوة الضاربة في مواجهة مانشستر يونايتد    محافظ أسوان يتابع تحسين التغذية الكهربائية لقرى مبادرة حياة كريمة    مد أجل الحكم في الطعن على فوز القائمة الوطنية بغرب الدلتا بانتخابات النواب    «العرجاوي»: تكامل الموانئ الجافة والبحرية ركيزة لتطوير المنظومة اللوجستية    وزير «الخارجية» يبحث جهود خفض التصعيد فى المنطقة    هل يكتب بنزيما نهاية رونالدو في الدوري السعودي    بعد مقترح برلماني.. عالم أزهري يضع 7 ضوابط شرعية للتبرع بالجلد بعد الوفاة    بعد اقتراح برلمانية تبرع المواطنين بجلودهم، محمد علي خير: "كتير علينا يا رب.. إحنا أصحاب عيا"    رادار الداخلية يرصد 123 ألف مخالفة.. مفاجآت في تحليل المخدرات للسائقين    نجاح أول جراحة أورام بمنظار البطن الجراحي بمستشفى التأمين الصحي ببني سويف    أول تحرك برلماني بشأن ضوابط استخدام مكبرات الصوت بالمساجد في شهر رمضان    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حبيب جورجي - راغب عياد وبعث التراث الفني القبطي بمصر
نشر في أخبار الأدب يوم 26 - 03 - 2016

أثناء الصلاة بالدىر للفنان : راغب عىاد بدأ الفن القبطي في القرنين الرابع والخامس الميلادي بتوظيف خليط من الأساليب التي حوله كاليوناني والروماني والمصري القديم والساساني.
وكانت موضوعاته أقرب منها إلي الأساطير اليونانية الروحانية عن الأسلوب المستقل مع إضافة رموز ذات دلالة دينية كالصليب والسمكة إلي الموضوعات الكلاسيكية. ومن الناحية الأسلوبية فقد تبنوا تلك الأساليب المشار إليها ولكنهم حولوها إلي طابع شعبي مبسط يتسم بالبراءة والبساطة، واستخدموا خامات البيئة الرخيصة كالحجر الجيري والرملي وصوف الماشية والكتان والطين الأسواني والعظم والخشب البلدي والصبغات والأكاسيد الطبيعية.
ومن منتصف القرن الخامس إلي القرن السابع بدأت رموز مسيحية تحل محل الرموز القديمة تدريجيا، وقام الفنانون بتحوير الرموز الأجنبية لتتوافق مع رموز الإيمان المسيحي، وإحلال رموز الصليب والقوقعة وبداخلها صليب، كما ظهرت صور ترمز إلي السيد المسيح والملائكة والقديسين وأكاليل الغار. وفي فترة لاحقة من القرن الثامن إلي الثاني عشر أصبح الفن القبطي زخرفيا وابتعد عن تصوير الموضوعات الدنيوية وظهرت الزخارف الهندسية والنباتية مع عناصر وطرق صياغة مصرية قديمة ولأن الفن في مصر في فترات غياب الدولة القوية الموحدة والتي تتمتع بالوفرة، يصبح شعبي الطابع يتسم بالبساطة والبراءة التعبيرية والنزعة الإنسانية، فيحمل قيم الفن القومي السابق عليه والذي اندثر بنسبة أو أخري ويحتضنها ليسلمها إلي أجيال وربما إلي دول تأتي في البلاد من بعده، فحافظ الفن القبطي علي ملامح مركزية من الفن المصري القديم وعلاقته الوثيقة بالإنسان والبيئة في مصر ومشاعر وعقائد المصريين القدماء، كما كان الفن القبطي بمثابة الحافظ لتقاليد الفن المصري إلي أن ظهرت الدولة الإسلامية ومعها الفن الإسلامي الرسمي الذي يفي بمتطلبات الدولة القوية التي تتمتع بالمتعة والوفرة والطموح، فكان الفن القبطي أحد الروافد المهمة في تغذية الفن الإسلامي في مصر بالطابع المصري في الزخرفة وتصوير المخطوطات والنسيج ومختلف الحرف الفنية.
وهكذا فإن الفن في مصر في مراحل غياب الدولة القوية المتقدمة يتحول إلي فن شعبي فطري يحمل جينات الحضارة المصرية ويحفظها في كنفه الشعبي، إلي أن تظهر دولة رسمية قوية، فيلتقط الفن الرسمي تلك الجينات ويبني عليها حضارة رسمية موازية.
