الشعب الجمهوري يرحب بتوجيهات الرئيس بشأن قوانين الأسرة ويدعو إلى اجتماع برلماني    لتعزيز الوعي الفكري للشباب، وزارة الأوقاف تعقد الأسبوع الثقافي بجميع المديريات    «البدوي» يصدر قراراً بتشكيل هيئة جيل المستقبل تضم 140 شابًا وفتاة    صدمة الملايين 32 مليون شخص حول العالم مُهددون بالفقر    تمهيد ورفع كفاءة طريق "منوف- برهيم" لتعزيز السيولة المرورية    طهران تهدد بقصف موانئ الخليج.. وحلفاء ترامب يرفضون «خنق» مضيق هرمز    إصابة فلسطينيين اثنين برصاص الاحتلال الإسرائيلي شرقي مدينة غزة    فرص استثمارية أوغندية واعدة أمام الشركات المصرية    رئيسا الجمهورية والحكومة في العراق يبحثان وقف التصعيد في المنطقة    حصاد الرياضة المصرية اليوم الإثنين 13 - 4 - 2026    دوري أبطال آسيا.. تعادل بين الهلال والسد في الشوط الأول    الشباب والرياضة تطلق مبادرة مجانية لدعم الصحة النفسية ومواجهة الاكتئاب    مؤتمر كوكي: نحترم برشلونة لكننا متعطشون للوصول لنصف النهائي    معتمد جمال يدرس تثبيت تشكيل الزمالك في لقاء الإياب أمام شباب بلوزداد    رسميًا.. كيروش مديرًا فنيًا لمنتخب غانا في كأس العالم    محافظ دمياط يتفقد ممشى النيل برأس البر في ليلة شم النسيم    أمن الجيزة يضبط طرفي مشاجرة داخل مقهي بأكتوبر    تفاصيل إنقاذ شابين من الغرق والبحث عن ثالث لأربع ساعات بشاطئ 15 مايو بجمصة    إصابة 8 فتيات بانقلاب تروسيكل على الطريق الجديد بجهينة.. الأسماء    «شم النسيم».. عيد الحياة الذي عبر آلاف السنين في وجدان المصريين    أحمد سالم فى كلمة أخيرة: أزمة مضيق هرمز تهدد الاقتصاد العالمى    نجل عبد الرحمن أبو زهرة ل«اليوم السابع»: حالة والدى تشهد تحسنا فى الوعى والتنفس    معرض «عالمى» لخوسيه موريلو بالأوبرا    وكيل وزارة الصحة تتابع انتشار فِرق "100 مليون صحة" وتنظيم الأسرة بالحدائق    تحركات داخل «المهندسين».. اجتماع مرتقب لحسم المناصب القيادية بالنقابة    5 فئات ممنوعة من تناول الأسماك المملحة في شم النسيم.. كيف تتصرف حال حدوث تسمم غذائي؟    الكهرباء تبحث إقامة مشروعات توليد الطاقة المتجددة من الرياح بالسويس    أمين حزب الله: سندع الميدان يتكلم ونرفض المفاوضات العبثية مع الكيان الإسرائيلي    الأهلي يفوز على مصنع الكحول الإثيوبي في بطولة إفريقيا لسيدات الطائرة    تعرف على إيرادات فيلم برشامة بالسينمات السعودية    أحمد سعد يطرح ألبومه الحزين الأربعاء المقبل    ضبط متهم بابتزاز خطيبته السابقة والتشهير بها عبر مواقع التواصل بالإسماعيلية    أحمد عبد الرشيد: كليات التربية تقود صناعة «العقول الخضراء» لدعم التحول نحو الطاقة المستدامة    «الصحة النفسية» تؤكد التزامها بدعم الفئات الأكثر احتياجا وتعزيز الوعي المجتمعي    نائب محافظ الوادي الجديد يتابع منظومة مياه الشرب والصرف الصحي بمركز الداخلة    مؤتمر سلوت: هكذا أقنعت اللاعبين بإمكانية قلب النتيجة على باريس سان جيرمان    أحمد كريمة: الصحابي الذي تخلص من حياته غفر له الله    هل يجوز للمرأة كشف