اختلفت تفاصيل وجوههم وأعمارهم، واتفقت أعينهم على البكاء، وارتسمت ملامح الألم والحسرة بكل أحزانها على وجوههم، ونال الإهمال منهم جمعياً، والتهاون بأرواحهم. جلس النساء والأطفال والرجال كل ينعى عزيزاً مات عنده، فهذه المسنة احتضنت حفيدها، تمسح عن وجهه غبار الصخور، لتغرقه فى قطرات دموعها مرددة "معدش ليك غيرى ومعدش ليه غيرك" فالأب مات، وتجلس منتظرة جثة ابنتها تحت الأنقاض. وبجوارها يجثو زوج مكلوم يحمل ما تبقى من "لفف" رضيعه الأول الذى لم يتعدَ عمره 7 أيام، عالقة بها بقايا سودانى وملبس السبوع، فالسبت كان سبوعه وتاريخ وفاته، حمل ما تبقى من ملابسه واحتضنها، وهو ينظر لجثة زوجته على بعد أمتار، بعد أن امتزجت ملامحها بالدم والجير الأبيض، لتترك مآساه فراقهما جرح غائر بعمق الجبل. فى الدويقة يختلط الدم بالرماد، وتتشابك تفاصيل الموت والحياة، أحياء تحت الأنقاض ينتظرون من يرفع عنهم الصخور، يسمعون صرخات ذويهم تنادى عليهم، ولا يملكون حتى الصوت ليخبروهم أنهم أحياء، وأموات لا يعرفون مصيرهم وسط تضارب التصريحات بحل أزمتهم منذ 17 عاماً، حين ظهرت البارقة الأولى لانهيار الصخور عام 1993، دون أن يتحرك ساكن لسيادة أصحاب الياقات البيضاء. انهيار الدويقة لم يكن انهيار صخور فقط، إنما سبقه انهيار فى البنية التحتية لسكان المنطقة، يسمونهم فى الأبحاث الاجتماعية "عشوائيات منشية ناصر"، فالعشوائية عندهم منهج للحياة، صنعه الفقر وإهمال المسئولين، حاول دائماً سكان الدويقة التغلب على الفقر بالعمل فى كثير من المهن الهامشية التى كانت تكفى قضاء يومهم بالكاد، جمعت النساء بقايا الأكياس ورتبتها وباعتها بالكيلو، جمع الأطفال القمامة وصنفوها وعاشوا على بقايا الآخرين، اشتغل الرجال بالسمكرة، وكباعة جائلين، ونجار مسلح، و"أرونجية" يحملون الأسمنت، لم يهتموا بلهيب الحر القارص، ولم يعيقهم وحل الطين فى الشتاء، اعتادوا على حياة الجبل بكل شىء بكر، فصنعوا لحياتهم وسائل الترفيه بجلسات الشارع مستنشقين هواء بلا تلوث. فى الدويقة ينقلب الهرم ويسكن الفقراء فى الأعلى ينظرون إلى مبانى المدينة باعتلاء يشوبه الحقد والقناعة، تختلط عندهم كل المفاهيم إلا مفهوم واحد يعرفونه حق المعرفة، وبات بينهم عشرة .. إنه الفقر، الفقر فى كل شىء فى المال، والصحة، والتعليم وهم الآن لديهم الفقر فى الحياة. وسط كل هذه الظروف.. عِز السادة المسئولين جعلهم ينعمون بحياة هادئة، فتارة يطالبونهم بالإخلاء، وتارة أخرى يمارسون عليهم الإخلاء القسرى، وتارة يستعينون بمقاولين يجهلون فن التعامل مع الجبل، فيضربونه فى مقتل.. مفتتين صخوراً كانت تحمل مع سكان الدويقة هموم الزمن وتراكمات الصخور، فما أن دبت مطرقة المقاول فى الجبل إلا وثار وانتفض من فوقه باقى الصخور المتراكمة بفعل الزمن، لتسقط فوق أناس احتضنهم الجبل بكل حياته القاسية، ولأنه احتضن أهالى الدويقة أكثر من 20 عاماً، انطبق عليهم ليظلوا معه للأبد، لكن مجرد جثث هامدة. مشهد قد يتكرر فى الأيام أو الشهور المقبلة، فهناك خمسة أماكن فى القاهرة تحمل نفس التكوينات الجيولوجية للدويقة، أضيف عليهم منطقة الحرفيين بالسلام، حسب ما أقره اجتماع الوزراء الاثنين بحضور الرئيس، وهو ما يفسر عدم مفاجأة المسئولين بالدويقة وقت وقوع الحادث، ويجعلنا نعرف مصير أسر ضحايا الحادث السابق والمنتظر .. الشارع أأمن عليهم من وزراء حلفوا اليمين أن يكرسوا وقتهم، ومجهوداتهم وإمكاناتهم لرفع المعاناة عن فقراء الوطن.