وزير المجالس النيابية: الحكومة تؤمن بالمصارحة والالتزام بالحقيقة لتحقيق الصالح العام    "الأوقاف" تطلق دورات تدريبية لعمال المساجد والمؤذنين استعدادا لشهر رمضان    أطفال يدفعون الثمن و«سن الحضانة» يقرر موعد الرحيل    «القومي لذوي الإعاقة»: الإستراتيجية الوطنية تقود خمس سنوات نحو مجتمع بلا حواجز    غرفة عمليات لمتابعة معارض «أهلًا رمضان»    صرف صحي الإسكندرية: إعادة تشغيل خط توشكي بالعامرية بعد إحلال وتجديد شامل    قطر تدين قرار إسرائيل بتحويل أراضي الضفة الغربية إلى ما يسمى أملاك دولة    إيران مستعدة لتنازلات نووية مقابل رفع العقوبات    كاف يكشف تفاصيل قرعة ربع نهائي دوري أبطال أفريقيا والكونفدرالية    "الحريري" يعود للحياة السياسية ويعين عمته بهية نائبًا لرئيس تيار المستقبل اللبناني    زيزو وتريزيجيه يواصلان التأهيل.. وتوروب يحتوى غضب الجزار    الجيش الملكي يشكو جماهير الأهلي للكاف: سلوكيات غير رياضية    التحديات العاجلة تعانى البطء.. ومشاكل عالقة تترقب الحل    وفاة شاب دهسا تحت القطار أثناء عبور السكة الحديد بأسيوط    ارتفاع درجات الحرارة ونشاط مثير للأتربة.. الأرصاد تحذر من حالة الطقس غدا    هل الحسابات الفلكية تغني عن الرؤية الشرعية للهلال؟.. أمين الفتوى يجيب    «تيترات رمضان» بأصوات بهاء وإليسا.. واللون الشعبى الأبرز    كمال أبو رية: أقدم دور مدير الشركة التى يعمل بها البطل    جيهان زكى: أسوان بيئة ملهمة.. ونعمل على اكتشاف المواهب    رأس الأفعى يعيد علي الحجار لغناء تترات المسلسلات    عبد الغفار أمام « الشيوخ»: ميزانية الصحة زادت 9 أضعاف    شيخ الأزهر ناعيا الدكتور مفيد شهاب: كان له دور بارز فى الدفاع عن أرض طابا    عمر الرملى يتوج بفضية كأس العالم للجودو.. والوزير يهنئ    التفاصيل الكاملة لواقعة ارتكاب فعل فاضح بين عامل وفتاة داخل مدرسة بالقليوبية    جنايات بورسعيد تحجز قضية قاتل زوجته ببورسعيد للحكم الثلاثاء المقبل    استقبالًا لشهر رمضان المبارك... الأوقاف تجدد الحملة الموسعة لنظافة المساجد الثلاثاء المقبل    محلية النواب توصي بتشكيل لجنة لفحص الأضرار الناتجة عن دفن المخلفات    تحت رعاية رئيس الوزراء..محافظ الجيزة يشارك في مؤتمر الجمهورية الخامس 2026    طريقة عمل أم علي بالجلاش في خطوات بسيطة    قائمة منتخب ناشئات الطائرة تحت 17 عامًا في البطولة الشتوية الدولية بإيطاليا    محمود مسلم: الصحفي ليس على رأسه ريشة لكن القلم أو الكاميرا على رأسها ريشة وتكشف التجاوزات    بيلد: قرارات حاسمة لبايرن ميونيخ في الصيف.. وتحديد أول الراحلين    جنايات دمنهور تحيل محاكمة المتهمين بقتل شخصين إلى الاستئناف بعد رد المحكمة    وزير الخارجية يؤكد أهمية القطاع