عورتها أمام بناتها؟.. أمينة الفتوى تجيب    جامعة قناة السويس تستضيف "فولبرايت مصر" لاستعراض فرص المنح البحثية    إنقاذ مصابي حوادث وتكثيف المرور على مستشفيات الدقهلية خلال شم النسيم    شوربة السي فود.. بديل صحي ولذيذ للرنجة والفسيخ على مائدة شم النسيم    هل يغفر للمنتحر؟.. الأوقاف تحسم الجدل وتوضح الحكم الشرعي كاملًا    «بتروجلف» تحقق أعلى إنتاج منذ تأسيسها.. وارتفاع إنتاج خليج السويس إلى 26.6 ألف برميل يوميًا    ضبط مندوب رحلات تعدى لفظيًا على سائح في جنوب سيناء    التحقيق مع عصابة غسلت 170 مليون جنيه من تجارة المخدرات    السيارات الكهربائية مصدر بهجة لزوار الحديقة الدولية بشم النسيم (صور وفيديو)    انتصار السيسي تهنئ الشعب المصري بمناسبة شم النسيم    البابا لاوُن الرابع عشر في الجزائر: رسالة مصالحة من "مقام الشهيد" تؤكد أن السلام ثمرة العدالة والمغفرة    الحقيقة الكاملة لتعيين أوائل الخريجين وحملة الماجستير والدكتوراه    الداخلية تضبط 14 طن رنجة وفسيخ غير صالحة في 3 محافظات    أنشطة تفاعلية وورش فنية ضمن جولة أتوبيس الفن الجميل بالمتحف القومي للحضارة    سعد الدين الهلالي: المنتحر مسلم ويصلى عليه ويستحق الرحمة وبعض الصحابة انتحروا    إستراليا تدعو إلى بقاء مضيق هرمز مفتوحًا للجميع    هل يُغفر للمنتحر؟.. وزارة الأوقاف تبين الحكم الشرعى    صدام القوة والطاقة.. هل يعيد الصراع الإيراني الأمريكي رسم خريطة النفط العالمية؟    ثورة تكنولوجية في السكة الحديد.. تحديث نظم الإشارات لتعزيز الأمان وضمان السلامة    ماجدة خير الله عن مسلسل اللعبة 5: عمل يطبطب على روحك ويخليك مبتسم    ترامب: أنفقنا تريليونات الدولارات على الناتو دون أن يساندنا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



العرب بين ثقافة الديمقراطية وثقافة الواحد
نشر في اليوم السابع يوم 04 - 02 - 2010

تعودت الجماهير الناطقة باللغة العربية وعلى مدى طول وعرض الإقليم على طبيعة الحكم الديكتاتورى بمكوناته المختلفة. و"تربت" تلك الجماهير على أساس عدم المُشاركة فى تحديد مصائرها، حتى باتت فى أغلب الأحيان تنتظر تلقى "فعل" الحاكم دون أدنى "رد فعل" غير التهليل والهتاف أو "الموافقة" دون تفكير، وأضحى موروث القمع، عالقاً فى الأذهان، أكثر من أى شىء آخر، رغماً عن كل التطورات التى لا يشعُر بها غير قلة من الناس التى اشتبكت فى العمل العام، ضد المنظومات القائمة. إلا أن التغيير مع كل شىء، بطىء للغاية، رغم أن العجلة بدأت تلف، منذ عام 2005، حيث شاركت عوامل داخلية وخارجية فى بدء الحراك السياسى فى المنطقة العربية! لقد أصبح التفكير الأكثر ترسُخاً فى المجتمعات العربية، هو ذاك الذى "أملى" عليها عبر آليات القمع عبر العقود، والمتمثل فى ثقافة "الموافقة"، سواءً "بالإجماع" أو بنسبة "ال99.9%" التى ميزت نتائج انتخابات المنطقة. وتبقى نسبة "01. %"، لتُعبر حقيقةً عن نسبة هؤلاء الذين يفكرون بالفعل من أجل تغيير "عقلانى" وليس منتمى إلى "هوجة" الهتافات والشعارات وبراكين الغضب!!
