ونحن على أعتاب شهر رمضان المبارك (17 فبراير – 21 مارس 2026)، والذي يشهد 30 يومًا من الروحانية والتأمل، يُعد الإعلام التلفزيوني فرصة ذهبية لتحويل عادات المشاهدة من الترفيه السطحي إلى بناء مجتمع معرفي يعتمد على العلم والمعرفة. بدلاً من البرامج التي لا تسمن ولا تغني من جوع – كالمقالب والدراما الرتيبة والتوقعات الفلكية – يجب أن تشغل أوقات الذروة (من 10 مساءً إلى 2 صباحاً) فى برامج علمية تفاعلية تجذب ملايين الشباب، الذين يُشاهدون بالفعل محتوى علمياً على يوتيوب بملايين المشاهدات، وبرنامج الدحيح خير مثال على ذلك. رمضان يُعد ذروة المشاهدة التلفزيونية في مصر والعالم العربي، حيث يصل معدل الإنفاق الإعلامي في أعلى معدلاته. لكن الجدول الرمضاني لا يزال يُسيطر عليه برامج تافهة مثل الخاصة بالمقالب على اختلاف ألوانها. هذه البرامج تحقق نسب مشاهدة عالية، لكنها لا تبني رصيداً معرفياً، بل تعزز الاستهلاك السلبي والإدمان على الترفيه اللحظي. وفي الوقت نفسه، تُشير إحصاءات يوتيوب إلى نهم معرفي هائل لدى الشباب، إذا تخطت بعض المشاهدات لبرنامج علمي 50 مليون مشاهدة في العديد من حلقاته.
مجتمع المعرفة: الرؤية الاستراتيجية لمصر 2030 بناء "مجتمع المعرفة" هو ركيزة رؤية مصر 2030، التي تهدف إلى التحول من اقتصاد تقليدي إلى اقتصاد قائم على الابتكار والتكنولوجيا. يُعرف مجتمع المعرفة بأنه "مجتمع يعتمد على إنتاج وتوزيع واستخدام المعرفة كمحرك للتنمية"، كما حدده منظمة اليونسكو. الأكثر إلحاحا في تدشين هذا المجتمع هو أن 40% من الشباب في مصر يعانون من نقص المهارات الرقمية والعلمية، مما يقف حائلا دون التنافسية العالمية. رمضان – بمشاهدته الجماعية العائلية – هو المنصة المثالية لزرع هذه الثقافة. لو استُبدلت 30% من ساعات الذروة ببرامج علمية، لوصلت المعرفة إلى 50 مليون مشاهد يومياً، مُعادلة حملات توعية وطنية بتكلفة صفرية إضافية. ولدينا العديد من الاقتراحات لبرامج علمية رمضانية كنموذج عملي جاهز للتنفيذ: مثلا برنامج "علماء رمضان"، والذي يمكن أن يكون حلقات يومية عن إنجازات علماء مسلمين وعرب تاريخيين (ابن سينا، الخوارزمي) ومعاصرين مصريين، مع تجارب حية. أيضا برنامج "رمضان يبتكر"، والذي يمكن أن يكون مسابقة ابتكار للشباب يقدمون مشاريع في الطاقة المتجددة، الذكاء الاصطناعي، أو الطب، تكون لجنة التحكيم: نواب رئيس الوزراء للشباب، وبعض أساتذة الجامعات والشخصيات العامة. هذه البرامج ستكلف أقل من برامج المقالب (استوديوهات بسيطة وخبراء محليين)، وستحقق إيرادات إعلانية من شركات التكنولوجيا.
المعرفة أمن قومي ولا شك أن تنفيذ هذه الرؤية تنعكس إيجابيا على المستوي الوطني محققة تنمية بشرية، تستهدف رفع مؤشر التنمية البشرية من 0.73 إلى 0.80 بحلول 2030 عبر التوعية العلمية. وقد يسفر ذلك عن تكريس مفهوم اقتصاد المعرفة بغية إنتاج 100 ألف مبتكر سنوياً، وهي الرؤية التي تسعى إليه الدولة المصرية وعلى قائمة أولوياتها الوطنية. ومن ناحية أخري، فإن خلق مجتمع المعرفة يسهم بشكل فاعل في الأمن قومي، إذ إن مجتمعا مثقفا هو أقرب إلى مقاومة الشائعات والتطرف. رمضان 2026 ليس مجرد شهر صيام، بل فرصة للصيام عن التسطيح والسذاجة بتحويل أوقات الذروة إلى منصات معرفية، نُنشئ مجتمعاً يتنافس عالمياً، مستلهماً تراثنا العلمي الإسلامي والعربي، والشباب جاهزون – فهل الإعلام مستعد؟