كثيرون كتبوا عن الحارة المصرية، ولكن الأهم من إعدادهم هو كيفية كتابتهم عنها، هذه الحارة التى عبر عنها بصدق وعمق وحرفية العالمى نجيب محفوظ، فلم تكن الحارة بالنسبة له مجرد مكان سكنى يقطنه مجموعة من الحرافيش يحكى مغامراتهم، لكنها كانت تجسيدا لقصة الإنسانية كلها من لحظة الخلق وحتى الآن إذ كانت تعادل العالم كله فى نظره. على مدار السنوات الماضية تناولت بعض الأعمال الدرامية شكل الحارة المصرية، لكن لم يتم تناولها عن جدارة وخلت من تلك الروح التى اعتدنا مشاهدتها فى أعمال مثل مسلسل "حديث الصباح والمساء" لنجيب محفوظ والذى تناول من خلاله تاريخ مصر الاجتماعى والسياسى والاقتصادى عن طريق 3 شخصيات يتفرع منها الأبناء والأحفاد ورسم صورة للطقوس البيوت المصرية آنذاك، كذلك الكاتب الكبير أسامة أنور عكاشة فى مسلسله "أرابيسك" لصلاح السعدنى والذى صاغ من خلاله مفردات مجتمع بأكمله داخل تلك الحارة التى يقطن بها "حسن أرابيسك" والذى يمتلك ورشة لصناعة الأرابيسك، وإلقاء الضوء على شهامة وجدعنة أهل الحارة، أيضا مسلسله الشهير "الشهد والدموع" ليوسف شعبان وعفاف شعيب إخراج إسماعيل عبد الحافظ، وكيفية رسمه للبناء الدرامى للأحداث وشكل أهل الحارة قبل وبعد ثورة يوليو وما حدث فى ذلك الوقت من انكسارات وانتصارات، كذلك رائعة "ليالى الحلمية" التى يحفظ الجمهور أسماء شخصياتها كالمعلم "زينهم السماحى" رمز الجدعنة. وفى عام 2010 قدم المخرج سامح عبد العزيز والسيناريست أحمد عبد الله فى مسلسلهما "الحارة" صورة واقعية حية، للحارة الشعبية، وهؤلاء البشر الذين يتعايشون فيما بينهم ومدى الترابط بين كل شخص، وتعمق المخرج والمؤلف فى سرد تفاصيل حياتهم بكل ما فيها من جمال وقبح وخير وشر، الآن اختفت الرومانسية والشجن والتوق للنضال من حارة الدراما، وأصبحت مرادفا للبلطجة والعشوائية. هذا العام تظهر الحارة المصرية فى العديد من المسلسلات الدرامية منها "بين السرايات" للمخرج سامح عبد العزيز والنجوم باسم سمرة وسيمون وسيد رجب، و"مولانا العاشق" لمصطفى شعبان، و"وش تانى" لكريم عبد العزيز، و"الكابوس" لغادة عبد الرازق، و"يا أنا يا أنتى" لسمية الخشاب وفيفى عبده و"حوارى بوخارست" لأمير كرارة. ويرصد فيها كل مؤلف واقع الحارة على هواه، لكن المؤكد والذى كان واضحا فى الحلقات الأولى لهذه المسلسلات أنها افتقدت ذلك العبق الذى اعتدناه فى الأعمال الفنية التى تتحدث عن الحارة المصرية، لم نعد نشم فيها رائحة السحر والتراث والعمق بل انحرفت عن المسار بتقديمها "رتوش" مشوهة عن الحارة المصرية وربما كانت محقة فى ذلك، فدائما الأعمال الفنية تعد انعكاسا لمدى تطور المجتمعات. وأكد السيناريست هشام هلال إن سكان مسلسل "حوارى بوخارست" بطولة أمير كرارة وإخراج محمد بكير، خليط بين الشهامة والجدعنة والإجرام والشقاوة، موضحا أن الحوارى لن تكون بالبراءة التى قدمتها الأعمال الفنية القديمة، ولن يظهر فيها الجانب الإجرامى والافتراء وقهر القوى للضعيف فقط، ولكن بها مزج بين الواقعية والخيال، موضحا أنه لو قدم الواقع كما هو سوف يخرج العمل مثل أعمال السبكية وخالد يوسف به حالة من العشوائية وفجاجة فى التفاصيل، وهو أمر غير مناسب للتلفزيون ولا لأجواء العرض فى رمضان، مضيفا أنه لو قدم عملا به خيال فقط فإنه سوف يظهر الحارة على أنها هادئة، وهو ما لن يكون مقبولا لدى المجتمع، مؤكدا أن المسلسل يظهر مواقف نبيلة وعنيفة فى حياة أهل الحارة. وأشار هلال فى تصريحات ل"اليوم السابع" إلى أنه بعد الثورات التى مرت بمصر وانتشار السلاح فى أيدى الناس جميعا أصبح تصوير الدراما للحياة فى مصر على أنها وردية أمر غير مقبول خاصة أن الشوارع