محمد المر: المشروع الثقافي يبدأ بالطموح… ومكتبة الإسكندرية نموذج يُحتذى أحمد مجاهد: معرض القاهرة للكتاب مشروع الدولة الثقافي الأكبر محمد رشاد: صناعة النشر العربي تواجه أزمات هيكلية علي بن تميم: الثقافة مؤسسة قائمة بذاتها ولا نهضة دونها نظم مركز أبوظبي للغة العربية ندوة ثقافية كبرى بعنوان "العمل الثقافي وبناء الدول.. تجارب ومحطات"، وذلك ضمن فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، بحضور ومشاركة نخبة من القيادات الثقافية العربية وصنّاع القرار في مجالات النشر والمعرفة. شارك في الندوة كل من محمد المر رئيس مجلس إدارة مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للمعرفة، ومحمد رشاد رئيس اتحاد الناشرين العرب، والدكتور أحمد مجاهد المدير التنفيذي لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، والدكتور علي بن تميم رئيس مركز أبوظبي للغة العربية، فيما أدارت الجلسة الإعلامية منى سالمان، حيث ناقش المشاركون دور الثقافة في بناء الوعي المجتمعي، وأهمية المؤسسات الثقافية في دعم الدولة الحديثة، والتحديات التي تواجه صناعة النشر عربيًا. أكد محمد المر أن أي مشروع ثقافي حقيقي لا يمكن أن يرى النور دون امتلاك قدر كبير من الطموح، مشددًا على أن المكتبات الكبرى ليست مجرد أماكن لحفظ الكتب، بل فضاءات حية للتفاعل المجتمعي والمعرفي. مكتبة الإسكندرية تمثل القدوة والنموذج وأوضح أن مكتبة الإسكندرية تمثل القدوة والنموذج الأبرز في هذا السياق، ليس فقط على المستوى العربي، بل عالميًا، لكونها استطاعت أن توفر طاقة استيعابية ضخمة، وفضاءً مختلفًا يخدم جميع الفئات العمرية والثقافية، وهو ما جعلها نموذجًا يُحتذى به في العديد من التجارب الثقافية اللاحقة. وأشار إلى أن العالم يضم مكتبات ضخمة في دول مثل سنغافورة وغيرها، إلا أن مكتبة الإسكندرية تظل المثال الأهم الذي تم الاقتداء به، خاصة في ما يتعلق بدمج المعرفة بالبعد الجمالي والترفيهي، من خلال الاهتمام بالتصميم المعماري، وتوفير أماكن للقاءات الثقافية، والأمسيات الشعرية، إلى جانب الكافيهات والمساحات المفتوحة. وأضاف "المر" أن من العناصر الجوهرية في نجاح أي مكتبة كبرى هو الاقتراب من المجتمع، ودعم طلاب الجامعات، والاهتمام بتكوين مجموعات نوعية وخاصة، مثل اقتناء الطبعات الأولى من الأدب الكلاسيكي، على غرار ما قامت به مكتبة الإسكندرية من خلال احتضانها مكتبات ومقتنيات رموز ثقافية كبرى، مثل محمد حسنين هيكل، ونجيب محفوظ، وشادي عبد السلام. واختتم حديثه بالتأكيد على أن المفهوم التطبيقي الحقيقي للعمل الثقافي يكمن في التواصل المباشر مع المجتمع، وهو ما سعت إليه هذه التجارب مستلهمة نموذج مكتبة الإسكندرية. أحمد مجاهد: المشروعات الثقافية من أهم الركائز التي أسست لوعي ثقافي واسع من جانبه، استعرض الدكتور أحمد مجاهد أبرز المشروعات الثقافية التي ساهمت في بناء الوعي المصري والعربي، مؤكدًا أن مشروع الثقافة الجماهيرية، ومشروع الألف كتاب الذي أطلقه الدكتور ثروت عكاشة، ثم مشروع القراءة للجميع، كانت من أهم الركائز التي أسست لوعي ثقافي واسع، وأسفر عنها إطلاق مشروع مكتبة الأسرة عام 1994. وأشار إلى أن المشروع القومي للترجمة مثّل بدوره علامة فارقة، حيث أنتج نحو ألف عنوان قبل أن يتحول لاحقًا إلى المركز القومي للترجمة. معرض القاهرة الدولي للكتاب هو مشروع الدولة المصرية وأكد مجاهد أن معرض القاهرة الدولي للكتاب هو مشروع الدولة المصرية، وأكبر مشروع ثقافي عربي، موضحًا أن المعرض لم يكن يومًا مجرد سوق لبيع الكتب، بل تطور تدريجيًا ليصبح ملتقى للمثقفين، ثم كرنفالًا ثقافيًا شاملًا، يجمع بين الفكر والإبداع وصناعة النشر. وأوضح أن إدارة المعرض عملت خلال السنوات الأخيرة على الجمع بين نموذجين، الأول هو سوق الكتاب التقليدي، والثاني هو نموذج معرض فرانكفورت القائم على تبادل حقوق النشر والملكية الفكرية، مشيرًا إلى إدخال آلية شراء حقوق