الخاص في تحقيق التنمية المستدامة أفريقيا    معهد تكنولوجيا المعلومات يستضيف التصفيات المصرية لمسابقة Global Cyber Champion    اعتماد المخططات التفصيلية لحي الهرم ومنشأة القناطر وتحديث مخطط كفر الجبل    ماسبيرو 2026.. "حكايات نعينع" على شاشة التليفزيون المصري في رمضان    الكشف على 758 مواطنًا في قافلة طبية مجانية بقنا    ترامب يهاجم الرئيس الإسرائيلي بسبب عدم العفو عن نتنياهو    "كيمياء مرتقبة بين نيللي كريم وشريف سلامة قبل عرض "على قد الحب"    CBS News: رسائل إبستين تظهر صلات قوية مع مبعوث ترامب الخاص توم باراك    قرار جديد ضد عاطل بتهمة قتل صديقه وتقطيعه في العياط    محافظ كفرالشيخ : جاهزية شاملة ل استقبال شهر رمضان    نائب بالجلسة العامة لمجلس الشيوخ: مكافحة الأورام قضية أمن قومى    الصحة العالمية: 115 دولة تدرج لقاح فيروس B لتطعيم الأطفال منذ الولادة    فلكية جدة تكشف موعد رصد هلال نهاية شهر شعبان    أشتوريل البرتغالي يتوج النسخة الثالثة من بطولة دوري زد الدولية للناشئين تحت 15 سنة    القبض على عاطل هتك عرض طفل بقنا    استمرار التقديم لمسابقة «زكريا الحجاوي لدراسات الفنون الشعبية» حتى 28 فبراير    تأجيل زيارة وزيرة التضامن الاجتماعي لشمال سيناء بسبب سوء الأحوال الجوية    اتحاد الناشرين العرب يطلق مبادرة لدعم مكتبات وزارة الثقافة السورية    مصرع 3 عناصر شديدة الخطورة، الأمن يداهم بؤر إجرامية في قنا وأسوان وأسيوط    منطقة الأقصر الأزهرية تعقد فعاليات مسابقة الإمام الأكبر لحفظ القرآن الكريم    الدكتور حسام موافى: أنا بفضل الله وبحمده بصحة جيدة وكل عام وأنتم بخير    السيسي يشدد على ضرورة الجدارة والكفاءة فى الأداء الحكومى    مواقيت الصلاه اليوم الأحد 15فبراير 2026 فى المنيا....اعرف مواقيت صلاتك بدقه    أولاد حارتنا.. أسئلة فلسفية! (3)    هشام حنفي: كامويش ينقصه التأقلم.. وناشئو النادي يستحقون فرصة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ملاحظات على هامش الثورة
نشر في اليوم السابع يوم 13 - 02 - 2011

لطالما راودنى حلم مثل الكثير من أبناء وطنى بالتغيير الذى يضع مصر
فى مكانتها اللائقة. كنت أثناء دراستى فى أمريكا للحصول على درجة الدكتوراه أشعر بالفخر والزهو عندما أرى فى عيون من يعرف أننى مصرية استحضاراً لمصر الفرعونية العظيمة التى شهدت مهد الحضارة، غير أننى كنت أشعر بالشجن الشديد لما آل إليه حال مصرنا الحديثة.
منذ أن بدأت رحلة التدريس الجامعى فى إحدى الجامعات المصرية وأنا أحاول أن أبث فى نفوس الطلبة أن التغيير الحقيقى لن يحدث فقط بتغيير شخص أو نظام بل إنه يبدأ بكل فرد منا، بالخروج عن ثقافة القطيع إلى أُفق رحب من الإبداع والاختلاف الإيجابى.
