جاء خطاب الرئيس عبد الفتاح السيسي في منتدى دافوس بوصفه عرضًا مكثفًا لرؤية الدولة المصرية تجاه لحظة دولية مضطربة تتداخل فيها اعتبارات الأمن بالاقتصاد، وتتراجع فيها قواعد النظام الدولي أمام ضغوط الاستقطاب والازدواجية، وقد بدا واضحًا أن مصر لا تتعامل مع أزمات الإقليم بمنطق إدارة الوقت أو امتصاص التوترات مؤقتًا، بل بمنطق إعادة ضبط المسارات: مسار الشرعية الدولية، ومسار الدولة الوطنية، ومسار التنمية كنتاج طبيعي للاستقرار لا كبديل عنه. ومن هنا اكتسبت المشاركة المصرية دلالتها؛ فدافوس ليس منصة اقتصادية فقط، لكنه فضاء لصياغة السرديات الكبرى حول كيف يدار العالم، ومصر اختارت أن تدخل هذا الفضاء بخطاب يعيد مركز الثقل إلى القضايا التي تُشكل جذور الاضطراب بدل الاكتفاء بأعراضه. تجلت مركزية القضية الفلسطينية في الخطاب المصري من زاوية سياسية واستراتيجية تتجاوز البعد العاطفي أو الخطابي التقليدي، مصر قدمت القضية باعتبارها معيارًا لاختبار صدقية النظام الدولي نفسه: هل ما زالت المرجعيات الدولية قادرة على إنتاج تسوية عادلة؟ وهل احترام القانون الدولي يُطبق على الجميع أم يُدار وفق موازين القوة؟ حين يكرر الرئيس أن مصر لن تدخر جهدًا للوصول إلى حل عادل وشامل وفق المرجعيات الدولية، فهو لا يعلن موقفًا فقط، بل يضع إطارًا تفاوضيًا واضحًا يرفض القفز على أسس الحل ويمنع تحويل الأزمة إلى ملف إنساني بحت أو إلى ترتيبات أمنية مؤقتة. بهذا المعنى، تبدو القضية الفلسطينية في صلب السياسة الخارجية المصرية لأنها تمثل المدخل الأكثر واقعية لتهدئة الإقليم: غياب العدالة في هذه القضية يُنتج دورات عنف متجددة، ويُغذي خطاب التطرف، ويُقوض أي تصور لاستقرار طويل الأمد يطمح له المستثمرون والدول على حد سواء. أما رسالة الرئيس بشأن تجاوز بعض الأطراف لأسس الشرعية الدولية، فقد جاءت باعتبارها تشخيصًا لتآكل قواعد الضبط في العلاقات الدولية، وليس فقط توصيفًا لأزمة بعينها، خطورة التجاوز هنا ليست في الحدث نفسه، بل في السابقة التي يخلقها: عندما يسمح بإضعاف القانون الدولي الإنساني أو تهميش قرارات الشرعية دون مساءلة فعّالة، تتحول المنظومة الدولية من نظام قائم على قواعد إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات، هذا التحول ينعكس مباشرة على السلم العالمي لأنه يوسع منطق الإفلات من العقاب، ويشجع أطرافًا أخرى على انتهاج الأسلوب نفسه، ويجعل النزاعات أكثر قابلية للانتشار جغرافيًا عبر موجات نزوح واضطراب في أسواق الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد، الخطاب المصري هنا يربط بين ما يبدو إقليميًا وما هو عالمي: أي خلل في احترام الشرعية الدولية داخل الإقليم ينتهي سريعًا إلى تكلفة اقتصادية وأمنية عالمية، وهو ما يفسر طرح مصر لهذه الرسالة من منصة دافوس تحديدًا. ومن هذا المنطلق، يمكن فهم المقترحات المصرية لإصلاح مثالب النظام الدولي كحزمة مبادئ عملية وليست شعارات عامة. أول هذه المبادئ هو إعادة الاعتبار للتسوية السلمية للنزاعات، وهو ما عبر عنه الرئيس بوضوح حين أكد ضرورة الالتزام بالحلول السلمية والسعي لتعزيز التكامل والاندماج لتحقيق الرخاء المشترك، هذا المبدأ يحمل مضمونا سياسيًا واقتصاديًا معًا: فالحلول العسكرية لا تنتج استقرارًا قابلًا للاستثمار، بينما التسويات