بها إجرام ودم وعنف مبالغ فيه. وأضاف أن التناول الدرامى للشخصيات فى مسلسل "حوارى بوخارست" يهتم بالتفاصيل المثيرة فى حياتهم حيث إن أمير كرارة لن يظهر فى صورة الشاب الطيب الذى يثور على المجتمع الظالم ولكنه من البداية يظهر أن به شيئا من الفساد والشراسة والحدة، وبه شىء من الجدعنة والشهامة التى تجعل المشاهد يتعاطف معه، مؤكدا أن العمل رغم ذلك يتناول حياة مواطنين عاديين يعيشون حياة هادئة بدون عنف أو بلطجة تجعل المشاهد يتعاطف مع قلة حيلتهم لكونهم مغلوبين على أمرهم فى وسط المحيط الشرس الذى يعيشون فيه. وقالت السينارست هالة الزغندى إن مسلسل "الكابوس" بطولة غادة عبد الرازق، إخراج إسلام خيرى، يسلط الضوء على منطقة منشية ناصر وتجمعات القمامة الموجودة جنبا إلى جنب مع الوحدات السكنية هناك، وأضافت: "رغم أن مشاهد الحارة والمناطق الشعبية لن تكون مكثفة خلال العمل حتى أن أحداثه تبدأ فى الفيلا التى تسكن فيها غادة عبد الرازق، وأعتقد أن هذه المشاهد تكون كفيلة بتسليط الضوء على طبيعة حياة سكان منشية ناصر". وأوضحت فى تصريحات ل"اليوم السابع" أنها حرصت على أن تظهر أجواء الحارة الشعبية من خلال العمل، حيث تستعرض بعض المشاهد لعربات الفول ومحل الميكانيكى، ومقلب الزبالة المتلاحم مع المناطق السكنية، مشيرة إلى أنها اختارت منطقة منشية ناصر بالتحديد لتوصيل صورة عن حياة سكانها الذين لا يخجلون من العمل فى القمامة ويتفانون من أجل قوت يومهم بالحلال. وقالت الزغندى: "الشىء الذى أوحى لى بهذه الفكرة أننى كنت متواجدة ذات يوم فى وسط البلد ورأيت شخصا يبحث فى القمامة عن طعام وبالفعل وجد علبة زبادى وجلس لتناولها بسعادة مفرطة"، موضحة أنها قررت بعد هذا الموقف البحث فى حياة هؤلاء الناس من خلال الأفلام التسجيلية وبعدها نزلت إلى منطقة منشية الناصر وتقابلت مع عدد من أصحاب مقالب الزبالة ومصانع البلاستيك هناك، ولفتت إلى أنها صدمت عندما وجدت أن أصحاب مقالب الزبالة أغنياء، حيث رأت زوجة صاحب أحد المصانع ترتدى الكثير من الذهب ولديها فيلا. وقال المخرج عصام شعبان إنه يتناول الحارة الشعبية فى مسلسله "دنيا جديدة" بطولة حسن يوسف، من منطلق ما يجب أن تكون عليه وليس ما هو كائن بالفعل، موضحا أنه على الرغم من محاربة المسلسل للإرهاب فلم يظهر أهل الحارة بأنهم إرهابيون، بل يظهرهم مواطنين صالحين رافضين للإرهاب الأمر الذى يجبر المتطرفين على الهروب إلى الصحراء وجبل الحلال وسيناء ويبدأون فى ممارسة دورهم فى الاعتداء على الجيش والشرطة، ونشر البلطجة والقنابل البدائية الصنع فى الشوارع وإثارة الخوف بين الناس، مؤكدا أن تناول الحارة الشعبية على أنها مجموعة من البلطجية فى بعض الأعمال الدرامية مبدأ مرفوض. وأضاف المخرج ل"اليوم السابع": "مش معنى أن هناك سلوكيات سلبية فى الحارة أن يقوم صناع الدراما بتعميمها على كل الحارات الشعبية بها بلطجة ومخدرات"، لافتا إلى أن هذا التركيز غير مقبول لأنه من المفترض أن الدراما تجذب المشاهد وتأخذ بيده إلى المنطقة السلوكيه الحسنة أو النقطة المضيئة فى المجتمع لأنه لا يوجد مجتمع كامل قائم على البلطجة مثلما تصور لنا الدراما قائلا :"نحن نعيش فى شوارعنا وحوارينا كل يوم بلا بلطجة". وأكد أن التركيز على تناول الجوانب السلبية فى الأعمال الدرامية لن يضفى واقعية ومصداقية على أحداث هذه الأعمال ولكنه يجعل المواطن العادى يقلد النموذج المطروح له على الشاشة مما يجعل الواقع يزداد سوءا، وعلق المخرج قائلا: "الدراما مجدت فى البلطجة وصورتها على أنها الأسلوب السائد والصحيح الذى يتماشى مع شراسة الواقع المصرى وكأن مصر أصبحت كلها حرامية وبلطجية فى كل مكان".