شنت صحيفة "ذا ميرور" البريطانية هجومًا كاسحًا وغير مسبوق ضد دونالد ترامب، واصفة إياه ب "المتنمر الضعيف والمختل عقليًا"، على خلفية تهديداته الأخيرة بحرق إيران وضرب منشآت حيوية. هذا الهجوم ليس مجرد نقد سياسي، بل هو جرس إنذار من "قيادة فوضوية" قد تجر الكوكب نحو كارثة إنسانية وعسكرية كبرى. أولًا: تصريحات "الجحيم" وخرق القوانين الدولية
خرج ترامب عن كل الأعراف الدبلوماسية موجهًا إهانات مباشرة للإيرانيين بقوله: "افتحوا المضيق يا مجانين.. وإلا فستذهبون إلى الجحيم.. سأحرق كل شيء وأضرب محطات الطاقة والمياه". وقد اعتبر المحللون أن التهديد بضرب البنية التحتية المدنية (مياه وكهرباء) هو إعلان صريح عن نية ارتكاب جرائم حرب. إن تنفيذ هذه التهديدات لا يعني تدمير البنية التحتية فحسب، بل يمثل الإعلان الرسمي عن وفاة منظومة الأممالمتحدة وانهيار القانون الدولي؛ مما يعيد العالم إلى 'قانون الغابة' حيث القوة هي المصدر الوحيد للحق، وتصبح المواثيق الدولية مجرد حبر على ورق أمام نزعات التوسع والسيطرة التى تؤدي إلى تجويع المدنيين وإحداث كارثة إنسانية واسعة النطاق. ثانيًا: بين الواقع والخيال.. لعبة "الكراسي الموسيقية" في هرمز في مشهد يحبس أنفاس العالم، تتجسد لعبة "الكراسي الموسيقية" العسكرية؛ حيث يحرك ترامب حاملة الطائرات "جورج واشنطن" نحو مضيق هرمز في استعراض قوة لكسر الحصار. وفي المقابل، برز الرد الإيراني "الخشن" عبر تهديدات محمد باقر قاليباف باستهداف الحاملة وتحويلها إلى ركام. وهنا تظهر "اللمسة الصينية" كعنصر حسم؛ حيث تتوارد التقارير عن تزويد طهران ب صواريخ صينية فرط صوتية محمولة (قاتلة الحاملات). هذه الصواريخ تجعل من وجود "جورج واشنطن" في مياه الضيق الضيقة مقامرة تقنية؛ فإما أن تفرض أمريكا هيبتها، أو تصطدم بالتكنولوجيا الصينية التي قد تعيد تعريف موازين القوى البحرية للأبد. ثالثًا: الخطة الكبرى.. إفقار المنطقة وسداد ديون واشنطن بعيدًا عن "التهور"، تشير القراءة الاستراتيجية إلى أن ترامب، ربما قد يتبنى استراتيجية ممنهجة سلفا لتحقيق أغراض سياسية واقتصادية بعيدة المدى من خلال ثلاثة محاور: إحراق البترول ورسم خريطة لصالح إسرائيل: استهداف أمن الطاقة يهدف لإضعاف القوى الإقليمية وترك الساحة لإسرائيل كقوة وحيدة مستقرة، مع فرض واقع جغرافي جديد تحت ضغط الحاجة. خنق المنافسين وسداد الديون: عبر احتكار سوق الطاقة والأسمدة الأمريكي، يسعى ترامب لإجبار الصين وأوروبا واليابان على الشراء من واشنطن حصراً، مما يسهم في سداد الديون الأمريكية البالغة 39 تريليون دولار. ويبرز هنا سلاح النفط والغاز الصخري الأمريكي؛ فواشنطن التي تحولت إلى منتج عالمي ضخم، تجد في 'تعطيل' تدفقات بترول الخليج فرصة ذهبية لرفع أسعار طاقتها الوطنية، وتحويل حلفائها ومنافسيها إلى رهائن لإنتاجها المحلي، مما يضمن تدفق السيولة لسداد الديون من جيوب العالم. استمرار نظرية القطب الأوحد: محاولة الحفاظ على بقاء أمريكا كقطب أوحد يتحكم في مقدرات العالم. رابعًا: هل تنصاع القوى العظمى؟
أمام هذا الطموح، تبرز تساؤلات حول موقف روسياوالصين: الصين: لن تقبل بخنق محركها الصناعي، ومن المتوقع أن ترد بتسريع "إلغاء دولرة" الاقتصاد ودعم إيران استخباراتيًا لمنع سقوطها. روسيا: ستعمل على تزويد حلفائها بأنظمة دفاع جوي وصاروخي متطورة لرفع "تكلفة الحرب" على واشنطن وجعلها انتحارًا عسكريًا. حلف الضرورة: السيناريو المتوقع هو ولادة تحالف (روسي-صيني-إيراني) يهدف لتأمين ممرات طاقة بديلة وكسر هيمنة الدولار. خامسًا: دول الخليج وتبدل التحالفات التاريخية أمام هذا السيناريو، لن تقف عواصم القرار الخليجي مكتوفة الأيدي؛ فالتلويح بإحراق المنطقة يعني خسارة واشنطن لحليفها التاريخي للأبد. ومن المتوقع أن تسرع هذه السياسة من 'الهروب الكبير' نحو الشرق، حيث تجد دول المنطقة في الصينوروسيا درعاً استراتيجياً يحمي مصالحها من المقامرات الأمريكية. ومن الناحية العسكرية، نعيش اليوم الاختبار النهائي لعصر البوارج الضخمة؛ حيث تقف الحاملات المليارية عاجزة أمام تكنولوجيا الصواريخ 'الرخيصة والذكية' التي تملكها طهران بدعم صيني، مما ينذر بسقوط أسطورة التفوق البحري التقليدي." مقامرة "الأرض المحروقة" بينما تراه الصحافة البريطانية "قائدًا طائشًا"، يبدو أننا أمام استراتيجية "الأرض المحروقة" لإعادة هيكلة العالم. إنها مقامرة تاريخية؛ فإما أن تنجح واشنطن في إخضاع العالم عبر بوابة الطاقة والإفقار، أو يتحول حريق هرمز إلى شرارة تنهي عهد القطبية الواحدة وتبني نظامًا عالميًا جديدًا على أنقاض الهيمنة الأمريكية. فالعالم اليوم لم يعد يتحمل مزيدًا من الهزات، وكفانا شتاء متأخرا وربيعا متقدما مناخيًا وسياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا.