البحوث الإسلاميَّة: الأزهر اسم اقترن عبر صفحات التاريخ بالعِلم والوقار    منال عوض: ملف تغير المناخ يحظى بأولوية قصوى في أجندة عمل الوزارة    الرسوم الأمريكية الجديدة تعزز تنافسية المنتجات المصرية في الولايات المتحدة    بفعل التوترات الجيوساسية.. البورصة المصرية تختتم بتراجع جماعي    مسئول إيراني: لم ولن نسعى لامتلاك سلاح نووي    تركيا: لن نقبل أي مساس بوحدة الصومال    ميرتس يدعو في الصين إلى استئناف المشاورات الحكومية المشتركة بين برلين وبكين    انهيار والدة فتاة بورسعيد ضحية أسرة خطيبها: "كنت عاوزه أفرح بيكي"    ضبط 29 طن و440 كيلو مواد غذائية غير صالحة للاستهلاك الادمى بالشرقية    رجل الأعمال يكشف أمام المحكمة تفاصيل واقعة التعدي على فرد الأمن بالتجمع الخامس    رنا رئيس وسوزان نجم الدين أوائل الحضور جنازة والد مي عمر    الرئيس الفرنسي يعين مديرا جديدا لمتحف اللوفر في باريس    الوطنية للإعلام تنعي الإعلامي القدير فهمي عمر شيخ الاذاعيين    وفاة الإعلامي فهمي عمر مؤسس الإعلام الرياضي في الإذاعة المصرية    توقيع اتفاقيات تجارية بين «المصرية للاتصالات» و«إي آند مصر» وجهاز الاتصالات لتنمية الاستثمارات وتحسين جودة خدمات المحمول    السيسي يوجه باختيار الدراسين بالأكاديمية الوطنية للتدريب وفقاً لمعايير موضوعية دون مجاملات    الرئيس السيسي يجتمع مع مجلس أمناء الأكاديمية الوطنية لتدريب وتأهيل الشباب    الصغرى تصل إلى 7 درجات.. الأرصاد تحذر من الأجواء شديدة البرودة مساء    احتفالية كبرى بمناسبة مرور 1086 عام على تأسيس الجامع الأزهر    ريال مدريد يعلن قائمته لمواجهة بنفيكا.. غياب كيليان مبابي يربك حسابات ألفارو أربيلوا    ماركا: تشافي المرشح الأبرز لخلافة الركراكي في منتخب المغرب    ليست الرهائن أو الإرث "التوراتي".. مكاسب حقل "غزة مارين" كلمة السر الإسرائيلية في حرب غزة والضفة الغربية    تموين الأقصر تطبق مواعيد استثنائية لفروع المصرية لتجارة الجملة خلال رمضان    تراجع سعر اليورو اليوم الأربعاء 25 فبراير 2026 أمام الجنيه بالبنوك    سفارة مصر باليونان تكشف أسماء الناجين من حادث غرق مركب الهجرة غير الشرعية    حقيقة ادعاء سائق بدفع «فلوس» لعناصر تأمين الطريق لتحميل أجانب بالأقصر    بدء اجتماع الحكومة الأسبوعي لمتابعة عدد من الملفات    الإسماعيلي ينعى اللواء إبراهيم إمام مدير النادي السابق    النائب مصطفى سالم: الدولة تحتاج موارد والمواطن يجب أن يطمئن أن سكنه ليس عبئا    الليلة.. "مسيرة الحصري" في أمسية رمضانية بقصر الإبداع الفني    أمين البحوث الإسلاميَّة: امتداد السند وصولًا إلى الإمام الطيِّب شاهد على رسوخ الأزهر    نائب رئيس حزب المؤتمر: «صحاب الأرض» نموذج للدراما الوطنية الداعمة لقضية فلسطين    محافظ القليوبية: نشهد طفرة في القطاع الصحي غير مسبوقة    الصيام المتوازن للمرأة العاملة، نموذج غذائي يمنع الإرهاق في العمل    السيطرة على حريق بمنزل دون إصابات بشرية في طما بسوهاج    الرعاية الصحية تطلق حملة لحماية مرضى السكري من مضاعفات القدم السكري بجنوب سيناء    الداخلية تكشف الحقيقة وراء وفاة نزيل بالجيزة وتضبط ناشر الفيديو الكاذب    السيد البدوى: الجيش المصرى لا يعرف الهزيمة أو الإستسلام.. وحاربنا الإرهاب نيابة عن العالم    «مديرة المبادرات الصحية»: «المقبلين على الزواج» تطلق حزمة فحوصات لضمان صحة الأجيال| فيديو    اتصال هاتفي بين وزير الخارجية ووزيرة خارجية الفلبين    الطفولة والأمومة: خطة متكاملة لحماية الأطفال من المحتوى الضار إلكترونيا    جوتيريش يعلن تعيين مبعوث جديد للأمم المتحدة إلى السودان    الجناح الناعم ل«تنظيم الدم».. كيف كشف «رأس الأفعى» استغلال الجماعة الإرهابية للنساء؟    عدوى وجفاف.. القصر الملكى النرويجى يعلن أخر تطورات الحالة الصحية للملك    بث مباشر مباراة النصر والنجمة اليوم في الدوري السعودي.. الموعد والقنوات الناقلة والمعلق وتشكيل العالمي    وزير الصحة يبحث تفعيل تقنية الروبوت الجراحي لتعزيز المنظومة الطبية..والبداية من «معهد ناصر»    «كامويش» خارج حسابات الأهلي في الموسم الجديد    بشرى: المرأة قوية ولا تنتظر رجلًا ليقرر استقرارها    يارا السكري: مشهد "موت أيمن" في "علي كلاي" الأصعب بالنسبة لي    إدارة الأهلي تتحرك مبكرًا لصفقات الموسم الجديد قبل انطلاق الميركاتو الصيفي    «ترامب»: أنهينا عصر الفوضى خلال عام واحد فقط    رغيف واحد أفضل من عبادة سبعين عامًا.. قصة من أسرار الصدقة    حكم إلزام الطفل بصيام رمضان.. وما السن الواجبة لأداء الفرض؟    مع سابع أيام رمضان.. موعد أذان الفجر اليوم الأربعاء 25فبراير 2026 في المنيا    أمين البحوث الإسلامية يهنئ أحمد الطيب بالموافقة على إنشاء كلية القرآن الكريم للقراءات وعلومها بالقاهرة    أسرة عبد الرحيم علي في ضيافة نشأت الديهي.. عبد الرحيم علي: نجاحاتي جعلتني هدفًا للمتربصين وحملات التشويه.. وداليا عبد الرحيم: والدي يمتلك حجرات في قلبه لكل واحدة منا    كبار القراء ونجوم دولة التلاوة يحيون سابع ليالي رمضان بتلاوات ندية وابتهالات روحانية عطرة    رسميا.. الزمالك وبيراميدز ينضمان للأهلي وسيراميكا في مجموعة تحديد بطل الدوري    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



د.على مبروك:«الشافعى» و«الأشعرى» هما المسئولان عمّا نحن فيه من انحسار فكرى وعقلى
قال: لابد أن نحتكم إلى القرآن ونقارنه بالأحاديث لكى نكشف ما يعتريها من تناقض ثم يمكننا الاحتكام للعقل
نشر في اليوم السابع يوم 05 - 12 - 2008

◄«الإمام» كان متعسفا فى تطبيق قواعده الأصولية وكان يضع القاعدة ويلوى عنق الحقيقة لصالحها
عدة كتب وأبحاث نشرها الدكتور على مبروك، مدرس الفلسفة الإسلامية بجامعة القاهرة، كان آخرها كتاب «ما وراء الأصول» الصادر عن دار رؤية للنشر، والمتابع لكتابات د.على يجد أن فكرة «نزع أقنعة التقديس» هى ما تشغله وتسيطر عليه وعلى نتائج أبحاثه، التى تتصف بالتشعب فى علوم ومعارف شتى، مثل التاريخ والفلسفة والفقه وعلم النفس وعلم الاجتماع، ويبدو أن هناك تشابها كبيرا بين مشروع الدكتور على مبروك وحياته ومشروع الدكتور نصر حامد أبوزيد وحياته أيضا، فالاثنان تخرجا فى كلية واحدة، والاثنان يقول عنهما الأستاذ الدكتور حسن حنفى، هما تلميذاى النجيبان، وفى حين أن سبب أزمة الدكتور نصر كانت أبحاث الترقية التى تقدم بها إلى الجامعة عن الإمام الشافعى، كانت هناك أزمة أخرى مشابهة للدكتور على حدثت فى 2006 ولنفس السبب، ومن العجيب أن موضوع بحثه كان الإمام الشافعى أيضا، وحول أبحاثه وكتبه التى ينبش فيها ذاكرتنا الإسلامية وتحديدا حول كتابه الأخير الذى أثار جدلا كبيرا فى الأوساط العلمية والفقهية كان ل«اليوم السابع» معه هذا الحوار.
