لماذا نسعى لمعرفة حظنا ونعول عليه، بل ونتأثر بما نقرأه أو نطلع عليه، لدرجة التفاؤل والتشاؤم، رغم يقيننا بأنه لا يعلم الغيب سوى الله عز وجل، فهل هي حالة من محاولة التواكل على أن الفشل الذي قد نتعرض له ليس نتاج تقصيرنا وإنما هو قدر محتوم كُتِبَ علينا لا مناص منه، ولا حيلة لنا فيه، فالحقيقة برغم أن هناك مَنْ يؤمن بأن قراءة الطالع هي علم، ورغم الاختلاف والتباين في وجهات النظر الخاصة بهذا الأمر، إلا أننا لا يمكننا أن نصل إلى مرحلة الإيمان المُطلق بهذا الأمر، لدرجة أنه يتحكم فينا وفي تحركاتنا وأحلامنا، والغريب أن هذا الأمر أصبح واسع الانتشار في الوقت الحالي، وكأن الإنسان يرى مصيره وأحلامه من خلال كلمات مكتوبة على المواقع الإلكترونية وفي الصحف اليومية، أو من خلال عبارات يتفوه بها ممن يدعون قدراتهم الخارقة على معرفة الغيب ومصائر البشر. فهل من المنطق أن يدع الإنسان نفسه فريسة لتكهنات الآخرين ، يتلاعبون به كيفما يشاءون، فيضعون العراقيل أو يفرشون له الطريق بالورود.
كم أخشى أن يندثر المنطق، ويقل الإيمان، ويضمحل العلم تحت ستار قراءة الطالع، ومعرفة الحظ وتكهن الغيب، فهنا سيتوقف الإنسان عن الأحلام، بل وسيقف رابضًا في مكانه في انتظار إشارة حظ له بالنجاح أو الفشل. فعلم الفلك لم يكن الهدف منه الوصول إلى مصائر الناس، بل كان يستهدف في المقام الأول دراسة الظواهر الكونية والأجرام السماوية والكواكب والأقمار، وغيرها باستخدام علوم الفيزياء والرياضيات، ولكننا وجهناه في طريق آخر وأصبحنا نقتصر على تحليل الشخصيات، ومعرفة الطالع والحظ والقدر، فلقد فرغناه من مضمونه، وحولناه إلى منجم، وللأسف كان لهذا السلوك بالغ الأثر السلبي على التركيبة النفسية للعديد من البشر، لاسيما ممن لم يقرأوا في هذا المجال بالقدر الكافي، لدرجة أنهم بدأوا يسلمون أنفسهم لهؤلاء الأشخاص الذين يضعون النهايات للآخرين، ويرسمون خطواتهم، وكأنهم آلهة تعلم الغيب، ويتناسون أنهم بهذا السلوك يخلقون فتنة نفسية داخل الإنسان تزلزل كيانه وتهز إيمانه، وتبعث اليأس أو الأمل الكاذب في نفسه، وتضعه في حالة غير سوية.
ولا خلاف على أن الأجيال القادمة لو اعتادت على القناعة بأن قراءة الطالع والحظ لها دور بارز في تقرير مصائرهم، سيتعلمون التواكل والتكاسل، والخوف من المستقبل، وهنا سيموت الطموح تدريجيًا، وكل هذا سيؤثر بشكل مباشر على الأداء المطلوب في الحياة والعمل.
والمضحك في الأمر، أننا أصبحنا نختار أصدقاءنا بناءً على أبراجهم ، ونحلل شخصيات من حولنا وفقا لها، ونتوقع سلوكياتهم على أساسها، فلا نمنح الحسابات للواقع والمنطق، وكأننا أمام قائمة ترسم ملامح الشخصيات وتتوقع مصائرها، وتتكهن شكل سلوكياتها، فالتعاملات الإنسانية الواقعية تراجعت أمام التحليلات الفلكية، والانسجام النفسي تنحى أمام الكيمياء التي تربط الأبراج بعضها ببعض، وصرنا نُسلم أنفسنا روحًا وقلبًا وعقلاً لأشخاص يرسمون خطواتنا على الهواء، في حين أنهم بشر لا يميزهم أي شيء عنا سوى قدرتهم على الإقناع والتلاعب بالعقول، والقدرة على تشكيل الأفكار، وتكوين القناعات، حتى لو كان كل ذلك غير مبني على أساس علمي ومنطقي مدروس