الملكية الفكرية كخطوة داعمة لصناعة النشر. وكشف عن وجود أفكار تطويرية مستقبلية، من بينها توسيع نطاق أيام تبادل حقوق الملكية الفكرية، وتقليل عدد الندوات مع الاكتفاء بثيمة رئيسية واحدة تجمع الفعاليات، بما يحقق تركيزًا وجودة أعلى. بدوره، تحدث محمد رشاد عن التحديات العميقة التي تواجه صناعة النشر في العالم العربي، مشيرًا إلى أن الكتاب الأكاديمي كان في السابق قاطرة النشر العربي، بينما تتجه الجامعات حاليًا إلى دور النشر الأجنبية، في ظل عدم جاهزية الناشر العربي لسوق النشر الرقمي. محمد رشاد: هناك حاجة إلى إنشاء أكاديمية متخصصة لتأهيل الناشرين العرب وشدد على الحاجة إلى إنشاء أكاديمية متخصصة لتأهيل الناشرين العرب، مؤكدًا أن غياب قواعد البيانات الدقيقة يمثل أزمة حقيقية، رغم أن إحصاءات مركز دراسات اتحاد الناشرين تشير إلى أن إجمالي ما يصدر في الوطن العربي يبلغ نحو 90 ألف كتاب سنويًا. وأكد رشاد ضرورة التوازن بين الحفاظ على الهوية واحترام العادات والتقاليد، وبين وجود معايير واضحة ومعلنة للرقابة، محذرًا من تراجع عادة القراءة لدى الجمهور العربي، ما يستدعي إطلاق مبادرات قومية شاملة. وتطرق إلى ظاهرة النشر المدفوع، موضحًا أنها موجودة عالميًا، إلا أن الفارق يكمن في أن العائد في أوروبا يعود إلى المؤلف من المبيعات، بينما يقتصر الأمر عربيًا على منحه عددًا من النسخ فقط. وأشار إلى أن النشر هو صناعة وتجارة ورسالة ثقافية في آن واحد، منتقدًا فرض ضرائب مرتفعة على دور النشر في دول غير منتجة ثقافيًا، معتبرًا ذلك نوعًا من الازدراء لصناعة النشر. ولفت إلى أن الناشر الأوروبي يعتمد قبل الطباعة على مراجعات مهنية وطلبات من المكتبات العامة، في حين تعاني المنطقة العربية من قلة عدد المكتبات العامة، فضلًا عن تفشي القرصنة، وتراجع دور المكتبات الجامعية في الشراء منذ عام 2011. مصر من أوائل الدول التي أصدرت قانونًا لحماية حقوق الملكية الفكرية وأكد أن مصر كانت من أوائل الدول التي أصدرت قانونًا لحماية حقوق الملكية الفكرية، إلا أن تطبيقه الفعلي لا يزال محدودًا، مشيرًا إلى أن حقوق الكتب العربية متاحة حاليًا عبر محركات البحث دون حماية حقيقية. من جهته، أوضح الدكتور علي بن تميم أن تأسيس مركز أبوظبي للغة العربية جاء بعد دراسات وورش عمل معمقة حول واقع المؤسسات الثقافية، مشيرًا إلى أن العديد من المؤسسات كانت تركز على الجوانب التشريعية أكثر من الفعل الثقافي المباشر. وأوضح أن المركز ركّز منذ تأسيسه على الترجمة، وعلى إعادة تشكيل معرض القاهرة الدولي للكتاب ليواكب المعارض الفكرية العالمية، ليكون مظلة للفعاليات الكبرى ذات الجدية والعمق. وأشار إلى استحداث عدد من التقاليد الثقافية المهمة، مثل شخصية العام وكتاب العام، مؤكدًا أن الثقافة هي التي تصنع الفكر، وأن المركز تأسس لتعزيز القراءة، خاصة في مجال الترجمات، في ظل تراجع الأبحاث العلمية الجادة داخل الجامعات. وأكد أن التمويل المخصص للكتاب كبير، لكنه لا يتناسب مع حجم الإنتاج الثقافي المطلوب، مشددًا على أن نجاح أي مؤسسة حكومية مرهون بإدراك الدور الحقيقي للثقافة، والنظر إليها برؤية حديثة تجمع بين الأصالة والتجديد. نجيب محفوظ يشبه المؤسسة الثقافية واستشهد بن تميم بما قاله المفكر لويس عوض في أوائل السبعينيات، حين شبّه نجيب محفوظ بالمؤسسة الثقافية، نظرًا لتنوع إنتاجه واختلاف مراحله، مؤكدًا أن اللغة والأدب والثقافة هي مؤسسات قائمة بذاتها، ولا يمكن الحديث عن ثقافة دون مؤسسة تحمل هذا التنوع. واختتم حديثه بالتأكيد على ضرورة قراءة مخرجات الثقافة العربية بعيون جديدة، وعدم الوقوع في وهم التوحد الثقافي، مشيرًا إلى أن الكتاب الرقمي سيغير نظرتنا للثقافة العربية، ويفرض الحاجة إلى فضاءات جديدة للمعرفة، على غرار ما يحدث في مكتبة الإسكندرية ومكتبة محمد بن راشد، داعيًا الدول المؤسسة لهذه المشروعات إلى إعادة النظر في آليات دعمها بما يليق بالثقافة العربية.