قلت إن الأشعرى يكاد يكون هو المؤسس لفقه ومذهب الشافعى، كيف هذا وقد سبق الثانى الأول بحوالى قرن؟
لابد هنا أن نميز بين الترتيب التاريخى والترتيب المعرفى، وبالفعل الشافعى سابق بقرن، لكن من الناحية المعرفية يصعب الحديث عن الشافعى دون النظر إلى الأشعرى، وهذا ما استند إليه الرازى فى كتابه المهم « مناقب الشافعى» الذى نكتشف فيه حرص الرازى على إلباس الشافعى عباءة كلامية أشعرية، والغريب أن كل الأشاعرة شافعيو المذهب، وإذا رأينا مثلا كتاب «طبقات الشافعية الكبرى» سنكتشف أن ترجمة الأشعرى تكاد تكون مساوية لترجمة الشافعى، حتى من حيث عدد الصفحات، فالدور الذى لعبه الأشعرى أشبه باكتشاف القواعد والأساسات لبناء كنا نجهل على ماذا ينبنى، وبهذا يكون الأشعرى هو الحاكم لفكر الشافعى وفقهه.
هل تعتقد أن سبب اعتماد الأشعرى كمرجع لأهل السنة والجماعة هو قوله بعدم جواز خروج الرعية على الحاكم، وألا يمكن اعتبار هذا حدثاً لحقن دماء المسلمين؟
لا يمكن أن نجيب عن هذا السؤال دون أن نلتفت إلى الدلالة السياسية لمذهب الأشعرى، وهذا سيجعلنا نبدأ من الدولة العباسية التى حرصت على إرساء هذا المذهب لتكتسب شرعية تبرر وجودها، وكان لديها مشكلات كثيرة مع الشيعة والمعتزلة والحنابلة، وكان بعض هذه الفرق من أتباع العباسيين قبل أن يتولوا الحكم، ولعبت الدولة العباسية لعبة الكراسى الموسيقية مع أتباع ومشايخ هذه الفرق، وحينما قربت رجال المذهب الحنبلى منها تمادت سلطتهم إلى الحد الذى كادوا فيه أن ينازعوا السلطان، ويمارسوا اختصاصاته دون ترخيص منه، ووصل الأمر عند الحنابلة إلى أن حبسوا جثة الطبرى واضطروا أهله إلى دفنه فى منزله وعدم دفنه فى مقابر المسلمين لاعتقادهم أنه غير مسلم، وكل هذه التدخلات أغضبت الخليفة العباسى وأشعرته بأن هناك فراغاً عقائدياً، وفى هذا الإطار تم فتح الباب لمذهب الأشعرى الذى ناصب كلاً من المعتزلة والشيعة العداء، وقال بعدم جواز خروج العامة على الحاكم خشية الفتنة.
أفردت بابا من كتابك الأخير تناولت فيه علاقة التماهى بين «مقدس الدين» و«مقدس القبيلة» وقلت إن هذا التماهى حدث قبل وفاة الرسول وبعدها، كيف كان هذا؟
أولا لابد أن نعترف أن القبيلة لعبت دورا مركزيا فى الحضارة الإسلامية، وبدون الوعى بدور القبيلة سنظل عاجزين عن فهم ماجرى فى الثقافة والدين قديما وحديثا، والمتابع لما يحدث الآن فى العراق ولبنان ودارفور والمغرب سيكتشف أن الكلام عن الدولة العربية الحديثة ما هو إلا وهم، بينما الحاضر دوما هو دور القبيلة الذى يتصف غالبا بالعصبية والشللية، ولابد أن نكون واعين أن قريشاً كثيرا ما استخدمت الدين ووظفته لصالحها، وهذا ما حدث بعد وفاة الرسول فى سقيفة بنى ساعدة، فقد حكمت قريش، بناء على قبليتها، وقالوا «لن تسمع العرب إلا لهذا الحى» أى قريش، وبعدها رأينا حديثا يقول «الأئمة من قريش» رغم أن هذا الحديث لم يرد ذكره فى وقائع «السقيفة» التى نازع فيها الأنصار القرشيين على الحكم، ولو قال أحد هذا الحديث وقتها لحسم الأمر لصالح القرشيين بلا نزاع، وهذا يكشف أن جوهر الاحتجاج كان فى الأصل رافعا لافتة القبيلة، وغالبا ما كانت قيم القبيلة هى التى تحرك الأحداث متخفية وراء الدين، فكان الرأى القبلى يقال ثم بعد هذا يأتون بحديث أو آية تدعم ما ذهبوا إليه، وبعد وفاة عمر بن لخطاب قال عمار بن ياسر لعبدالرحمن بن عوف: إن شئت ألا يختلف المسلمون فالأمر لعلى، فرد عليه أحد القرشيين معايرا عمار بأمه قائلا: ماشأن ابن سمية والحكم، ووجه حديثه إلى عبد الرحمن بن عوف قائلا: إن شئت ألا يختلف القرشيون فالأمر لعثمان، وهذا ما حدث بالفعل، وهكذا نكتشف من خلال ما يمكن أن نسميه «فلتات لسان» التاريخ يشهد أن القبيلة حاضرة فى الوعى وفى توظيفها للدين.
