فى صغرى كنت أسمع جدتى وهى جالسة أمام "عشة الفراخ" فوق سطح منزلنا، وهى تقول "الفرخة البيضه دى قطعت"، كنت وقتها صغير السن وكالعادة أسمع بعض المصطلحات العجيبة من جدتى ومن كل النساء اللاتى فى سنها ولا أعقب عليها لعدم فهمى وإدراكى لها، ومع الوقت أدركت المخزى الحقيقى لمعظم هذه المصطلحات.. وأدركت أيضا أن كل ما كان ينطق بِه أجدادنا لم يكن مُجرد مُصطلحات ريفية عَفوية، وإنما كل مُصطلح كان يحمل فى مكنونه معانى وتأملات ورؤية واقعية ثاقبة بعدد ما تحتويه من حروف تخرج من رحم الواقع. "الفرخة قطعت" مصطلح ريفى تستخدمه دائماً نساء الريف عندما لم تعد الفرخة قادرة على أن تبيض، فهلاَ لى أن أستخدم نفس المصطلح وأقول: هل مصر " قطعت" ولم تعد قادرة على أن تلدُ أشخاصا جُدُدا قادرين على تحمل المسئولية فى الوقت الحرج الراهن؟! هل كان اختيار الدكتور هشام قنديل يحتاج لكل هذا الوقت فى التفكير من قِبل الرئيس ليتم تكليفه بتشكيل الحكومة؟ مع تقديرى واحترامى الكامل لشخص الدكتور هشام قنديل ولقيمته العلمية والأدبية فى مجاله وتخصصه إلا أننى يتبادر فى ذهنى الكثير من علامات الاستفهام لا تتعلق به كشخص بقدر ما تتعلق بالطريقة والأسلوب والمعايير التى بُنى عليها هذا الاختيار، وهذا بالطبع لا يقلل من قيمته. علامات الاستفهام وربما التعجب التى تحوم فى خاطرى لا تحتاج سوى خروج القائم على الاختيار ببعض الكلمات القليلة والبسيطة يشرح فيها كيف ولماذا تم اختيار الدكتور هشام قنديل؟! فكل هذا الوقت الذى استغرقه الرئيس فى التفكير لا يتناسب مع الشخص الذى وقع عليه الاختيار فهو شخصية معروفة، إن لم يكن على مستوى الشارع فعلى الأقل على المستوى الحكومى فهو وزير بالفعل فى حكومة الدكتور الجنزوري، فلما إذن كل هذا الوقت، وعلى أى هدف أو معيار تم الاختيار؟ هل لأنه شخصية توافقية كما وعد الرئيس من قبل بأن يكون رئيس الوزراء شخصية توافقية بعيدة عن الإخوان؟! أم لأنه شخصية ذات قيمة علمية وكفاءة عملية عالية قادرة على تخطى هذه المرحلة الحرجة؟! فى الحقيقة وبعيداً عن هذا الاختيار فأنا مازلتُ لا أجد أى بوادر حقيقية للتغيير فى السياسات المصرية والخاصة بطرق وأساليب الاختيار فدائماً ما كانت تنحصر الاختيارات الوزارية فى دائرة مغلقة، ودوماً ما كان يستغرق هذا الكثير من الوقت مما يجعلنا نشعر بأن هناك تغييراً ما، وأيضا كان يثار كل هذا الجدل قبل أى تغيير وزارى متوقع مما يجعل الجميع يحلم بشخصيات وقيادات جديدة غير تقليدية وفى الأخير نفاجأ بأنه لا تغيير، والسبب أنه لا هدف واضح نسعى إليه، وبالتالى لا معايير موضوعية فى الاختيار. فى القديم كانت المعايير تتلخص فى أهل الثقة والولاء للنظام، وفى الحديث أظن وعَلى أكون مخطئا فى ظنى أن نفس المعيار مازال موجودا، وأزيد عليه أن هناك ضغوطاً شعبية كبيرة أصبحت موجودة الآن لم يكن لها وجود فى الماضى وبجانبها بعض الوعود، التى قد قُطعت أثناء الحملة الانتخابية، وجاء وقت الوفاء بها وهى تمثل نوعاً آخر من الضغط السياسى. السيد الرئيس مصر أم الدنيا لأنها إلى أن يشاء الله ولادة ومليئة بالكفاءات والقامات العلمية والعملية والوطنية، وأبدا لن تختزل مرة أخرى فى بلاط القصر وبطانته، كل ما هنالك أننا ينقُصنا وضع رؤية مستقبلية وهدف واضح نسعى إليه ومعايير اختيار تتناسب وطبيعة الهدف تأتى بالشخص المناسب فى المكان والزمن المناسب، وفى النهاية قيادة رشيدة، فإن كانت لديك القدرة على فعل ذلك فقط ضع هدفك ورؤيتك ومعهم معايير موضوعية وقم بطرحهم ستجد أمامك طوابير لا نهاية لها من القامات والهامات والكفاءات المصرية فى كل المجالات الصغير منها قبل الكبير يستطيع تحمل المسئولية وتحقيق الهدف المنوط به تحقيقه لأنهم جاءوا بموضوعية لا بأهواء شخصية، ولا يعنينا فى ذلك أى انتماءات سياسية ولا حزبية ولا عرقية ولا عقائدية ما يعنينا هو صالح هذا الوطن. وبالرغم من كل ذلك إن كان لديكم فريق عمل ترى فيه القدرة والمقدرة على تحقيق ما قد رشحت نفسك من أجله فهلمَ بهِ وبكل صدق وشفافية واجه به الرأى العام غير عابئاً "بالقيل والقال" فالمسئولية أولا وأخيرًا ملقاة على عاتقكم ولن يُحاسب إلا أنت، وإننى كما بدأت مقالى بكلمة لجدتى، والتى هى فى الحقيقة كلمة لجدات كل المصريين سأنهى المقال بكلمة أخرى لها فقد كانت تقول عندما يخطأ رب الأسرة "اللى يشيل الشيلة كبير العيلة".