حدث ذلك في فترات ما قبل الأسرات المصرية القديمة، وفي العصر القبطي وفي أواخر العصر العثماني بمصر، بينما واصل الفن الشعبي والفطري مسيرته وتطوره البطيء دون توقف حتي في عصر الدول القوية في البلاد، ينتج بيد الحرفيين البسطاء للوفاء بحاجات أبناء الطبقات البسيطة من مادية وجمالية وروحانية.
ولذلك فإن صعود الدولة الإسلامية وازدهارها بمصر لم يعطل مسيرة الفن القبطي في جميع مجالات التعبير الفني.
والفن القبطي هو فن المصريين الذين آمنوا بالعقيدة المسيحية منذ عصر كاليجول 37 - 41م ووصول المسيحية رسميا إلي مصر علي يد القديس مرقص الرسول (يوحنا) عام 343 .
سميكة - جورجي - عياد
كان لمرقص سميكة باشا دور رائد في الاهتمام بالفن القبطي وإنشاء المتحف القبطي عام 1908 ، بالتوازي مع تأسيس جامعة القاهرة ومدرسة الفنون الجميلة..
وكان حبيب جورجي 1892 - 1964 رائد التربية الفنية في مصر صاحب أفكار وطنية وحضارية حول الفن في مصر القديمة والعصر القبطي، والفن الشعبي والفطري، وكان محركا ميدانيا، فأسس جماعة الدعاية الفنية 1928 لنشر تلك الثقافة الوطنية والبيئية بين الفنانين المعاصرين، وجماعة الفن الشعبي 1936 التي تبني فيها مجموعة من الأطفال الذين لم يتعلموا الفن في المدارس علي النسق الغربي، إيمانا منه ووفق نظرية (الجنين الفني) التي استقاها من كتابات عالم النفس (كارل يونج ) 1875 - 1961 حول نظرية (اللاوعي الجمعي).
كان يري وفق هذا أن جينات الفن المصري مازالت كامنة في الأجيال الجديدة، خاصة من لم يتلون بتعاليم الغرب المدرسية، فجمع أطفالا من البنين والبنات عاشوا في رحاب البيئة المصرية في الحقول وبين الماشية والدواجن والقري والترع والنهر، وهي ذات البيئة التي عاش فيها أجدادهم في فجر التاريخ، ومن ثم إذا أتيحت لهم الفرصة ستتجلي تلك الجينات وتنطلق لتنتج فنا متوافقا مع البيئة والمجتمع والمنجز التراثي لمصر. وقد فعل ذلك معهم وأنتجوا روائع من النسجيات المرسمة المصرية الخالصة بملامح شعبية وقبطية، وكذلك منحوتات مجسمة وبارزة وغائرة بالغة العمق والصدق والمصرية.
وكانت علاقة حبيب جورجي براغب عياد 1892 - 1982 (أحد رواد الفن المصري الحديث من خريجي مدرسة الفنون الجميلة ) وثيقة، وكان الأخير يعمل فترة من الزمن في فريق العمل بالمتحف القبطي بالقاهرة، فنصحه جورجي بتأمل ودراسة كنوز النسيج القبطي بالمتحف. فعكف علي تأمل المعالجة الصياغية للعناصر البشرية والحيوانية والطيور والنباتات، ومنهج التكوين المختلف كثيراً عما درسه في القاهرة وروما، وتأثر من ناحية أخري بحبيب جورجي في الاهتمام برسم الموضوعات الريفية والشعبية.
وتمكن من مزج موضوع الرسم بالمنهج الأسلوبي الذي استقاه من درس النسيج القبطي، حيث التسطيح ثنائي الأبعاد، وتجنب تأثير المنظور وتجاوز النسب التشريحية، والمجموعات اللونية المدهشة التي تميز تلك الرقاع المنسوجة منذ العصر القبطي، ألوان أرضية، مصرية، دافئة ومعبرة.
كان راغب عياد أكثر تهيؤا من أقرانه من فناني جيل الرواد، لأنه حينما درس في ايطاليا التحق بقسم الزخرفة والديكور، وليس قسم التصوير مثل زملائه، ومن ثم كان التفكير ثنائي الابعاد في صياغة التكوين مستساغا له، وكان يتذوق جمالياته جيدا، كما كان هو نفسه زاهدا روحانيا.