السياسية تفتح الباب أمام إعادة البناء وإدارة الموارد وتكوين شراكات إقليمية، ثاني المبادئ هو تقوية آليات العمل متعدد الأطراف بما يقلل من انتقائية تطبيق القانون الدولي ويحد من تسييس المؤسسات الدولية، وثالثها توسيع المشاركة والتمثيل بما يمنح الدول النامية وزنا متوازنا في صنع القرار، لأن جزءًا من أزمة النظام الحالي يتمثل في شعور قطاعات واسعة من العالم بأن قواعد اللعبة تُكتب دونها ثم تفرض عليها، ورابعها تبني مقاربات وقائية للأزمات بدل الاكتفاء برد الفعل، عبر دبلوماسية نشطة تتعامل مع جذور النزاع: الهوية، والموارد، وبناء المؤسسات، والعدالة. ويأتي تركيز الرئيس على دعم الدولة الوطنية كحل للأزمات في الشرق الأوسط بوصفه نقطة مفصلية في الرؤية المصرية، لأنها تعالج أصلًا متكررًا للفوضى في الإقليم: ضعف المؤسسات أو انهيارها تحت ضغط الانقسام الداخلي أو التدخل الخارجي أو تسليح الجماعات خارج إطار الدولة، دعم الدولة الوطنية هنا لا يعني تجاهل التنوع أو الخلافات، بل يعني وجود إطار شرعي جامع قادر على إدارة هذه الخلافات دون تفكك، في دول جوار شهدت صراعات داخلية، أثبتت الوقائع أن غياب الدولة يضاعف الأزمات بدل حلها: يتحول الخلاف السياسي إلى صراع مسلح، ويتحول الاقتصاد إلى اقتصاد حرب، وتصبح السيادة ساحة نفوذ متبادل، لذلك حين تؤكد مصر مبدأ عدم التدخل في شؤون الدول، فهي تطرح قاعدة لتقليل الصدامات الإقليمية وبناء الثقة، وتطرح في الوقت نفسه تصورًا لاستعادة الاستقرار عبر تقوية المؤسسات الوطنية لا استبدالها بترتيبات مؤقتة أو كيانات موازية. ويتصل ذلك مباشرة بكيفية ربط الرؤية المصرية بين تصفير النزاعات وتحقيق التنمية المستدامة، الفكرة المصرية هنا ليست رومانسية، بل حسابية: النزاع يستهلك الموارد، يطرد الاستثمار، يضغط على الموازنات العامة، ويفكك المجتمع ويُضعف رأس المال البشري، وعندما تدار الأزمات بمنطق التصعيد، تصبح التنمية مجرد شعارات لأن أدواتها تتآكل: لا سياحة، لا صناعة مستقرة، لا تجارة آمنة، ولا قدرة على التخطيط بعيد المدى، لذلك يظهر في خطاب الرئيس تأكيد متكرر على التكامل والاندماج بين الدول، وهو طرح جوهري لأن التنمية المستدامة في الإقليم لا تتحقق داخل حدود دولة واحدة فقط، بل عبر شبكات تبادل واستثمار وطاقة ونقل وأمن غذائي، وهذه الشبكات تحتاج حدًا أدنى من الاستقرار السياسي، تصفير النزاعات وفق هذا المنظور هو سياسة تمكين اقتصادي قبل أن يكون شعارًا دبلوماسيًا. ومن هنا يمكن فهم الإشارة إلى جهود وقف الحرب في قطاع غزة، وتقدير أي مسعى دولي حقيقي يفضي إلى وقف القتال وحماية المدنيين، بوصفها جزءًا من مقاربة مصرية أوسع: دعم وقف إطلاق النار ليس هدفًا منفصلًا، بل بوابة لإعادة إدخال السياسة بدل السلاح، ثم الانتقال إلى مسار إعادة الإعمار بما يخلق أرضية لاستقرار أطول، كما أن الحديث عن قمة شرم الشيخ للسلام باعتبارها تتويجًا لجهود الوساطة يعكس فكرة محورية: مصر لا تكتفي بإدارة التهدئة، بل تسعى لتحويلها إلى مسار، ثم تدعو للبناء على مخرجات القمة لإعادة الإعمار بما يمنع تكرار الانفجار، إعادة الإعمار هنا ليست فقط مشروعًا إنسانيًا، بل آلية لتجفيف أسباب التوتر عبر تحسين الواقع المعيشي، وإعادة الخدمات، وفتح أفق اقتصادي يقلل من قابلية المجتمع للانزلاق مجددًا إلى العنف.