ترامب يغري الشيوخ الأمريكي ب 16 مليار دولار مقابل تسمية محطة ومطار باسمه    «صلاح ومرموش» على موعد مع الإثارة في قمة الأسبوع 25 من الدوري الإنجليزي    انفراجة في ملف تجديد أحمد حمدي مع الزمالك    بصوت مغلف بالدفء، غادة رجب تصدح في أوبر الإسكندرية بعصا المايسترو علاء عبد السلام (صور)    رمضان 2026.. الصور الأولى من كواليس تصوير مسلسل «إعلام وراثة»    بعثة الزمالك تغادر القاهرة استعدادا لمواجهة زيسكو الزامبي بالكونفدرالية (صور)    «بوابة أخبار اليوم» تنشر صور حريق مخزن الكرتون داخل عقار القلج بالخانكة    أتربة واضطراب ملاحة.. الأرصاد تحذر من طقس الساعات المقبلة    كشف ملابسات واقعة التعدي على مديرة دار رعاية مسنين بالجيزة    محادثات أوكرانية - روسية - أميركية جديدة مرتقبة في الأسابيع المقبلة    المنتج جابي خوري: انتقلت من هندسة الكهرباء إلى السينما بطلب من خالي يوسف شاهين    الفضة تسجل أكبر تراجع يومي وتكسر مستوى 67 دولارًا للأوقية    شعبة السيارات: هناك شركات أعلنت وصولها إلى نهاية التخفيضات ولن تخفض أسعارها مجددا    بعثة الزمالك تتوجه إلى زامبيا استعدادًا لمواجهة زيسكو بالكونفدرالية    اعتداءً على الفقراء والمحتاجين.. ما حكم بيع الدقيق المدعّم في السوق السوداء؟    النائب طارق شكري: قانون التصالح على مخالفات البناء عُدل مرتين ولم يؤت ثماره بعد    فرح يتحول لعزاء.. تفاصيل وفاة عروس وشقيقتها ويلحق بهم العريس في حادث زفاف المنيا    أردوغان: تركيا تبذل قصارى جهدها لمنع اندلاع صراع أميركي إيراني    إصابة فلسطيني في قصف جوي للاحتلال استهدف منزلًا بخان يونس    أسعار الذهب في انخفاض مفاجئ.. المستثمرون يتجهون نحو الأصول الأخرى    «الأزهر العالمي للفتوى» يختتم دورة تأهيلية للمقبلين على الزواج بالمشيخة    لماذا لا تقبل شهادة مربي الحمام؟.. حكم شرعي يهم كثيرين    بينهم نائب بمجلس النواب.. أسماء مصابي حادث الحر بالقليوبية    الفنانة حياة الفهد تفقد الوعي نهائيا ومدير أعمالها يؤكد تدهور حالتها ومنع الزيارة عنها    رئيس شعبة المواد الغذائية: نعيش العصر الذهبي للسلع الغذائية بوجه عام والسكر بشكل خاص    بعد حديث ترامب عن دخول الجنة.. ماذا يعني ذلك في الإسلام؟    الزمالك يعلن تعاقده مع كاديدو لتدريب فريق الطائرة    تعثر انتقال يوسف أوباما للكرمة العراقي بسبب إجراءات القيد    كأس إسبانيا - أتلتيكو إلى نصف النهائي بخماسية في شباك ريال بيتيس    استعدادا لشهر رمضان المبارك، طريقة عمل مخلل الفلفل الأحمر الحار    بعد إهداء أردوغان "تووج" التركية الكهربائية في مصر .. مراقبون: أين سيارة "صنع في مصر"؟    جامعة عين شمس تستضيف الجامعة الشتوية لمشروع FEF مصر «REINVENTE»    شريف عامر يلعب «روبلوكس» على الهواء بعد حجبها في مصر.. والنائبة مها عبد الناصر: لا حجب كامل    «الرشوة الوهمية» تنتهى فى الزنزانة.. الأمن يكشف كذب ادعاء سائق وعامل ضد ضابط مرور    السجن المشدد 10 سنوات لعاطل حاول التعدى على طفلة بقنا    بقى عجينة، صور مرعبة من انهيار سور بلكونة على "تاكسي" متوقف أسفل منزل بالغربية    ترك إرثًا علميًا وتربويًا ..