وعلى الرغم من أننى كنت أشعر بالأسى لافتقاد بعض شبابنا الطلبة روح الحماسة والطاقة التى تتغير بها الأوطان، فقد وجدت فى العديد منهم ضوءاً شارداً يشع نور وطاقة وسط ظلام من السلبية والنمطية. اشتركت مع هؤلاء الشباب فى أنشطة جامعية فجرت طاقات أقنعتنى بأن مستقبل مصر سيضئ قريباً وأن التغيير الحقيقى سوف يحدث تدريجياً
على يد شبابها. ولكننى لم أكن أحلم يوماً بثورة عارمة تجتاح مصر وتُحدث فى لحظات تغييراً لم نكن نتوقعه فى سنوات.
نظرت إلى هذه الثورة بمشاعر متداخلة.
تحمست كثيراً لمطالب الثورة وأسفت كثيراً ككل المصريين للشهداء الذين راحوا ضحية جهاز أمنى عقيم يتعامل بعقلية القرون الوسطى، ولكن سيطرت على قناعة بأن التوازن والعقلانية يجب أن تحكمنا حتى لا تتحول فورة الغضب إلى فوضى. ارتبت كما ارتاب غيرى فى أن تكون هذه الثورة التى بدأت بلا أى أيدولوجية سياسية أو دينية قد اُخترقت
من قبل جماعات دينية تحاول أن تستغل الموقف.
بادرت بالتوجه إلى ميدان التحرير لكى أكون رؤية مباشرة غير متأثرة بشتى الرؤى الإعلامية المتحيزة لموقف أو لشخص أو لفكرة. رأيت فى ميدان التحرير كثيراً مما أسعدنى وأنار بصيرتى.رأيت مزيجاً رائعاً يمثل مصر بكل أطيافها الدينية والطبقية والعمرية.
رأيت تسامحاً دينياً وتنوعاً كنا نفتقده، رأيت المتظاهرين يهتفون باسم محمد وحنا، رأيت المنقبات إلى جانب غير المحجبات يتحدثن بحميمية ويعملن معاً على تأمين مداخل الميدان، وأنا التى كنت أرقب فى قاعات الدراسة المنتقبات يجلسن فى جماعة والمسيحيات فى جماعة وهكذا، وكأن كل جماعة تشكل كياناً مستقلاً لا يقبل الاندماج مع الآخر. لم أرى رجلاً ملتحياً ينظر إلى فتاة غير محجبة بنظرة ازدراء واتهام كما شاع فى الشارع المصرى قبيل هذا الحدث.
رأيت شباباً وشابات يقومون بتنظيف الميدان بلا كلل على مدى ساعات متواصلة ليلاً ونهاراً.
رأيت آماناً لم أشهده فى مصر من قبل. رأيت فتيات يسرن فى الرابعة صباحاً دون أن يضايقهن أحد.
رأيت كمَّاً رائعاً ومدهشاً من الإبداع فجرته هذه الثورة. تصميمات فنية ورسومات كاريكاتيرية وأغانى جماعية حولت الميدان إلى كرنفال للحرية.
رأيت حباً للوطن يطغى على كل شئ. اجتذبتنى مجموعة من الشباب تغنى على العود، وعندما رأت هذه المجموعة شابين يقفان بجوارها على وشك الاختلاف والعراك بادرت فوراً برفع صوتها بغناء نشيد "بلادى بلادى" حتى لا يعلو صوت فوق صوت الوطن، ومن المفارقات أن تنجح هذه الحيلة فى فض النزاع.
رأيت تكافلاً اجتماعياً جديراً بأن يُحتذى به فى كل مكان وزمان. رأيت شباباً يجول المكان يسأل الموجودين إذا ما كانوا يحتاجون إلى أى شئ.
رأيت روح الفكاهة المصرية والرغبة فى استمرار الحياة فى عيون بائعى البطاطا والسودانى الذين أوجدت لهم جموع المتظاهرين فى الميدان فرصة لكسب الرزق. ضحكت كثيراً وأنا أرى فى ميدان التحرير صورة حية لحبيبتنا مصر، بلد المتناقضات، بلد النكتة وخفة الدم حتى فى أحلك الظروف.
