يستعد ملايين المسيحيين حول العالم لاستقبال عيد الفصح أو القيامة يوم الأحد 12 أبريل 2026، وهو أعظم الأعياد السيدية الكبرى في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، وذلك بعد انتهاء الصوم الكبير، الذي يمتد لخمسة وخمسين يومًا، ويعقب الصوم فترة أسبوع الآلام، ولأسبوع الآلام وقع خاص في قلوب أقباط مصر، وطقوس ما زالوا يتمسكون بها لألفي عام أو يزيد، ويُطلق الاسم على الأيام الأخيرة في حياة السيد المسيح على الأرض، حيث تعيش الكنائس أجواء روحانية خاصة، تمتزج فيها الصلوات بالتأملات العميقة في آلام المسيح، يبدأ الأسبوع بأحد الشعانين وينتهي بأحد القيامة. أحد الشعانين.. يوافق ذكرى دخول السيد المسيح إلى أورشليم، واستقبال الشعب له بسعف النخيل وأغصان الزيتون، ويذكر المقريزي في خططه أن المصريين كانوا يزينون أبواب بيوتهم بسعف النخيل. اثنين البصخة.. لعن شجرة التين غير المثمرة ثلاثاء البصخة.. وفيه استكمال أحداث اليوم السابق له، وفيه يكشف المسيح الأسرار التي كان التلاميذ يتوقون لمعرفتها. أربعاء أيوب.. اتفاق يهوذا الإسخريوطي على تسليم السيد المسيح مقابل "ثلاثين من الفضة". خميس العهد.. العشاء الأخير للسيد المسيح، وفيه أرسى أحد أهم الأسرار الكنسية في العقيدة المسيحية وهو سرّ الإفخارستيا (التناول) عندما قدم الخبز والخمر لتلاميذه باعتبارهما رمزًا لجسده ودمه، وكان من أهم أحداثه طقس غسل الأرجل، إذ قام المسيح بغسل أرجل تلاميذه بنفسه، في مشهد يعكس روح المحبة والتواضع. يخبرنا المقريزي في خططه أن "خميس العدس" من المناسبات التي كان يُحتفل بها في عموم مصر، وقال إن المصريين (مسلمين ومسيحيين) كانوا يطبخون العدس خاصة في القرى. الجمعة العظيمة.. القبض على السيد المسيح، وتسليمه، ومن ثم محاكمته أمام بيلاطس البنطي، والذي أعلن أنه لم يجد فيه علة واحدة تستوجب الموت، وتخبرنا الأناجيل "فَلَمَّا رَأَى بِيلاَطُسُ أَنَّهُ لَا يَنْفَعُ شَيْئًا، بَلْ بِالْحَرِيِّ يَحْدُثُ شَغَبٌ، أَخَذَ مَاءً وَغَسَلَ يَدَيْهِ قُدَّامَ الْجَمْعِ قَائِلًا: «إِنِّي بَرِيءٌ مِنْ دَمِ هَذَا الْبَارِّ! أَبْصِرُوا أَنْتُمْ!» "فَأَجَابَ جَمِيعُ الشَّعْبِ وَقَالُوا: «دَمُهُ عَلَيْنَا وَعَلَى أَوْلاَدِنَا»." (مت 27: 24-25). وتُعد من أكثر الأيام قداسة وتأثيرًا في وجدان المسيحيين، إذ تحيي الكنيسة خلالها ذكرى آلام السيد المسيح ومحاكمته وصلبه. وخلال هذا اليوم، تعيش الكنائس أجواء من الحزن والتأمل العميق. سبت النور.. ويوافق وضع جسد السيد المسيح في القبر. وأخيرًا أحد القيامة.. وفيه قيامة السيد المسيح من الأموات، بحسب الأناجيل، وخلال هذا اليوم، تتبدل أجواء الكنائس من الحزن إلى الفرح، حيث تُقرع الأجراس احتفالًا بالقيامة. أما بخصوص تحديد موعد عيد القيامة.. فيكون بحساب فلكي دقيق، يُسمَّى حساب الأبُقطي، ففي التقويم القبطي، هناك أعياد لها تاريخ ثابت، وأخرى لها تاريخ متغير، فمثلا يوجد تاريخان ثابتان هما 29 كيهك (عيد الميلاد المجيد ويوافق 7 يناير حاليًا) و5 أبيب (عيد الرسل ويوافق 12 يوليو حاليًا) وبينهما يأتي صوم يونان (متغير) والصوم الكبير (متغير) وعيد القيامة (متغير) وعيد العنصرة (متغير).. تُحدد بأسس كنسية وتاريخية دقيقة تعود إلى القرون الأولى للمسيحية. في الحقيقة، لقد لعب بابا الإسكندرية دورا هاما في تحديد تاريخ عيد القيامة، بعد أن أوكل مجمع نيقيه المسكوني الأول 325م مسئولية حساب موعده لبابا الإسكندرية، على أن يقوم سنويًا بإبلاغ جميع أساقفة العالم بموعد عيد القيامة، وإرسال الرسائل إلى كل كنائس المسكونة، والتي عُرفت "بالرسائل الفصحية"، وذلك قبل موعد الصوم المقدس من كل عام. كل هذا إنما يدل على مكانة كنيسة الإسكندرية وقدرة أساقفتها العلمية والفلكية، حيث كانت الإسكندرية هي المركز العلمي الرائد في رصد الحسابات الفلكية، وخلال تحديد موعد عيد القيامة تراعي الكنائس أن يكون الاحتفال بهذه المناسبة موافقًا للشروط التالية: • أن يكون يوم أحد • أن يأتي بعد الاعتدال الربيعي (21 مارس) • أن يكون بعد فصح اليهود.. لأن القيامة جاءت بعد الفصح اليهودي ليست القيامة مجرد حدث ديني يُحتفى به في زمنٍ بعينه، بل هي رمزٌ عميق لتجدد الحياة، وبعث الأمل في القلوب بعد انكسارها، إنها دعوة مفتوحة للإنسان كي يُجدّد إيمانه بالمحبة والسلام. وفي مجتمعاتنا، تتجاوز القيامة حدود الطقس الروحي، لتُجسّد لحظة بعث للمعاني الكبرى في النفس؛ معاني الرجاء في أن يسود السلام ربوع الأرض، وأن تتراجع مساحات الألم لصالح المحبة.. التي جاء من أجلها السيد المسيح.