أكاديميون ينعون د. أنور لبن الأستاذ بجامعة الزقازيق    أخبار × 24 ساعة.. الخميس 19 فبراير 2026 أول أيام شهر رمضان فلكيًا    النائبة ولاء الصبان تشارك وزيرة التنمية المحلية ومحافظ الدقهلية افتتاح المجزر الآلي الجديد ومعارض أهلا رمضان    الأخدود ضد الهلال.. بنزيما يعادل إنجاز مالكوم التاريخى مع الزعيم    اتحاد بلديات غزة: أزمة الوقود تُعمق معاناة المواطنين والنازحين    تطورات خطيرة في الحالة الصحية لنهال القاضي بعد تعرضها لحادث سير    بوستر مسلسل مناعة للفنانة هند صبري يثير الجدل.. اعرف التفاصيل    ستراسبورج يتأهل لربع نهائي كأس فرنسا على حساب موناكو    أتلتيكو مدريد يكتسح ريال بيتيس بخماسية ويتأهل لنصف نهائى كأس ملك إسبانيا    سوريا ولبنان يوقعان غدا اتفاقية لنقل المحكومين    "مش هشوف ابني تاني".. والدة الطفل ضحية حقنة البنج تبكي على الهواء    عضو هيئة العمل الوطنى: 11 ألف مريض سرطان فى غزة بحاجة للخروج لتلقى العلاج    وزير الصحة يتفقد معبر رفح لمتابعة استقبال وعلاج المصابين القادمين من غزة    شيخ الأزهر يستقبل الطالبة الكفيفة مريم حافظة كتاب الله ويوجّه بتبنى موهبتها    تعظيم سلام للأبطال| جولات لأسر الشهداء فى الأكاديمية العسكرية    سكرتير محافظة سوهاج يشهد تدشين فعاليات المؤتمر الدولى الخامس لطب الأسنان    خالد الجندي يوضح معنى الإيثار ويحذّر من المفاهيم الخاطئة    تعليم القليوبية تدشن فعاليات منتدى وبرلمان الطفل المصري    رئيس التنظيم والإدارة يشارك في القمة العالمية للحكومات بدبي    هل يجوز الصيام بعد النصف من شعبان.. الأزهر للفتوى يجيب    التقرير الطبي يكشف تفاصيل إصابة خفير بطلق ناري على يد زميله بالصف    صحة المنيا: مستشفى أبو قرقاص استقبلت 20 ألف مواطن وأجرت 193 عملية خلال يناير    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



اكتمال كل دوائر المعني
نشر في أخبار الأدب يوم 23 - 10 - 2015

مع نجيب محفوظ الذي يتأمل المسيرة العسيرة التي خاضها الكاتب والروائي والصحفي الكبير جمال الغيطاني،لن يستطيع أن يحصي مفردات ثراء تلك التجربة الثقافية والأدبية والفكرية المذهلة، والتي بدأت منذ أكثر من نصف قرن،ربما وهو في العاشرة من عمره، عندما تعرّف الفتي الصغير علي الأكشاك والمكتبات العامة بعد مكتبة المدرسة ،وراح يقتني الكتب ويقرأها بنهم شديد، كانت القراءة عند الفتي اليافع ملاذا آمنا من كل الوقائع التي تدور في الحي الشعبي الذي كان يعيش فيه،وكذلك كانت الحالة الاقتصادية المتواضعة، دافعة للفتي ليستبدل عالمه بعوالم أخري عبر الكتب والمجلدات التي كانت تقع تحت يديه.
في يناير 1993 يكتب الغيطاني شهادة وافية عن حياته،ويسرد فيها وقائعها المدهشة،ويرصد ما استطاع أن يرصده في تلك الشهادة، وعن علاقته الأولي بالكتاب يقول :"يمكنني تحديد أول كتاب اقتنيته، لكنني لا أقدر علي تحديد أول كتاب قرأته، كان ذلك أول أيام العيد، بعد أن أدينا الصلاة في مسجد الحسين مررنا ببائع صحف يعرض مجلات وكتبا جديدة،كنت أمتلك خمسة قروش مقدار عيديتي، لمحت رواية البؤساء لفيكتور هيجو،كانت ترجمة بيروتية صادرة في سلسلة عنوانها (روايات اليوم)، اشتريتها بالقروش الخمسة ومضيت إلي البيت سعيدا، التهمت صفحاتها،ومازلت أذكر شعرا ورد علي لسان جان فالجان إثر سقوطه في أحداث ثورة باريس:
سقطت بوجهي إلي الثري
وداعا رفاقي إلي الملتقي
كان ذلك أول كتاب اقتنيته،وقد فقد مني فيما بعد، ولكن قراءاتي الأولي بدأت من مكتبة المدرسة، مدرسة عبد الرحمن كتخدا الابتدائية،ومدرسة الحسين الإعدادية .
من مكتبة المدرسة قرأ الغيطاني مجلدات مجلة "سندباد"التي كان يصدرها محمد سعيد العريان،وهي مجلة كانت مرموقة ومقروءة ومؤثرة،وكان شعارها "مجلة الأولاد" في جميع البلادن، وكان يخرجها ويصنع رسوماتها الفنان الكبير "حسين بيكار"، بما في تلك الرسوم من حمولات خيالية مدهشة للسندباد العظيم في ذهن الأولاد الصغار، كما قرأ الغيطاني كافة الكتب التي كانت تحملها رفوف المكتبة المدرسية.
وكانت خطي جمال الاولي في تعرّفه علي عالم الكتاب خارج أسوار المدرسة، عندما قادته خطاه إلي الشيخ تهامي،والذي جاء من أسوان ليدرس في الأزهر،ولكن ظروفا ما عاقته، ولم يكمل دراسته،واحترف بيع الكتب القديمة،وكان مقره الدائم فوق الرصيف الذي يجاور باب الأزهر الرئيسي،وكان يضع كتبه الكثيرة المتنوعة أمام المارة، ليكون الفتي الصغير أحد هؤلاء المارة.
من مكتبة الشيخ تهامي القابعة علي الرصيف، قرأ الغيطاني معظم الروايات المترجمة،وانبهر بشخصية أرسين لوبين، ذلك اللص الشريف الذي كان يسرق من الأغنياء ويعطي الفقراء، وأرسين لوبين كان كثيرا ما يداعب خيالات الأطفال، والفقراء منهم علي وجه الخصوص، ولكن الغيطاني صنع له وجها وملامح، لدرجة أنه حلم بإنشاء جماعة سرية تهتدي بما كان يصنعه أرسين لوبين.
وبعيدا عن الروايات المترجمة، عرّج الغيطاني علي الكتب العربية لجورجي زيدان، ثم ملحمة عنترة بن شداد، وسيف بن ذي يزن، والأميرة ذات الهمة، وتغريبة بني هلال، وطبعا ألف ليلة وليلة، وتلك الأخيرة أصبحت شاغلة له علي مدي طويل من الزمن، وظل يبحث عن طبعاتها المختلفة، وعندما كان رئيس تحرير سلسلة "الذخائر"، نشر بعض تلك الطبعات، وقد سبّبت له مشاكل رقابية، وتعرضت لمنع رقابي سافر، مما دفع جمال الغيطاني للدفاع عنها بكل مايملك من معلومات وقدرة علي إيراد تلك المعلومات في سياق ثقافي مستنير، وبالطبع أوصلت هذه القراءات الفتي إلي كتب ومجلدات التاريخ للطبري والمقريزي وابن إلياس، وغيرهم، تلك الكتب التي ظلت ملهمة له طيلة حياته الإبداعية.
بدأ جمال الكتابة كما كتب وقال وصرّح في شهاداته المتنوعة، في أواخر عام 1959، وكان متأثرا بكل الكتابات التي قرأها، وكذلك الحكايات التي كان يحكيها الوالد له، وكانت قصته الأولي عنوانها "السكير"،وهذا عنوان كتبه ديستوفيسكي لإحدي رواياته، وسرعان ما تخلص جمال من الآثار التي لحقت بسردياته القصصية،وبدأ يكتشف شخصيته الفنية والقصيية، فنشر بعض قصصه الأولي في مجلة "بناء الوطن"، ثم في جريدة "المحرر اللبنانية"، وكانت القصة الأكثر بروزا،نشرها ضمن عدد خاص أعدته مجلة "القصة"،وكان عنوانها "أحراش المدينة"، وكان ذلك في يونيو 1965،وعلّق علي القصة الناقد الدكتور علي الراعي، وكان ذلك التعليق، هو أول نقد يكتب عن قصص جمال الغيطاني، وكان تعليق الراعي،لطيفا ومشجعا ومتنبئا لذلك الشاب بمستقبل واعد، لولا أنه ذكر بأن القصة متأثرة برواية "الطريق " لنجيب محفوظ، وهذا دفع الغيطاني ليردّ ردا حادا في العدد التالي، وكان الردّ في رأيي نوعا من الدفاع الذي رآه جمال ضروريا لكي ينفي عن نفسه، مااعتقد أنه اتهام جارف.