وقد طور راغب عياد تجاريه الفنية تلك تدريجيا للخروج من التصوير المنظوري المعبر عن عمق اللوحة وكأنها خشبية مسرح أو نافذة بخداع الرؤية كما ينقل الفنان الاكاديمي الأوربي، إلي أن بلور أسلوبه الفني الفريد في التصوير الفني المصري.
وكما يطلق علي النحات العظيم محمود مختار أنه التقط أزميل النحت من أجداده القدماء، وشق طريق النحت المصري الحديث متجاوبا مع العصر وقضاياه، ومع التراث الفني العريق للمصريين في النحت المجسم والبارز والغائر. فإن راغب عياد هو الذي ازاح فترة تبعية مجدية للفن المصري متأثرة بالقواعد الأكاديمية الأوربية التي زرعتها مدرسة الفنون الجميلة عند نشأتها وفي أكاديميات أوربا أنذاك وتمكن من إعادة وصل ما انقطع من صلات بين فن العصر الذي يعيش فيه وقيم فنون التراث المصري في العصر القبطي وما قبله، قصور الإنسان المصري الشعبي في المقاهي بأسوان، وفي الموالد الشعبية وفي رحلة الحقل اليومية، بأسلوبه المتبلور تدريجياً إلي أن أعاد للوحة المزاج الشرقي الأقرب للمخطوطة والأيقونة والمنسوجة في تتابع تصفيفي متصاعد، وفق مناهج الابتكار المصري القديم، واكتسبت ألوانه ذلك الصفاء وتلك الأرضية والدفء، فوضع بذلك بداية جديدة لتواصل ما انقطع لقرون طويلة في الفن المصري، ليعاود نهر الإبداع الأصيل تدفقه في الحاضر المعاصر.
كان ذلك مواكبا للتوجه الوطني في فنون الخمسينيات والستينيات، حيث مناقشات مسألة التراث والمعاصرة، والعناية بدراسة التراث الشعبي خاصة والفولكلور والفنون والحرف بصفة عامة، فأصبحت الذائقة الفنية والوعي الثقافي مهيأتين لقبول هذا التحول الجديد في استلهام الفن الشعبي بجذوره العريقة، وكان الاهتمام الكبير بعمارة وفنون النوبة إبان بناء السد العالي عاملا بالغ الأهمية لارتباط الفنانين بالتراث الشعبي ورموزه المتوارثة.
وأصبحت دراسة الفن القبطي باعتباره فناً شعبياً بامتياز ضمن أولويات عدد من الفنانين المتميزين، وبرامج التدريس في مدارس الفن، وتم استلهامه من منظور راغب عياد عند البعض، ومن مناظير وصياغات متفاوتة عند البعض الآخر وانتقل هذا التوجه إلي النحت والجرافيك والنسيج وغيرها من وسائط التعبير الفني، ونذكر علي سبيل المثال الفنانة مرجريت نخلة 1908 - 1977 خاصة في لوحاتها الأيقونية التي صورتها للكنائس المصرية بأبعادها الرمزية والشاعرية الناعمة والخلفيات الذهبية الزخرفية، واستقت الفنانتان تحية حليم 1919 - 2003 وعفت ناجي 1912 - 1994 ملامح ومصادر من براءة الفن القبطي ورموزه وعرائس العظم والنسيج ورموز السحر. ومن الفنانين الذين استلهموا قيم وجماليات الفن المصري القبطي كل بمنهجه وأسلوبه المتميز، نشير إلي النحات صبحي جرجس 1929 - 2003، وكمال خليفة 1926 - 1968، وجورج البهجوري 1932، وحلمي التوني 1938، وجميل شفيق 1938، وسوسن عامر 1933، ومحفوظ صليب 1942، وبدور لطفي 1946، ويوسف نصيف 1945 ، جمال لمعي 1948 ، ساركيس طوسونيان 1954، جرجس لطفي 1955، الفونس جرجس 1955 .
كما نشير بصفة خاصة إلي أحد رواد الفن القبطي الجديد الفنان ايزاك فانوس 1919 - 2007 الذي أسس عام 1954 قسم الفن بالمعهد العالي للدراسات القبطية بالكاتدرائية المرقصية بالقاهرة.
إنه تيار متدفق ومتجدد عصري مجدول بخيوط الماضي اللذين يجمعان بين مشاعر المصريين تجاه مجتمعهم وبيئتهم ومشاعرهم وآمالهم ورموزهم وقيمهم.
ولابد لي من العودة إلي الدور المحوري والجوهري للرائدين حبيب جورجي وراغب عياد في تمهيد ذلك الطريق بعد انقطاع لقرون طويلة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.