إن أغلبية مواطنى البلاد العربية ورغم اعتراضهم على الأوضاع السائدة، هم تعبير مستمر، عن "أغلبية صامتة"، تتابع الأحداث، وتتكلم فى الجلسات الخاصة، وإن كثُرت، ولكن فعلهم لا يتعدى هذا على الإطلاق. تلك الأغلبية ترى أنه لا طائل ولا فائدة من السعى "الشعبى" نحو الديمقراطية. إنهم يرون أن ما هو قائم سيستمر. وينظرون إلى أغلب المُعارضين إما على أساس أنهم إما "مجانين"، يقاومون قوة لا يُمكن أن ينتصروا عليها، أو "منتفعين"، يعملون من أجل شُهرة وجاه وسلطان شعبى، دون أدنى رغبة فى التغيير. وهم فى تلك الرؤية لديهم الكثير من الحق، رغم أننى أختلف معهم. فأنا أختلف معهم، من جراء النظرة على أرض الواقع، وما أُتيح فى السنوات الماضية، من التأثير الفعلى، على صانع القرار، فى مناحى مُحددة، لأن هذا الذى يحكُم فى النهاية، لن يقوم بفعل التغيير، ما لم يلمس التغيير على الأرض بالفعل، وليس فقط من جراء موجات وصيحات الغضب التى لا يُمكنها بأى حال من الأحوال أن تصنع سياسة أو قرار قابل للاستمرار أو الصمود فى وجه عواصف الواقع! وفى الوقت نفسه، هو يريد أن يكون له تأييد شعبى، وبالتالى فإن تغييراته تكون فى الإطار المقبول والمعقول، وليس فى أُطر العشوائية أو ردة الفعل، على ثورات التنفيث الشعبى المتلاشية، التى لا تنتج فى النهاية، هبة شعبية جماهيرية، ورغبات واضحة وملموسة، من الكافة!
إن الأغلبية الصامتة ترى أن المُعارضين "مجانين" لأن جماعة المصالح التى تحكم تملك شتى وسائل القوة، من جيش وشرطة وإعلام وآليات، أمضى من كل ما يقوم به المعارضين من سياسات، لا تؤدى إلى شىء، غير تأكيد تلك الحقائق على الأرض. أما فيما يتعلق برؤيتهم المعارضين "كمنتفعين"، فتلك الرؤية تنبع، من جراء حقيقة، أن أغلب المُعارضين، لا يقومون بأكثر من الهتاف الذى هو فعل من أفعال الماضى، كما أن هؤلاء المُعارضين لا يقومون "باختراقات"، غير تقليدية، ذات جدوى، ولا يقدمون بدائل واقعية، ولكن بدائلهم المطروحة، تؤسس لاستمرار الحكم القائم، لعدم واقعية الطرح البديل، إن وجد! فالسياسة العامة كمصطلح ومفهوم، تتضمن بالأساس، طرح البدائل الجادة والواقعية، والمعارضة، لا تطرح تلك البدائل إلا فى إطار الرغبة فى "إرضاء" العامة الغاضبة، وصُنع "البطولات" الوهمية، و"استفزاز" السلطة، التى مازلت تتمتع بقدر وفير من الديكاتورية. فمثلاً، اقتراح محمد حسنين هيكل فى مصر، بإنشاء مجلس حكم انتقالى هو اقتراح قاصر، لأن السلطة لن تتنازل طواعية عن الحكم، فى هذه الظروف. وهو أمر مفروغ منه تماماً، وفقا لمُعطيات السلطة القائمة فى مصر أو فى أى قُطر عربى آخر! وبالتالى، فإن الاقتراح ومناقشته، ما هو إلا نوعاً، من تضييع الوقت والعبث وخلق أحلام على الأرض، لن تتحقق! وكل ما حدث، أن الطارح والمطروح، تم مناقشته بنوع من الإلهاء، بعيداً عن القضايا الأساسية، وأتصور أن السلطة نفسها ساهمت فى "ترك" الناس يناقشون تلك المسألة، لأنها تُلهى عن القضايا الأساسية.
وهذا بدوره ينقلنا إلى نقطة أن النُظم القائمة، تملُك الكثير من "الدهاء" السياسى، الذى يوظف أفعال المُعارضة ذاتها، لمصلحة تلك النُظم، مثلما فعل النظام المصرى، بسماحة دخول الإخوان المسلمين إلى مجلس الشعب، لتخويف الخارج من البديل "المُرعب" أو بتركه المعارضة "الاسمية" الراديكالية، تعمل فى الشارع المصرى، كأداة تنفيس، ليس إلا! ومضت المعارضة فى الطريق المرسوم، من قبل النظام، دون أدنى استغلال للمناخ السياسى، لعقلنة تلك المُعارضة، فى سبيل التوعية للأغلبية ومن أجل التغيير. بل إن المعارضة، فى أغلبها، ما هى إلا صورة حقيقية للنظم القائمة، فى أنها تلتف حول الشخص الواحد الذى يمثل الزعيم القائم للحزب، حتى وإن لم يكن رئيس الحزب المذكور، كما هو الحال مثلاً بالنسبة لأيمن نور فى مصر!
كما استغل النظام، مسألة ترشيح محمد البرادعى، لرئاسة مصر، بأن "ترك" الناس يدعون لهذا الترشيح الذى لن يحدث فى النهاية، نظراً للعقبات الدستورية الجادة. بل وقام النظام بالهجوم على البرادعى، بمعرفة منه، أن الأغلبية لا تتقبل أو تثق فى الرؤية الحكومية، ليلتف الناس حول ترشيح البرادعى، و"ينسون" زُعماء المُعارضة المعروفين. ومهد هذا إلى أن التف الناس حول اقتراحات البرادعى، وأصبح واضحاً، أن اقتراحات المُعارضة على مدى خمس سنوات، لم تؤت الثمار، مثلما فعلت اقتراحات "فرد" واحد فقط!! أى أن ترشح البرادعى، وبتسهيل "إعلامى" من النظام المصرى، لم يكُن إلا إعلان "غير رسمى"، عن فشل المعارضة ككل. وأصبح ترشح البرادعى، يُشكل مُشكلة حقيقية للمعارضة، لأن الرجل ذا هامة تفوق كل المعارضين على الساحة، وبالتالى، أصبح من الصعب بعد ذلك، أن يترشح أى شخص للمنصب عندما يُقارن الناس، بين البرادعى، التكنوقراطى الذى عمل مديراً للوكالة الدولية للطاقة الذرية والحائز على جائزة نوبل، بهؤلاء الذين يقومون على المعارضة المصرية!! وأصبح لزاماً أن يكون المُترشح القادم لرئاسة مصر ذى مواصفات خاصة جداً أو أن يكون رجل آت من قلب النظام القوى ومدعوم منه!
ومصر لأنها النموذج الأقرب لوجود نظام و"معارضة" وإن كانت شكلية هى أكثر الأمثلة قيمة فى ضرب المثال على حال التغيير السياسى فى المنطقة. ومما لا شك فيه، أن النظام هو الذى "سمح" بوجود المعارضة، وهو الذى يصنع توجهاتها أو يستغلها على الأرض، بتسهيلات منها ذاتها (وهو ليس عيباً فى النظام هنا، ولكن ثغرة كبيرة فى المعارضة)!! ولو أراد النظام لزج بكل المعارضين فى السجن فى يوم واحد، ولكن ذلك ليس فى مصلحته فى ظل المناخ السياسى المتواجد فى الساحة العالمية حالياً. أى أن المسرح السياسى فى مصر، فى أغلبه، إن لم يكن كله، من تدبير النظام وتوجيهه، ويعبر بالفعل عن مسرح، وفقاً للمصطلح الفنى! والمعارضين، لأنهم ليسو مبدعين "سياسياً"، لا يقدمون حلول غير تقليدية، تُلاقى التأييد الشعبى المطلوب، حتى وإن كان تأييداً من قبل الأغلبية الصامتة، لأن أغلب ما يقومون به، هو فقط تعبير عن غضب، وليس خلق بدائل يُمكنها التغيير على الأرض!
لقد أثر موروث الحكم الديكتاتورى بعمق يجاوز أى تغيير ممكن فى ثقافة أغلبية الشعوب العربية، حيث شهدت حتى مستندات الحكم ذاته على القهر الذى مارسه ذاك الحكم، سواء بذكر سجون عبد الناصر ومراكز القوى حوله أو سجون صدام حسين ومذابحه ضد شعبه أو سجون حافظ الأسد ومجازره ضد الإخوان المسلمين أو ما قام به النظام المغربى السابق ضد معارضى النظام هناك أو ما كان يحدث فى الخليج لمعارضى النظم! فالأمر يكاد يطال كل النظم العربية دون استثناء! ولقد بقى هذا المخزون القمعى فى أذهان الشعوب ولم يغيره شىء، بل ربما زاد عندما فضح "الحراك الديمقراطى" فى السنين السابقة، قضايا تعذيب مهينة فى السجون العربية! ولا تجد فى المظاهرات المختلفة، فى مصر، إلا "وجوه" دائمة التواجد فى تلك المُظاهرات، وفى بعض الأحيان يشترك فى التظاهرات الكبيرة أشخاص "يتلقون" أجراً مُقابل المُشاركة وهو الأمر الذى اندهشت منه، عندما كنت قائماً بنفسى على إحدى الحركات الوطنية!!