هل تقرأ التاريخ باعتباره إنساناً يظهر ما بداخله من فلتات اللسان، كما فى مدارس التحليل النفسى؟
نعم تماما.. ولا أفهم كيف نتجاهل الكثير من الفلتات والإشارات والتلميحات والخفايا بين السطور، فى حين أن الحقيقة غالبا ما يشار إليها ولا يصرح بها، ولا أعرف كيف لم يلتفت أحد من العرب إلى دور القبيلة فى بناء وعى وعقلية المجتمع العربى، فى حين أن جريدة «الجارديان» مثلا تعى هذا بشدة، وظهر ذلك من خلال تغطيتها للاجتماعات العربية وقت غزو العراق للكويت، حينما انقسم العرب واختلفوا، كان مانشيتها الرئيسى «قبائل لها أعلام».
إلى أى مدى ساهم الخلاف فى اختيار خلفاء رسول الله فى إطلاق دعاوى التقديس واتهامات التدنيس؟
أول من أسس لهذا التقديس هو الصحابى الجليل عثمان بن عفان، حينما تذمر من حكمه الناس وواجهوه بما فعل من تولية أقاربه، وتفشى الفقر بين الناس وعدم العدالة، وطالبوه بخلع نفسه فقال: «كيف أخلع قميصا ألبسنيه الله» وقبله كانت هناك قاعدة شهيرة مبنية على مقولة أبى بكر «إن أحسنت فأعينونى وإن أسأت فقومونى» وفى أثناء ولاية عثمان بن عفان تم العمل بمبدأ الاستبعاد، مثل ما حدث مع أبى ذر الغفارى، وما فعله معاوية مع الصحابة والعبادلة الذين اشترط عليهم عدم إثارة القلاقل والصمت عما يحدث أثناء توليته الخلافة لابنه يزيد، وقد قام بتهميش دورهم فى المشهد وجعلهم يظهرون كالرسوم المتحركة، فلم يطلب منهم أن يبايعوا شرط ألا يظهروا الاعتراض، فالقرشيون أبعدوا الناس عن الحياة السياسية بوساطة الحكام والفقهاء، وهذا ما يدل عليه قول معاوية لأم المؤمنين عائشة حينما أتى إليها فى المدينة لتثبيت الأمر ليزيد فأراد أن يقنعها بأن «أمر يزيد قضاء من القضاء وليس للعباد الخيرة فى أمرهم» وفى هذا كله إخراج للأمور من ظرفها التاريخى، ورفعها من أيدى العباد، وحينما نقوم بإخراج الأمور أو الشخصيات من تاريخها نضعها فى حيز الأسطورة وبعدها نقدسها.
تقديس الآباء وآرائهم تقليد جاهلى، فقد قال الله تعالى «وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا» هل اختلف الأمر بعدما نزل الإسلام؟
هذا جوهر بحثى الجديد الذى يرصد طريقة التفكير التى سادت العصر الإسلامى، وما تم هو استبدال السلف الصالح بالسلف الجاهلى، والعقل العربى الآن مازال يفكر بهذه الطريقة «المضحكة»، وأكتب الآن عن مشروع المفكر العربى «عابد الجابرى» والرد عليه من جانب «جورج طرابيشى» واكتشفت أثناء البحث أن الاثنين، وإن كانا يبدوان مختلفين إلا أن طريقة تفكيرهما واحدة، ولا تخرج عن العقل البدوى الذى يفكر من خلال نص مركزى، وهذا ما أسسه وأرساه الشافعى والأشعرى، وهما المسئولان عمّا نحن فيه من انحسار فكرى وعقلى.
