في روايتها "أولاد الناس – ثلاثية المماليك" تعيد الكاتبة المصرية ريم بسيوني تفكيك حقبة تاريخية شديدة التعقيد من تاريخ مصر، وتطرح سؤالًا حول الهوية والعلاقة بين الناس والسلطة، غير أن الطرح، على خلاف روايات من هذا النوع، لم يكن أسير التوثيق وإعادة تدوير المرويّات التاريخية، بل جاء إنسانيًا يضج بالحياة، كاشفًا عن قدر الأدب على أنسنة الحكاية رغم وعورة المشهد. تقدم الرواية، الصادرة عن دار نهضة مصر/ القاهرة 2018، ثلاثة عوالم، يتداخل فيها الخيال بالحقيقة، لتصنع سردًا ملحميًا يليق بتأملات تاريخ مليء بالصراعات والأحداث الفارقة. ولعل اختيار الكاتبة لعصر المماليك بحد ذاته يعد مجازفة كتابية، لما لهذا العصر من سردية راسخة في المخيال الشعبي تختصر فاصلًا زمنيًا معقدًا بصور الظلم والاستبداد.. إلا أن ريم بسيوني تجاوزت هذا السياق التقليدي، لتقدم صور متعدد الأبعاد لشخصيات تنتمي لمختلف فئات المجتمع آنذاك، من أمراء، وقضاة، ومواطنين بسطاء من خلفيات اجتماعية متباينة. وقد راهنت صاحبة "الحب على الطريقة العربية" على نجاح ذلك من خلال إضفاء ملامح بشرية وإنسانية على هؤلاء الأشخاص، بما يسعى لفهم الدوافع النفسية لهؤلاء الأشخاص في مواجهة منعرجات السياسة وانقلاباته. فقدمت لنا، على مدى 760 صفحة من الحجم المتوسط، الكثير من الأحداث الواقعية والتاريخية، التي خاضها الأبطال "الإنسانيون" بلحم ودم ومشاعر، كاشفة عن إحاطتها التامة بنفسية أبطالها، بالتزامن مع حرصها الواضح في البحث والاستقصاء وعدم الاكتفاء بالسرد السطحي. أولاد الناس
تحكي "أولاد الناس ثلاثية المماليك" عن فترة بالغة الأهمية من تاريخ مصر، وهي فترة حكم دولة المماليك البحرية، ودولة المماليك البرجية، ثم هزيمتهم على يد سليم الأول في عام 1517 وقتل السلطان طومان. وتتخذ الثلاثية من قصة بناء مسجد السلطان حسن محرّكًا للسرد، فتستعرض الرواية ما جرى في تلك الحقبة من خلال قصة غير مألوفة على المصريين في هذا العصر وهي زواج زينب المصرية من أمير مملوكي غصبًا وإنجاب المهندس الذي بنى المسجد. ثم تتوالى الأحداث التي تعود في الحكاية الثانية إلى المسجد حيث تحول إلى ساحة قتال بين الأمراء، وفي الحكاية الأخيرة ترصد الأحداث سرقة ونهب المسجد على يد القوات العثمانية. لقد منح هذا التقسيم العمل قدرة على معالجة التغيرات التاريخية المتتابعة، وتقديم مقاربة للعلاقة بين الزمن والشخصيات. أما تبدّل أسلوب السرد من جزء لآخر، فهو، برأيي، ما أكسب الرواية حيوية خاصة لا تأتيها الرتابة بأي حال. لقد أجادت بسيوني رسم الشخصيات، وإدارة أصواتهم، من خلال حوارات داخلية وخارجية مدروسة ومتقنة، سمحت للقارئ التعرف على قلقهم الوجودي وأسئلتهم الشخصية. كما نجحت في رسم الخلفيات النفسية والاجتماعية بتوازن، حيث تتداخل معاني القوة والضعف، الحب والقسوة، التخلّي والانتماء، بلغة سلسة خالية من التصنع أو الإطالة. أما سؤال الهوية، فيعد من بين أهم ما طرحته الرواية، حيث المماليك، الذي كانوا غرباء عن أرض مصر، فانصهر الكثير منهم في المجتمع المحلي حتى أصبح مصريًا في الروح والانتماء. "أولاد الناس" جاءت لتسأل من هو المصري حقًا؟ ثم ترفع جغرافيا السؤال: هل يمكن للغريب أن يتحول بمرور الزمن إلى جزء لا يتجزأ من هوية المكان؟ المرأة أيضًا مثلت محورًا رئيسيًا في السرد. فشخصية زينب بنت التاجر، أو هند ابنة المؤرخ، أو غيرهن من النساء، يقدمن نماذج متنوعة للتحديات التي تواجه المرأة في ظل سلطة أبوية وأوضاع اجتماعية قاسية. فتظهر صراعاتهن بين الحرية والخنوع، في دلالة عميقة حول مكانة المرأة في التاريخ. فكانت النتيجة أن استطاعت أستاذة الأدب الإنكليزي، الدكتورة ريم بسيوني، أن تضع أمام القارئ المصري بشكل خاص، والعربي بشكل عام، مشاهد حية وتفاصيل دقيقة، ليس عن بنات جنسها فحسب، بل عن الحياة اليومية الجارية في ذلك الزمان، بارزة قدرتها على ربط الخاص بالعام، لتظهر المجتمع المصري في عهد المماليك شديد التعقيد. أزهر جرجيس لقد بدا لي واضحًا، وأنا أقرأ هذه الثلاثية، اجتهاد الكاتبة في دراسة المصادر التاريخية، واستثمارها بذكاء في خدمة النص الأدبي. كما أن قدرتها على مزج الوقائع التاريخية بالحكايات اليومية وقصص الحب والتضحية، كان واضحًا للعيان أيضًا، إلى درجة أن الرواية مثلت نافذة على فهم النفس البشرية في ظل الأحداث الكبرى. وتنشط لدى القارئ الرغبة في معرفة المزيد عن تلك الفترة، بحيث يغدو الأدب محفزًا للبحث والتعمق. لغة الرواية جاءت سلسة وعميقة في آن واحد، وتتميز بالقدرة على تصوير المشاهد وتقديم المشاعر المتناقضة من دون إفراط. سواء كان الحديث عن صراعات القضاة أو لحظات الانهيار مع دخول العثمانيين إلى مصر المحروسة، فالكاتبة أمسكت بالدفة ولم تغرق في التفصيلات أو التوصيفات الثقيلة. بل طوّعت اللغة لخدمة البناء الدرامي والمعاني الإنسانية التي اشتملت عليها الرواية، مع الحفاظ على الإيقاع السردي المتوازن، الذي جعل القارئ في حالة ترقب واستمتاع حتى الصفحات الأخيرة. لقد ركزت الكاتبة على فكرة الهوية والانتماء، بما يعكس رغبتها حسب ظني في ترسيخ المغزى الأساس من الرواية وربطه بالحاضر، سيما وإن مفاهيم الهوية والانتماء ما زالت شائكة في الواقع العربي المعاصر. ولعل ما يؤيد رأيي في المسألة، هو إحاطة الرواية بالتحولات السياسية والاجتماعية في مصر، وحرص الكاتبة على أن يكون ذلك عبر عيون أفراد المجتمع، وليس فقط عبر الشخصيات التاريخية الكبرى. "أولاد الناس – ثلاثية المماليك" رواية برهنت على أن الأدب قادر على إعادة إحياء التاريخ من منظور جديد، يمنح القارئ فرصة لفهم الذات والآخر، وتحفيز التساؤل حول الحاضر المعاش. لم تكن هذه الثلاثية التاريخية درسًا في التاريخ، بل نصًا جماليًا متأملًا في النفس الإنسانية وصراعاتها، وطرحًا ناضجًا حول كيفية ولادة الهوية، واستمرار البحث عن العدالة والانتماء عبر الأزمنة المختلفة… "أولاد الناس" إضافة حقيقية إلى الأدب العربي، وتستحق القراءة والتأمل.