وجدير بالذكر أن الدكتور علي الراعي نفسه، كتب نقدا لإحدي قصص الغيطاني فيما بعد،وهي قصة "أرض..أرض"، والتي نشرت في مجلة "صباح الخير" في يناير 1970، وأعاد نشرها جمال الغيطاني كمقدمة للمجموعة التي حملت العنوان نفسه، وبعد تحليل مستفيض للقصة، أنهي الراعي مقالته قائلا :"كان من أسباب فرحي بهذه القصة، ماتخلف لدي من إحساس عقب قراءتها بأن أيدي الشباب قد أخذت تصل إليها الرسالة الفنية أخيرا، وأن هذه الأيدي لم تكتف بتسليم الرسالة،بل مضت خطوات في سبيل التعبير الفني الناضج عن الثورية،ويمضي بها ليحقق المزيد من الإنجازات ..باختصار شديد،أنا سعيد".
كان جمال الغيطاني يعيش حالتين من الألم،ليصاحبهما نوع من المقاومة العنيدة، الحالة الأولي تتعلق بوضع الأسرة الفقيرة، وكان حلم الوالد الجنوبي،والذي جاء من محافظة سوهاج، لا يتجاوز حلمه إلا أن يستر الأولاد، وظل يحلم بعناد، وقد ورث الابن ذلك العناد بقوة، فبعد أن أنهي دراسته الإعدادية، التحق بمدرسة الصنائع "قسم النسيج"، وعمل في الجمعية الصناعية لمنتجات خان الخليلي، ومن خلال ذلك العمل تعرّف الغيطاني علي فئة من الحرفيين، لم يكن التعرّف عليهم واردا خارج هذا العمل، ومنهم عاش وعرف قصصا عديدة عن هذه الفئة، هؤلاء الحرفيون الذين ينتجون الصناعات اليدوية،والتي تحمل في صناعاتها التراث الشعبي لمنطقة خان الخليلي، وظل جمال يتقلب في أعمال النسيج المتوسطة، وكانت تلك الأعمال تلتهم منه أوقاتا كثيرة، فكان بعناده الكبير، وشغفه بالقراءة يظل طوال الليل يسهر علي القراءة، ليكوّن ثقافته بشكل عصامي.
أما الألم العام، فهو الظروف التي قبض عليه فيها في أكتوبر عام 1966،وخرج في مارس 1967، ومورس عليه أقسي أنواع التعذيب، كان يزامله في الاعتقال حشد من المثقفين،ضم هذا الحشد رفاقا من الشباب في ذلك الوقت، ولكن السبل المختلفةفيما بعد فرّقت ذلك الحشد،وربما صاروا يشبهون الأعداء، من هؤلاء صلاح عيسي وغالب هلسا وسيد خميس وسيد حجاب وصبري حافظ وابراهيم فتحي وغيرهم، وتحدث الغيطاني في مؤتمر عن أدب السجون عن تلك التجربة، وجاء في تلك الشهادة "في يوم من الأيام بدأ سحبنا اثنين اثنين علي المعتقل، وعندما جاء عليّ الدور تم ترحيلي أنا والدكتور صبري حافظ في عربية، وقد لمحت الخطاب الذي رحلنا به "ترحيل المجرمين الخطرين فلان وفلان تحت الحراسة المشددة"،فأصبحت طوال الوقت أقول "أنا خطير"،المهم طوال الطريق من طرة إلي القلعة كنت أودّع الأشياء،كنت أشاهد الشارع وكأني لن أراه مرة أخري".
كانت إذن تجربة الاعتقال في غاية السوء،ومن المعروف أن جريدة الأهرام كانت قد وجهّت دعوة إلي الفيلسوف جان بول سارتر إلي القاهرة، باقتراح من الكاتب لطفي الخولي، ولكن سارتر وافق علي الزيارة، ولكنه اشترط أن يأتي بعد الإفراج عن أي معتقلين سياسيين، وبالفعل تم الإفراج عن ذلك الشباب.
