يبدو أننا سنعود دائما إلى عصر فاروق حسني الذي تولى وزارة الثقافة لمدة تقترب من 24 عاما حيث تم تنصيبه في أواخر عام 1987 عقب أزمة القانون 103 التي كان وزير الثقافة أثنائها الدكتور أحمد هيكل الذي وقع على اتفاق إنهاء اعتصام الفنانين من أجل إلغاء القانون الذي وضعه سعد الدين وهبة ومرره بمجلس الشعب كي يتاح له الترشح إلى ما لا نهاية كنقيب للسينمائين المصريين وبمجرد انفضاض الاعتصام تم التراجع عن الوعود التي كانت مؤيدة بتوصية رئيس الجمهورية وما زال هذا القانون البغيض ساريا حتى الآن (وهو الذي أتاح للسيد مسعد فودة البقاء في منصب النقيب متفوقا على المخرج على بدرخان ومستمرا حتى الآن دون أي مسوغ قانوني حتى طبقا للقانون 103 نفسه). المهم تم تعيين فاروق حسني الذي بقي وزيرا للثقافه اطول مده في تاريخها رغم تعدد الوزارات وتعاقبها.. واستمر حتى نجح في القفز من المركب الغارقة قبل تداعيات ثورة 2011) أول قرارات الوزير الذي كان مجهولا للكثيرين والذي كان يرأس أكاديمية روما وقبلها مستشارا ثقافيا في باريس تحت رئاسة السيد عاطف صدقي (الذي أصبح فيما بعد رئيسا للوزراء).. أن أصدر قراراً بتعيين سعد الدين وهبة رئيسا لمهرجان القاهرة السينمائي تعويضا عن إجباره على التخلي عن منصب النقيب وكان هذا – كما اتضح فيما بعد – قرارا حكيما رغم غضب معظم السينمائيين إذا أثبت سعد الدين وهبة أنه من أفضل من أداروا المهرجان العريق معيدا إليه الصفة الدولية التي كان قد فقدها واستمر في مقاطعة إسرائيل ثقافيا وهو امر لم يكن ليجرؤ عليه سوى سعد وهبة (وهذا موضوع سوف نعود إليه لاحقا) توالت على رئاسة المركز القومي للسينما عدة قيادات ذكرنا بعضا منها مثل هاشم النحاس ومدكور ثابت وعلى ابو شادي وخالد عبد الجليل وغيرهم ولكن سأخصص حلقتين في هذه المراجعات لشخص من أنبل من كانت السينما والثقافة هي همهم وشاغلهم ومن دفع الكثير من جهده وطاقته لخدمتها وإعادتها إلى ما تستحق من مكانه رفيعة حتى وافته المنية سنة 2017 .. هو المخرج والمثقف الكبير محمد كامل القليوبي. كان القليوبي أحد الذين ذهبوا إلى الاتحاد السوفيتي لدراسة السينما بعد تخرجه من كلية الهندسة وكان – مع عدد محدود من رفقاء الرحلة – أحد الذين قرروا أن يقتنصوا الحد الأقصى لوجودهم في هذا البلد المتقدم سينمائيا بمدارسه ومعاهده وأساتذته المخضرمين والذين قابلهم المسئولين الروس عن بعثتهم الرسمية قائلين لهم بكل الوضوح: إذا كنتم قدمتم إلى روسيا من أجل الماجستير أو الدكتوراه فيمكنكم اعتبارها معكم منذ الآن فنحن (مكلفون) بإعطائكم إياها.. أما إذا كنتم تريدون الدراسة حقا والاندماج في ثقافة المجتمع الروسي والفن الروسي والتكنولوجيا المتقدمة فلكم أيضا ما تريدون .. لكم الاختيار. وطبعا نحن نعرف العشرات والمئات الذين ذهبوا إلى الاتحاد السوفيتي وعادوا يحملون (الخواء)الكامل إلا من شهادة مكنتهم من تولي المناصب وإفساد الحياة الثقافية والفنية بل والاقتصادية والسياسية أيضا.. ولذلك سأكتفي بذكر ثلاثة من الأصدقاء استطاعوا فعلا أن يضيفوا إلى واقعنا الكثير من الفن الصادق والالتزام الكامل برسالة المثقف الحقيقي في مجتمع متخلف.. ودون قصد الإساءة إلى غيرهم اذكر هؤلاء د. محمد كامل القليوبي .. د. يحيى عزمي .. وطارق التلمساني للأسف فقدنا كل من القليوبي وعزمي وندعو الله أن يعيد إلينا طارق التلمساني الذي حاصرته كارثة صحية منعته من ممارسة إبداعه كأحد أفضل مديري التصوير في العصر الحديث بطاقته الجبارة وقدرته الهائلة على الابتكار والتجديد وجرأته الشديدة في طرق أبواب مغامرات فنية مختلفة.. الثلاثة عادوا من الاتحاد السوفيتي بزوجات روسيات وتفرغ كامل للعمل الميداني وكان القليوبي وعزمي من قررا أن يسلكا طريقا أكاديميا بالعمل كأساتذة بالمعهد العالي للسينما.. في فرعي الإخراج والسيناريو ونالا شعبية كبيرة وسط الطلبه بقدرتهم على تبسيط (علم) دراسة السينما للطلاب والتعامل معهم كأصدقاء وليس كتلاميذ (كما يحدث الآن للأسف) .. وكان طارق التلمساني قداختار طريق العمل في (السوق) السينمائي المصري الذي كان (يشغي ) بشباب جديد منهم دارس أيضا من بولندا هو خيري بشارة ..ومعهم من لندن محمد خان ومن الداخل عاطف الطيب وعلي بدرخان وعلي عبد الخالق وغيرهم.. عمل طارق مع خيري في فيلم قصير ثم أوصى به صديقه محمد خان فكان مديرا للتصوير في فيلمه الأول (خرج ولم يعد) .. وكنت أنا أيضا مشتركا في هذا الفيلم الجميل مساعدا للإخراج.