يمثل معرض القاهرة الدولي للكتاب إحدى العلامات الفارقة في المشهد الثقافي العربي والإفريقي، حيث لا يقتصر حضوره على كونه تظاهرة سنوية لتداول الكتاب، ولكنه يتجاوز ذلك ليعكس تحولات في علاقة الدولة بالثقافة، ويكشف عن موقع المعرفة داخل البنى الاقتصادية والسياسية والهوية، ومن ثم يصبح المعرض أداة فاعلة من أدوات القوة الناعمة، توظف فيها الثقافة كرأسمال رمزي لإعادة ترسيخ المكانة الإقليمية، في سياق تتكامل فيه خطابات الدولة والسوق والنخب المعرفية في تحديد ما يعد معرفة مشروعة وقابلة للتداول والتدويل، ومع التحولات البنيوية في أنماط الإنتاج الثقافي، وصعود اقتصاد المعرفة، بات معرض الكتاب فضاءً مركزيًا تتلاقي فيه المحلية مع العولمة، وتتجاور فيه القيمة الثقافية منطق السوق، بما يجعله مؤشرًا كاشفًا عن التحولات العميقة التي يشهدها المجال الثقافي في مصر والمنطقة، فهو مرآة لهذه التحولات وأحد الفاعلين في إعادة تشكيلها. تأسس معرض القاهرة الدولي للكتاب عام 1969 في سياق حضارى تعد فيه الثقافة إحدى ركائز المشروع الوطني، وقد اضطلع، على امتداد عقود، بدور محوري في نشر المعرفة وتوسيع دوائر الوصول إليها، من خلال إتاحة الكتاب بأسعار مدعومة، وجمعه بين الناشرين والمفكرين والجمهور العام في فضاء ثقافي واحد، وبهذا تحول المعرض من مجرد سوق للكتاب، إلى منصة للنقاش العام، وحاضنة للتيارات الفكرية، ومؤشر دال على المزاجين الثقافي والسياسي للمجتمعين المصري والعربي، وفي ضوء مفهوم القوة الناعمة، الذي يقوم على قدرة الدول على التأثير في الآخرين عبر الجاذبية الثقافية والقيمية بدون الإكراه، يعد معرض القاهرة الدولي للكتاب أداة مركزية من أدوات القوة الناعمة المصرية، حيث تستثمر الثقافة كوسيط رمزي لإعادة إنتاج المكانة الإقليمية لمصر، وترسيخ صورتها كحاضنة تاريخية للمعرفة والفكر العربي، كما يتجاوز دور المعرض، عرض الإنتاج الثقافي، إلى هندسة سردية ثقافية عن الدولة والمجتمع، تسوق خارجيًا عبر آليات التدويل والتبادل الثقافي، وداخليًا عبر إعادة بناء الثقة في الدور الثقافي للدولة الوطنية وتعزيز شرعيتها وسيادتها. تتيح ماهية الهيمنة الثقافية فهم الكيفية التي تعاد بها صياغة علاقات السيطرة والنفوذ عبر الثقافة والمعرفة، فهما أدوات فاعلة في إنتاج الشرعية وإعادة تشكيل الوعي الجمعي، ومن خلال معرض القاهرة الدولي للكتاب، تلتقي خطابات متعددة خطاب الدولة، وخطاب السوق، وخطاب النخب الثقافية، لنشر المعرفة وفتح مسارات التدويل أمام الإنتاج المعرفي المحلي والنفاذ إلى الأسواق العالمية، ويقصد بتدويل الثقافة انتقال الفعل الثقافي من نطاقه المحلي أو الوطني إلى فضاء عابر للحدود، عبر آليات الترجمة، والتبادل الثقافي، والشراكات الدولية، والحضور الفعال للدول والمؤسسات العابرة للقوميات، وقد شهد معرض القاهرة الدولي للكتاب توسعًا ملحوظًا في المشاركة الدولية، سواء من خلال أجنحة الدول، أو برامج ضيوف الشرف، أو الفعاليات المشتركة مع منظمات ثقافية عالمية، ومن ثم يتحول المعرض إلى أداة من أدوات القوة الناعمة المصرية، ومنصة لإعادة تقديم صورة الدولة بوصفها مركزًا ثقافيًا إقليميًا فاعلًا. ويشير مفهوم اقتصاد المعرفة إلى نمط اقتصادي تصبح فيه المعرفة والمعلومات والإبداع رأس المال الأساسي لعمليات النمو والتنمية، حيث تعد القيمة الاقتصادية تقاس بما ينتج ماديًا، ورمزيًا ومعرفيًا، وفي ضوء ذلك، أصبح الكتاب جزءًا من منظومة متكاملة للصناعات الإبداعية تشمل النشر الرقمي، وحقوق الملكية الفكرية، والترجمة، والتوزيع العابر للحدود، ويندرج معرض القاهرة الدولي للكتاب ضمن هذه المنظومة