وخرج الغيطاني ابن الاثنين والعشرين عاما،وهو يحمل علي كاهله، تجارب ثقيلة جدا، وبدأ يبحث عن شكل فني ليعبّر به عن تلك التجارب الخاصة والعامة، حيث إن التجارب القاسية دوما،ماتكون ملهمة للكتّاب والأدباء والمبدعين، فكتب قصصه التي ضمتها مجموعته الأولي "أوراق شاب عاش منذ ألف عام"، والتي صدرت عن سلسلة كتاب "الطليعة"، وقد شاركه في إصدار تلكعالم هذا الشباب ..عالم لا يدرك أبعاده الثورية إلا هم وحدهم،عالم يأخذ من منجزات الماضي السلسلة الكاتبان محمد يوسف القعيد، وسمير محمد ندا، ولاقت المجموعة كثيرا من الاحتفاء الإيجابي الواسع، فكتب النقاد محمود أمين العالم وابراهيم فتحي وعبد الرحمن أبوعوف ومحمد عودة وغيرهم،وكانت قصة " هداية أهل الوري لبعض مما جري في المقشرة"،وكان جمال في كل قصص تلك المجموعة، يحاول البحث عن تقنيات جديدة فنية، وعن طرق أخري بعيدة نسبيا عن التيمة الموباسانية، التي تجعل للقصة بداية ونهاية ولحظة تنوير، وغير ذلك من أشكال وبنيات،فكان التاريخ هو التكأة التي اعتمد عليها جمال في أمثولته الفنية عموما، فزعم الراوي بوجود مخطوطة قديمة في خزانة الكتب بأحد الجوامع القديمة بالجمالية، وزاد الراوي إدهاشا للقارئ بأن تلك المخطوطة مثيرة للغرابة، فهي لا تمت للفقه أو الشرع بأي صلة، ولكنها تتحدث عن ذكريات آمر السجن الذي عرف في عصور المماليك الغابرة باسم المقشرة.
وهكذا نجح جمال في اكتشاف تيمة فنية جديدة، يستطيع من خلالها أن يدفع قارئه لاكتشاف التاريخ المدهش، وكذلك ليسرد حديثا عن السجن، ربما يشبه الحديث عن سجن معاصر هو قد عاشه من قبل، وقد نشرت القصة في عدد ابريل عام 1969من مجلة جاليري 68،
وعلّق عليها الناقد الكبير ابراهيم فتحي وغالب هلسا في العدد نفسه، ولكن صدور المجموعة القصصية، جعل من جمال الغيطاني أحد صنّاع السرد العظام في جيل الستينيات.
وكما جاءت قصة أهل الوري، وقصة أوراق شاب عاش منذ ألف عام، معبرتين عن عين التاريخ التي تدرس الواقع المعاصر،جاءت قصة "أيام الرعب"، وهي تقريبا سيرة لما حدث للكاتب نفسه، فالمعلومات التي يوردها الكاتب عن بطله "محروس فياض سلامة" تنطبق علي جمال الغيطاني نفسه، إذ أن ذلك البطل من مواليد 9 مايو 1945، ويدين بدين الإسلام، ويعمل رساما بالمؤسسة العامة، ومحلا الإقامة "الجمالية، كفر الطماعين"، وكل هذه المعلومات تخص الغيطاني نفسه،وفي هذه القصة نجد الاهتمام الأول للغيطاني بفكرة المكان بشكل أوسع نسبيا مما سبق،وكذلك سرد مايحدث في حارة كفر الطماعين،هذه الحارة التي أصبحت فيما بعد "حارة الزعفراني"، والاهتمام بالحارات أساسا موضوع محفوظي محض،ولكن حارة الغيطاني تختلف عن حارة نجيب محفوظ، فالغيطاني مشغول بالتفاصيل الاجتماعية للأفراد في الحارة،كمكون رئيسي للمجتمع المصري، ولا تحفل شخصيات الغيطاني مثلما يحدث عن شخصيات محفوظ،حيث يحاول محفوظ التأريخ للتطور المجتمعي من خلال تاريخ الحارات.
وكما أسلفنا، كانت مجموعة "أوراق شاب" للغيطاني، هي جواز المرور الأهم الذي فتح للغيطاني سطوعا عاليا في سماء الأدب والسرد.
وهناك بعد يدركه كل من اقترب من الغيطاني،ومن عالمه، ومن كتاباته، فهو دائم الاحتفال بكافة الظواهر التي تركت أثرا فيه، كذلك الشخصيات التي لعبت دورا معه، وبرز ذلك البعد في تلك المجموعة، إذ أنه أهدي تلك المجموعة إلي "صديقي الفنان عبد الفتاح الجمل، الذي أعطي الفرصة لجيلنا"، وهو بذلك يضع تقديرا لذلك الجندي المعلوم في ذلك الوقت، خلف كل أبناء جيل الستينيات، والذي فتح بوّابة جريدة " المساء" ليحتضن كل الكتّاب الذين شكلوا ظاهرة جيل الستينيات .
كما أن الغيطاني احتفي بشيخه وأستاذه نجيب محفوظ، وجالسه كثيرا في كل الأماكن التي كان يتنقل فيها، ثم أجري معه حوارا بحجم كتاب، هو كتاب "نجيب محفوظ يتذكر"، وهو من أجمل ماكتب بصدد الحوارات المحفوظية الكثيرة، ثم ضم إليه ما أسماه بالمجالس المحفوظية، لتعد تلك الحوارات والمجالس والكتابات، أحد المراجع المهمة في التعرف علي نجيب محفوظ، وكذلك الغيطاني نفسه، حيث أنه يحكي كيف التقي بنجيب محفوظ، وعلي شاكلة هذا الكتاب جاء كتابه عن مصطفي أمين ثم توفيق الحكيم، ولم ينس الغيطاني أحدا من الذين رآهم وتأثر بهم،وله شهادة بديعة عن يحيي حقي يكتب عنه قائلا :"هذا الفنان الرقيق، المتوهج الحي، الانساني، ولحسنأ حظي أنني عرفته منذ بداياتي الأولي، ربما كان ذلك في الخامسة عشرة من عمري، أرسلت إليه قصصا ورسائل إلي 27 عبد الخالق ثروت، عنوان مكتبه عندما كان يرأس تحرير مجلة "المجلة، وتلقيت عليها كلها ردودا،مازلت أحتفظ ببعضها كوثائق نادرة".
كان جمال يكتب شهاداته دون أن يخشي لومة لائم، حتي أنه كتب مقالا جريئا عنوانه "عم شعراوي"، هذا المقال كتبه ونشره بعد رحيل شعراوي جمعة وزير الداخلية أثناء العهد الناصري، وقد كان شعراوي جمعة علي علاقة طيبة بالمثقفين، وعلي رأسهم محمود أمين العالم، وبالتأكيد كان كثير من المثقفين علي خلاف مع تلك العلاقة، ولكن جمال الغيطاني كتب شهادته التي يعطي الرجل بعض حقه بعد رحيله، هذا الحق الذي أهدر في حياته.
وجمال الذي كتب تلك الشهادة، هو الذي كان عضوا في هيئة تحرير مجلة"أدب ونقد" منذ عددها الأول في يناير عام 1984،وكان اسمه يجاور دعبد العظيم أنيس
ود. لطيفة الزيات والفنان بهجت عثمان، وكانت المجلة ومازالت تصدر عن حزب التجمع اليساري، والذي كان آنذاك من أشد المعارضين لسياسة الدولة، ولم يخش جمال انضمامه لمستشاري التحرير الخطرين، بل كتب في العدد الثاني في فبراير 1984 مقالا شديد اللهجة في انتقاد السياسة الثقافية الرسمية، وكان عنوان مقاله "الواقع الأدبي بين الحقيقة والزيف"، ووجه نقدا شديدا إلي تلك الدولة التي تقتل الإبداع والمبدعين.
وعندما تولي الغيطاني مسئولية رئيس التحرير في صحيفة "أخبار الادب"، لعب دورا في غاية الأهمية لاحتضان مواهب صاعدة، أصبحوا نجوما ساطعة الآن في عالم الأدب والثقافة .
هذا غيض من فيض، فالحديث عن الكاتب الكبير جمال الغيطاني، يحتاج بالفعل إلي مساحات أوسع لمسيرته الطويلة والعميقة، حتي نستطيع أن نوفي حقه في الدرس والنقد والقراءة علي مهل، وليس أقل من مؤتمر كبير تعقده وزارة الثقافة في أقرب يوقت لكي ندرك ويدرك الآخرون قيمة ذلك الطود الذي هوي، وكان مازال يعطي حتي قبل غيبوبته الأبدية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.