ولقد أثبتت الممارسات الديمقراطية "المفروضة" أن الديمقراطية لم تترسخ بعد فى الوعى العربى. ففى العراق على سبيل المثال، حيث فُرضت الديمقراطية، بعد اقتلاع الحاكم هناك وإعدامه من قبل قوة الاحتلال، ظهر بجلاء أن الديمقراطية، مازالت بعيدة عن هذا البلد، رغم كل الممارسات على الأرض. فمازال القتال دائر فى الشوارع بين العراقيين ذاتهم، ولم تلجأ الجماعات المتحاربة إلى نمط الحوار فيما بينها (وبالطبع نؤيد هنا القتال ضد المُحتل، وليس بين مواطنى البلد الواحد). والديمقراطية الطارئة أثبتت فشلها قبل هذا والأمر ليس مقتصراً على المنطقة العربية، بل يتسع ليشمل النطاق الدولى. ففى أواسط التسعينيات من القرن المنصرم تعرضت الديمقراطية فى شرق أوروبا لانتكاسات شديدة، نتيجة للأزمة الاقتصادية التى عانتها تلك الدول بشدة وقتها، كما تؤكد الدراسات أن دولة مثل رومانيا عانت من حُكم "شيوعى" مغلف بالشعارات الديمقراطية، من عام 1990 وحتى العام 2005. أى أن المسألة تحتاج إلى فترة انتقالية طويلة الأمد، حتى يفهم الناس أولاً، ماهية الديمقراطية. إن الوعى الحقيقى للأغلبية حول معنى الديمقراطية والمفاهيم المصاحبة، هو الذى يصنع الديمقراطية، ولا تصنع الهتافات والشعارات أى شىء فى هذا الصدد، غير الفوضى!
وفى غزة، وبينما انتخبت حماس ديمقراطياً فإنها ضربت الشرعية من أول يوم، عندما أعلنت اعتراضها على "سلام أوسلو" الذى أوجد المجلس التشريعى الذى انتُخبت حماس لرئاسته. كما أنها انقلبت على السلطة الفلسطينية فى غزة، وتعرضت لأبنائها، بأعمال وحشية، وعندما أقالها الرئيس الفلسطينى، وفقا لسلطاته الدستورية، لم تقبل بذلك، وظلت تحكم غزة. وعندما أدركت أن شرعيتها محل شك، أعلنت اعترافها بحق إسرائيل فى الوجود، فى 20 يناير الماضى، وأضافت أنها ستكون مستعدة لإلغاء ميثاقها الذى يدعو لإبادة إسرائيل، وأن "أحدا لا يريد أن يلقى أحدا فى البحر بعد الآن". وبالطبع فإن تلك التنازلات من قبل حماس لم تتم من أجل الديمقراطية، ولكن طمعاً فى الإبقاء على سلطتها، وفك حصارها بأيادٍ إسرائيلية، دون أدنى مقاومة، كما تدعى، وتبخرت كل دعاوى المقاومة فى الهواء: فقط، من أجل السلطة!! بل إن حركة حماس وفى إطار ردها على تقرير الأمم المتحدة بشأن الحرب فى قطاع غزة (ديسمبر 2008/يناير 2009) الذى وضعته لجنة برئاسة القاضى ريتشارد جولدستون واتهم الحركة باستهداف المدنيين، قالت يوم الخميس 28 يناير الماضى، إن "المدنيين الإسرائيليين الثلاثة قتلوا بطريق الخطأ"!!! وفى هذا السياق، تُصبح كلمة الرئيس مبارك صحيحة، عندما قال: "فلا هم قاوموا.. ولا سلاما صنعوا"!!