الأوسع لما يعرف باقتصاد الإبداع، حيث تتحول الصناعات الثقافية وعلى رأسها صناعة النشر إلى رافد اقتصادي لا يقل أهمية عن القطاعات الإنتاجية التقليدية. ويسعى معرض القاهرة الدولي للكتاب، في خضم هذه التحولات الجوهرية، إلى إعادة تموضعه بوصفه ركيزة أساسية ضمن منظومة اقتصاد المعرفة، وتتجلى هذه الاستراتيجية الطموحة في تبني مسارات تكاملية تبدأ بتحفيز صناعة النشر، وتمتد إلى تمكين ريادة الأعمال الثقافية، وتهيئة بيئة حاضنة للمشروعات الناشئة التي تزاوج بين الإبداع الفكري والجدوى الاقتصادية، ويتواكب ذلك مع رقمنة العمليات الإدارية واللوجستية، بما يعكس إدراكًا مؤسسيًا عميقًا لضرورة تحديث أدوات إنتاج المعرفة وتداولها، وضمان مواءمة الفعاليات الثقافية مع متطلبات العصر التقني. وتعد هذه التحركات المدروسة وعيًا مؤسسيًا، بأهمية تطوير البنية التحتية لإنتاج الوعي، حيث يعد ركيزة أساسية في بناء القوة الناعمة وترسيخ الشرعية المعرفية للدولة في المجالين الإقليمي والدولي وشرطًا لازمًا لاستدامة الدور الثقافي في عصر التحول الرقمي، كما تعكس سعيًا واعيًا لردم الفجوة بين التراث الثقافي العريق ومتطلبات البيئة الرقمية المتسارعة، بما يضمن إعادة توظيف هذا التراث ضمن منظومات حديثة لإنتاج المعرفة وتداولها وعلى هذا النحو، تصبح المعرفة أداة فاعلة للتأثير الثقافي والتواصل الحضاري، وقابلة للتجدد وإعادة التشكل وفق لغة العصر، وبهذا يصبح معرض القاهرة الدولي للكتاب منصة عالمية فاعلة في صناعة المستقبل الثقافي. ويثير ربط معرض القاهرة الدولي للكتاب باقتصاد المعرفة جملة من القضايا الجوهرية المرتبطة بمفهوم العدالة المعرفية، وفي مقدمتها مسألة الملكية المعرفية، من يمتلك المعرفة، ومن يهيمن على أدوات إنتاجها وتداولها، ومن يملك حق الوصول إليها؟ وفي هذا الإطار، يكمن التحدي في حجم الإنتاج المعرفي و جدواه الاقتصادية، وطبيعة توزيعه وآليات إتاحته ومدى قدرة المعرض على الإسهام الفعلي في تقليص الفجوة المعرفية بدلًا من إعادة إنتاجها بصيغ جديدة، فالمعرض بما يمتلكه من ثقل رمزي ومؤسسي، في الحفاظ على بعده الاجتماعي بوصفه فضاءً عامًا للمعرفة، ومدى نجاحه في دمج الفئات المهمشة داخل منظومة الوصول المعرفي، عبر تبني سياسات تسعير عادلة، وبرامج دعم مستدامة، وآليات إتاحة رقمية لا تقصي غير القادرين على امتلاك أدوات التكنولوجيا، وعلى هذا الأساس، تتحدد وظيفة المعرض كوسيط ثقافي يعيد توزيع رأس المال المعرفي على نحو أكثر إنصافًا، حيث يدار اقتصاد المعرفة بمنظور إنساني وأخلاقي وفق توازن واعي بين الجدوى الاقتصادية والحق في المعرفة، وبذلك يصبح معرض الكتاب فاعلًا في إعادة تشكيل الوعي الجمعي، ومساهمًا في ترسيخ المعرفة كحق عام، بما يدعم دوره كقوة ناعمة ذات بعد اجتماعي وسياسي مستدام. وفي ختام معرض القاهرة الدولي للكتاب، لا يقاس نجاحه بمدى توسعه أو بزخمه الجماهيري، ولكن بقدرته على أنع أصبح فاعلًا مركزيًا في منظومة إنتاج الوعي، وبناء الإنسان، وإثراء المعرفة، فحين يدار المعرض كمنصة للعدالة المعرفية، ويوازن بوعي بين متطلبات اقتصاد المعرفة وحق المجتمع في الوصول العادل إلى الثقافة، يتحول من حدث ثقافي موسمي إلى أداة فاعلة من أدوات القوة الناعمة، وقوة دافعة لترسيخ الشرعية المعرفية، وعلى هذا الأساس، يصبح المعرض مساحة متجددة لإعادة توزيع رأس المال الرمزي، وجسرًا ديناميكيًا بين التراث والتحديث، ومنصة لصياغة وعي جمعي نقدي قادر على مقاومة الإقصاء، والتفاعل الخلاق مع تحديات العصر الرقمي، بما يؤسس لدور ثقافي مستدام لا يكتفي بمواكبة الحاضر، بل يستشرف ملامح المستقبل الثقافي.