رأيت إيجابيات كثيرة ترسم صورة مصغرة للمجتمع المصرى وتثير روح التفاؤل
بما هو آت. ولكننى رأيت أيضاً بعض السلبيات أتوجه بها إلى شباب الثورة عسى أن نتفاداها لكى تكتمل الصورة المضيئة التى نريدها ليس فقط لميدان التحرير ولكن لمصر التى ننشدها جميعاً.
رأيت متظاهرين يسيطر عليهم منطق "نحن وفقط". أثناء جولتى بالميدان مررت على مجموعة من الشباب فإذا بأحدهم يصيح فى وجه أحد زملائه قائلاً: "من يأت إلى هنا عليه ألا يُعبر إلا عن مطالب الثورة – انتهى النقاش"، وصدَّق على كلامه معظم الشباب الواقفين. يا شباب الثورة، معكم كل الحق فى التمسك بموقفكم. رأيتم من الدماء والشهداء ما يعطيكم شرعية المطالبة بحقوقكم. ولكن هذا لا يعنى إقصاء الآخر تماماً. كنا نعانى مسبقاً من الوصف الأمنى لكل من يخالف النظام بأنه عدو الوطن، وهآنتم على وشك وصف كل من يخالف رأيكم بأنه عدو للثورة. إذاً ما الجديد؟؟ سندور فى دائرة مفرغة من دكتاتورية الرأى التى خرجتم أنتم لتقويضها.
إن فيلسوف الحرية جون ستيوارت مل يقول: "لو اجتمع البشر جميعًا على رأى، وخالفهم فى هذا الرأى فرد واحد، لما كان لهم أن يسكتوه، وبنفس القدر الذى لا يجوز لهذا الفرد إسكاتهم لو كانت له القوة والسلطة". هذا هو جوهر الحرية والديمقراطية و الكرامة التى تنادون بها.
رأيت بعض الأطفال يحثهم الكبار على الهتاف ضد النظام وضد الرئيس مبارك بكلمات بذيئة. من الرائع أن نُعلم أطفالنا الحرية والثورية والمطالبة بحقوقهم، ولكن يجب أيضاً أن يتعلم أطفالنا الرقى والتحضر عند المطالبة بحقوقهم إذا كنا حقاً نريد بناء مصر جديدة تسابق دول العالم.
روعنى كم السجائر المشتعلة فى ميدان التحرير. لم يخل شبر فى الميدان من رائحة السجائر الخانقة. أقولها ثانية: إذا كنا نريد حقاً بناء مصر جديدة تستعيد عظمة الماضى فعلينا كما نكافح الفساد والاستبداد أن نكافح أيضاً كل السلبيات التى نقع فيها جميعاً والتى تسىء لنا ولمصر ولصورة مصر فى الداخل والخارج.
تجربتى فى ميدان التحرير رسخت قناعتى بأن روح العزيمة والحماس والإصرار
التى سيطرت على ميدان التحرير قادرة على أن تنقل مصر نقلة نوعية وحضارية يبتغيها كل عاشق لهذا الوطن. ولكن علينا أن نستثمر هذه الروح التى أوجدتها الثورة استثماراً إيجابياً للعمل على إحداث حالة تغيير جذرية وشاملة لا تقف فقط عند تغيير شخص
أو نظام بل تتعدى ذلك إلى تغيير ذواتنا إلى الأفضل، وإلا فلن تتغير مصر كثيراً. أدعو الله أن ندرك جميعاً فى الميدان وفى كل مكان فى ربوع وطننا دورنا
فى هذه المرحلة حتى لا يأت يوم نتغنى فيه بكلمات الرائع صلاح جاهين:
"نوح راح لحاله والطوفان استمر
مركبنا تايهه لسه مش لاقيه بر
آه م الطوفان وآهين يا بر الأمان
إزاى تبان والدنيا غرقانه شر
عجبي!"


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.