أرجعت فكرة تمركز الحديث ونقله فى الثقافة العربية إلى أن العرب كانوا مغرمين بالنقل لاشتغالهم بالتجارة ونقل البضائع، وقياسا على هذا تمت تعلية قيمة النقل على قيمة العقل، فهل يجوز أن نعامل الثقافة مثلما نعامل البضائع؟
لقد انطلقت من فرضية تقول إن الناس تفكر مثلما تعيش، والفكرة الجوهرية هى أن العربى البدوى سارت حياته فى مسار واحد حسبما ذكر ابن خلدون، وهى على حد قوله «انتهاب ما فى يد الغير» وقال أيضا: «إن بلاد العرب قليلة الصنائع بالجملة حتى تجلب من قطر آخر» وهذا ما دعم اقتصاد الغزو الذى أسموه فيما بعد «جهادا» كما دعم فكرة تنمية الروح الاستهلاكية، وهذا ما نراه الآن فى الاتجاه نحو استيراد كل شىء من أى مكان، و»دبى» الآن ما هى إلا الصورة الحديثة لمكة، فنحن ننقل فى المعرفة مثلما نحن ننقل فى الحياة، ومن هنا كان لابد للحديث أن يأخذ هذه المكانة فى حين أنه ما هو إلا «خبرة شخصية» لرسول الله وكان بعض الصحابة يخالفونها محتجين بأن هذا رأيهم، وفى هذا قال أحد الصحابة عن معاوية بن أبى سفيان «من يعذرنى من معاوية أقول له إن هذا حديث ويقول لى وهذا رأى»، وقد حل الحديث ورواياته وسنده محل علم الأنساب ورواية الشعر، لأنه يجمع بين كل هذا لحرصه على الشفاهة والعنعنة والرواية والنقل، وقد حرص الخليفة عمر بن الخطاب على ترسيخ الروح البدوية فى أذهان العرب من خلال منعهم من تملك الأراضى، كما كره العرب عامة فكرة الاشتغال بالصنائع اليدوية أو التخليق والابتكار والإبداع، وهذا ما نراه حتى اليوم فى بلاد الخليج التى لا يعمل أبناؤها، وإذا نظرنا إلى البخارى سنجد أنه اتبع نفس طريقة العرب فى النقل، من خلال الاهتمام بالسند دون المتن، فى حين أننا نجد أن هناك أحاديث تخالف الواقع وأحاديث تخالف التاريخ وأخرى تخالف الذوق الإنسانى، وأحاديث تشتم منها التصنع فى مراعاة ترتيب الحوادث وأبطالها حسب ترتيب خلافة النبى، فيقول مثلا: جاء أبوبكر، ثم عمر ثم عثمان ثم على، ولهذا لابد أن نحتكم إلى القرآن ونقارنه بالأحاديث لكى نكتشف ما يعتريها من تناقض، من ثم يمكننا الاحتكام للعقل.
أرجعت اهتمام الإمام الشافعى بالنقل والحفظ إلى هيمنة معرفته بالأنساب على آلية تفكيره، برأيك كيف أثر هذا فى فقة الإمام؟
تأثير هذا المباشر يأتى من خلال مسئوليتها فى تشكيل فكرة الرجوع إلى الأصل والنسب دون الالتفات إلى الواقع أو الاحتكام إلى العقل، وفقه الشافعى ما هو إلا امتداد لعلوم القبيلة التى كانت الأصول والأنساب من أهمها. فالشافعى لا يقدم الأصل أو النص على اعتبار أنه نقطة ابتداء بل على اعتباره «منتهى» وسلطة، وفى هذا تسريب لفكرة التفكير بالأصل وإعلاء لها على أى فكرة، وأرى أن هناك ظلالا سياسية فى الأمر، فكتاب الرسالة للإمام الشافعى يتشابه مع «الرسالة» لابن المقفع الذى كان المرجعية الفكرية للخليفة أبوجعفر المنصور، والمقفع أشار على الخليفة بتوحيد الأحكام الفقهية بعدما تضاربت، ورأى أن هذا التضارب قد يهدد أمن وسلامة الدولة والخليفة، فقال له وحد السلطة الفقهية، وعرض على الإمام مالك أن يجعل من كتابه «الموطأ» شيئا أشبه بالدستور الفقهى للبلاد الإسلامية، فرفض مالك هذا لعلمه أن فقهه قاصر على أصحاب العقلية البدوية، ولم تسنح الفرصة إلا للشافعى الذى قضى بالفعل على الخلاف الفقهى، ولم يعر للاختلاف بين البيئات والمجتمعات والعقليات أى اهتمام.