إن الأزمات اليومية بين العرب أو فى الدول العربية، كلُ على حدة، لتدل على غياب النمط الديمقراطى، فى التعاطى مع الأمور!! فهناك ثقافة "الواحد" فى كل شئ، عندما يأتى الأمر إلى التعامل مع الآخر! النادى الجماهيرى الواحد، والكاتب الإعلامى الواحد (فى مصر لا يُعتد بالكلام المهم، إلا لمحمد حسنين هيكل)، والعرق الواحد، والدين الواحد، والأيديولوجية الواحدة، والمطرب "الملك" الواحد..إلخ، رغم أن هذا الأمر، يبدو أنه يتفكك ولو ببطء. إلا أن ثقافة الواحد، وحينما تتعرض، وفى كثير من الأحيان إلى النقد، تبدأ معركة "تكسير عظام" لكل مختلف عن هذا النهج "الواحد"! ويحدث هذا فى عالم يُسمى بالعربى، يُدين أغلب سُكانه بالإسلام الذى يُقر إلها واحدا! فكيف وبينما يؤمن الأغلبية "بالله" الواحد، يؤمنون بأُحادية، كل شىء دونه؟ ألا يُعبر هذا عن نوع من الشرك بالله؟! ألا يُعبر هذا النمط من التفكير عن نوع من الشيزوفرنيا الخاصة بشعوب المنطقة! إن ثقافة التوحيد، لم تنفرد فقط، بالدين هنا، ولكن تخطتها، لتشمل أيضاً أغلب الموجودات فى حياة العرب!
إن التطبيق الديمقراطى الحقيقى فى العالم العربى، لن يتأتى اليوم ولم يجئ حينه بعد. فالديمقراطية، ليست مجرد "رغبة"، ولكنها أيضاً مفهوم مترسخ فى الفعل اليومى للشعوب و"قُدرة" مُصاحبة. ونحن، لم نصل بعد إلى الفهم أو التعامل وفقا لسلوكيات ديمقراطية. كما أننا لم نصل بعد إلى إدراك كامل بالسلوكيات المصاحبة للمفهوم، مثل احترام الآخر والتعايش معه رغم الاختلافات وحرية العقائد وتعددية الحياة والرأى والرؤية. والغريب إن غير المؤمنين بالديمقراطية من القوى المستغلة للدين، يتسخدمونها، فى سبيل تقديم أجندتهم، بحيث يمكنهم التحاور معك على أساس الديمقراطية، رغم أنهم لن يقبلوا بوجهة نظرك، وما لم تقتنع بوجهة نظرهم، سيتهمونك، بالخارج عن نطاق الديمقراطية، رغم أن سلوكهم ليس منتهجاً للديالوج (الحوار بين طرفين) ولكن المونولوج (الحوار الذاتى). وهو النهج الذى يؤيده فى كثير من الأحيان، حتى من يقولون بديمقراطينهم. وهنا يجب وأن نفهم، أن القول بالديمقراطية، فى كثير من الأحيان، هو تعبير عن "موضة" ليس إلا، وأن الكثيرين، غير متفهمين للإصطلاح ولكنهم يدعون فهمه، أو يستغلونه، وما هم بذلك، إلا مرآة للنُظم الحاكمة!!
ونهايةً، أرجو، ألا يُفهم مُجمل كلامى هنا، حول أن الديمقراطية، لاتزال أمامها الكثير كى تطبق فى بلادنا، على أنه الذريعة، للاستمرار فى كنف الديكتاتورية الآن!! إن ما أقوله وبوضوح، أننا نتقدم ببطء، ولكى نُسرع من عملية تقديم الديمقراطية، على النُظم والأحزاب والجماعات والحركات والمثقفين، أن يعملوا على إبراز وتقديم، الفكر الذى من شأنه أن يُقدم الوعى الديمقراطى وما يُصاحبه من تنوير، إلى المجتمعات، حتى تتمكن من استيعاب وتشرُب هذا الفكر والإيمان به، وحتى نستطيع أن تُطبق ديمقراطية حقيقية، عندما يحين الوقت لذلك. وعلى جمعيات المجتمع المدنى، البروز، بغرس البذور لهذا الفكر فى شتى نواحى عملها الذى يندمج فى المجتمعات العربية، لأن الفكر الديمقراطى الحقيقى سيكون عنصر الأمن الأول، حيال كل ما يُراد زرعه "شيطانياً" فى بلادنا. إن العمل على بث الرؤى التى يُمكنها أن تخلق ديمقراطية، نابعة ونامية من الأرض العربية، لن يقوم بدعم من الخارج وبأفكار وافدة منه، ولكن بسواعد أبناء الأوطان العربية، ومن بنات أفكارهم، ومع التطور الذهنى لهم، والذى لن يتأتى إلا بكثرة العمل العام والقراءة ودمج العمل الشعبى بالعلم، من أجل مستقبل أفضل للحميع، يقوم على التعددية والحرية لكل من يقطن أوطاننا!
أستاذ علوم سياسية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.