دائما ما يكون هناك سؤال يشغل المصريين، وهو: لماذا لا يستكمل أى مسؤول ما بدأه قبله؟ ولماذا يتعامل المسؤول الجديد فى مكانه وكأنه يعيد اختراع العجلة؟ ولماذا نهلل كثيرا عند طرح أى فكرة أو مشروع جديد، ثم فجأة يحدث انصراف عنه، وكأنه لم يكن هناك هذا المشروع؟ أطرح هذه الأسئلة، كلما طرح البعض إنشاء مدن علمية جديدة، ومنها مثلا مدينة زويل، وبعد أن قلبت فى أوراقى القديمة لأجد بينها دراسة قديمة عن إنشاء مدينة للبحث العلمى والتكنولوجيا تعود إلى نهاية الثمانينيات من القرن الماضى وبدأت جديا عام 1989، ونشرت الدراسة الخاصة بهذه المدينة فى أكتوبر عام 1992، وكان لى حظ مناقشتها ومراجعتها بعد نشرها مباشرة، وحين أعدت قراءتها حديثا، اكتشفت أن الباحثين الذين وضعوها وقتئذ كانوا على علم ومعرفة كبيرة بما يحدث فى العالم من علم، وما تحتاجه مصر من تقدم ونمو. ومن المفيد أن أستعرض خطوات التأسيس التى شملت تأسيس لجنة تنفيذية وفنية بعضوية مجموعة كبيرة من الأساتذة من الجامعات والكليات المختلفة، وتم تخصيص جزء كبير من 300 فدان على مراحل فى مدينة برج العرب الجديدة، وشملت الدراسة التكاليف المطلوبة ومصادر التمويل المحلى والعالمى، وتعيين 200 مدرس مساعد باحث، وتشكيل المنح الدراسية بالخارج وإنهاء التصميمات الهندسية والمعمارية، ووضع التنظيمات الإدارية والفنية للمدينة لتتولى تنفيذ ومتابعة كل المهام الفنية والإدراية والمالية، وكذلك مهام الربط بين كل الأنشطة القائمة بالمدينة وبين مراكز ومعاهد البحث التطويرى والهندسى والجامعات على المستوى القومى، وسميت هذه المدينة العلمية «مدينة مبارك للبحوث العلمية والتكنولوجية» أو «مدينة مبارك» للأبحاث العلمية والتطبيقات التكنولوجية، وبعد مطلع القرن الحالى بدأت فى العمل تحت اسم «مدينة الأبحاث العلمية والتطبيقات التكنولوجية»، وشملت العديد من المعاهد البحثية التى تؤكد أنها بنيت على أساس سليم، وهى تعطى مثالا عظيما لما يجب أن نفعله فى المشاريع المستقبلية. وأقولها بكل ثقة، إن المعاهد التكنولوجية الحديثة التى احتوتها هذه المدينة هى التى نحتاجها بكل جدية هذه الأيام، وهى معهد بحوث الهندسة الوراثية والتكنولوجية الحيوية، ومعهد بحوث زراعة وتنمية الأراضى القاحلة، ومعهد المعلوماتية، ومعهد بحوث الليزر، ومعهد بحوث التكنولوجيا المتقدمة والمواد الجديدة بأنواعها، ومعهد بحوث الطاقة الجديدة والمتجددة، ومعهد بحوث البيئة والموارد الطبيعية، ومركز تنمية القدرات العلمية والتكنولوجية. تمت اختيارات هذه المعاهد بما فيها من تكنولوجيا لضمان التكنولوجيا الملائمة لمصر بظروفنا وواقعنا، وأن تتضمن التكنولوجيا المتقدمة الاحتياجات القومية التى تشمل الأمن الغذائى والمائى والطاقة، وتغطية كل الاحتياجات البشرية الأساسية والضرورية مع مواكبة التقدم الإنسانى. وأعيد التذكير بكل ذلك، لأنى حين أقارنها بما يطالب به البعض الآن من تخصصات علمية بما فى ذلك تخصصات مدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا، سنجد أننا بالفعل لدينا الكثير من التخصصات المطلوبة، توصل إليها ووضعها باحثون مصريون منذ نحو ربع قرن، مما يعطى دلالة على رؤية شاملة للباحثين فى هذا الوقت انتبهت لما يحدث فى العالم من تقدم وتطور، ويقودنى ذلك إلى القول بكل ثقة، إن مصر تخسر الكثير لعدم استمرارية الدراسات والمشاريع والأفكار المطروحة، وتخسر لتتعامل على قاعدة «البداية من الصفر»، وكما قلت «إعادة اختراع العجلة»، وتخسر لعدم الاستفادة من الماضى لتحقيق النجاح المستقبلى، وعدم استخراج الخبرات الموجودة والكثيرة وتوظيفها توظيفا سليما، بالإضافة إلى عدم ما أسميه ب«توظيف الذاكرة الإدارية». يؤدى كل ذلك إلى التأخر والفشل وإهدار الأموال والأفكار وعدم الاستفادة من الخبرات والدراسات السابقة، ويؤسفنى القول إن هذا متشعب فى مجالات كثيرة فى الدولة وهياكلها، وتلك معركة كبيرة وصعبة وتحد عظيم لا بد من مواجهته إذا كنا نريد بالفعل الدخول إلى مرحلة التقدم، وأقترح فى ذلك أن نتعامل مع الماضى بمنطق الاستفادة بيد تبنى ولا تنسف، ويتطلب ذلك بناء قواعد البيانات الملائمة والقدرة على مراجعة الأفكار والاقتراحات والدراسات، فالدول تتقدم عن طريق التطوير والاستفادة من الماضى، والتخطيط المبنى على الدروس المستفادة، وليس عن طريق البداية من الصفر كلما تغير المسؤول أو صاحب القرار، على أن تكون هناك ذاكرة مستمرة فى جميع الوزارات والهيئات والمعاهد وضمان سبل الحصول على ما تم من الدراسات والمشاريع التى طرحت ولم تستكمل. يجب على كل وزارة وهيئة أن تنشئ مجموعة من المستشارين الممتازين القادرين أصحاب الخبرة لضمان الاستمرارية، ونقل الخبرة والمعرفة للأجيال الجديدة من الرؤساء والمرؤوسين، فهذا يضمن الاستفادة من الخبرات والدراسات والاستمرارية وتكملة وتحسين ما تم، ودعونا نستعن بالخبرات السابقة القادرة «المركونة على الرف» والمستعدة للعطاء.