والأنكى أنك تكتشف أن الشافعى حينما يقارن بعمر بن الخطاب مثلا وهو أشد الخلفاء صرامة، سنعرف أن عمر كان أكثر منه تفهما ومرونة، بدليل أنه أبطل حدودا وخالف نص القرآن وهو يعلم، لأن العصر كان لا يحتمل تطبيقه كما فى مجاعة «عام الرمادة» التى تم منع قطع يد السارق فيها، ونتيجة تعسف الشافعى فى تطبيق قواعده الأصولية خالف ما هو ثابت تاريخيا من أن مكة تم فتحها عنوة، وقال إنها فتحت صلحا لأن الرسول طبق فيها حد الفىء وليس حد الغنيمة، ولا يطبق حد الفىء إلا إذا فتحت البلد صلحا، وهذا يدلنا أنه كان يضع القاعدة ويلوى عنق الحقائق لصالحها، وما أنزل الله بها من سلطان.
قلت إن الشافعى بنى الأفضلية للغة العرب على كل اللغات وللسان قريش على كل الألسنة، هل هذا يعد تأسيسا لسلطة اللغة التى كانت لا يعادلها سلطة قبل الإسلام؟
الشافعى أوصل الأمر إلى مرحلة تقديس قريش، وقال إن القرآن لم يأت بألفاظ غير عربية، وحينما قالوا له إن هناك ألفاظاً فارسية فى القرآن، قال إن اللغة العربية واسعة والنبى وحده هو القادر على الإلمام بها، وعلى هذا اعتبر الألفاظ الفارسية عربية ولكن العرب لم يكونوا على علم بها!!
قلت إن «الشافعى» كان يريد أن يكون كالرسول صاحب «الرسالة».. كيف كان هذا؟
الإمام الشافعى حرص على موازاة حياته بحياة الرسول، والرازى كان يريد من الناس أن يقولوا جملة «صلى الله عليه وسلم» إذا ذكروا الشافعى، وهناك من قال إن الرد على الشافعى كالرد على الرسول والرد على الرسول كالرد على الله، وكأن الشافعى «لا ينطق عن الهوى» كما أنه سمى كتابه الأهم باسم «الرسالة»، وهناك روايات عنه تقول إن هناك وحيا كان يأتيه من خلف الجبل، وإن الرسول أتى لأحدهم فى المنام وأبطل العمل بكل المذاهب عدا المذهب الشافعى، وكل هذا بالطبع ساهم فى تقديس شخصيته, لكن العيب ليس فيه بل فيمن قدسوه
كثيرا ما كنت تعرض فى كتابك آراء مختلفة ثم تقول «والحق.. كذا وكذا..» ألا يعد هذا تقديسا لكلامك وادعاء بأنه هو الحق؟
أولا أشكرك لأنك نبهتنى لهذا، وسأراجع أسلوبى فى الكتابة، وصراحة أنا لم أتخيل هذا مطلقا، لكنى كنت أريد أن أهرب من الصيغ الجاهزة، من قبيل «فى الواقع» أو «إنى أرى» أو ما شابه، وباستمرار أحاول أن أفصل بين كونى باحثا، وبين شخصى.
لمعلوماتك..
◄الدول العربية الحديثة وهم وشريعة القبيلة هي التى تحكم العرب لا الإسلام.
◄عثمان بن عفان هو أول من ألبس نفسه قميص الله و معاوية جعل الصحابة كالرسوم المتحركة.
◄من يعتقد أن الجاهلية انتهت بالإسلام واهم.. وحتى كبار المفكرين مثل الجابرى وطرابيشى يحكمهم العقل البدوى.
◄150ه عام ميلاد الإمام الشافعى وهو نفس العام الذى توفى فيه أبو حنيفة.
◄270ه العام الذى ولد فيه أبو الحسن الأشعرى.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.