محافظ أسوان يؤكد على أهمية التلاحم والتماسك بين الجهود التنفيذية الجارية    وزير الدفاع يوصي رجال القوات المسلحة بالحفاظ على أعلى درجات الاستعداد القتالي لتنفيذ جميع المهام    رئيس جامعة كفر الشيخ يفتتح مهرجان الأنشطة الطلابية الرمضانية بجامعة كفر الشيخ الأهلية    السيسي يستقبل رئيس مجلس إدارة شركة GCL الصينية    تراجع سعر اليورو اليوم الأربعاء 25 فبراير 2026 أمام الجنيه بالبنوك    النائب مصطفى سالم: الدولة تحتاج موارد والمواطن يجب أن يطمئن أن سكنه ليس عبئا    وزير الاتصالات يشهد توقيع عدد من الاتفاقيات لتعزيز الاستثمار وتحسين جودة الخدمات    جلسة الأربعاء توسع نزيف الخسائر في البورصة    وزير الخارجية يؤكد دعم مصر الكامل لجهود تحقيق الأمن والاستقرار في جنوب السودان    مسيرات روسيا تستهدف البنية التحتية الأوكرانية.. وكييف تشن هجوما مضادا (فيديو)    صراع الصدارة، مباريات بيراميدز المتبقية في الدوري المصري    الإسماعيلي ينعى اللواء إبراهيم إمام مدير النادي السابق    الناس كلها حزينة.. انهيار وبكاء أثناء تشييع جثمان فتاة بورسعيد المتوفية بمنزل خطيبها    المشدد 10 سنوات للمتهم بتزوير المحررات الرسمية في روض الفرج    دفاع فرد أمن «كومباوند التجمع» يطالب بأقصى عقوبة للمتهم وتعويض 10 ملايين جنيه في واقعة اعتداء    سفارة مصر باليونان تكشف أسماء الناجين من حادث غرق مركب الهجرة غير الشرعية    حقيقة ادعاء سائق بدفع «فلوس» لعناصر تأمين الطريق لتحميل أجانب بالأقصر    «لفقولي قضية في المرور».. الداخلية تكشف حقيقة ادعاءات مواطن بالفيوم    شيري عادل تخطف الأنظار بأداء مذهل في الحلقة السابعة من «فن الحرب»    الليلة.. "مسيرة الحصري" في أمسية رمضانية بقصر الإبداع الفني    أمين البحوث الإسلاميَّة: امتداد السند وصولًا إلى الإمام الطيِّب شاهد على رسوخ الأزهر    نائب رئيس حزب المؤتمر: «صحاب الأرض» نموذج للدراما الوطنية الداعمة لقضية فلسطين    مي عمر تفقد والدها في الواقع بعد ساعات من مشهد رحيله في "الست موناليزا"    وزيرة الإسكان تبحث إجراءات تشغيل "حديقة تلال الفسطاط"    محافظ القليوبية: نشهد طفرة في القطاع الصحي غير مسبوقة    أردوغان يعلن بدء التحقيق بسقوط مقاتلة إف-16    الصيام المتوازن للمرأة العاملة، نموذج غذائي يمنع الإرهاق في العمل    السيطرة على حريق بمنزل دون إصابات بشرية في طما بسوهاج    الخارجية تتابع بشكل مستمر احتياجات وشئون المصريين بالخارج    سبورت: تحركات من برشلونة للإبقاء على راشفورد    الرعاية الصحية تطلق حملة لحماية مرضى السكري من مضاعفات القدم السكري بجنوب سيناء    محافظ القاهرة يطلق فعاليات «أبواب الخير» بالأسمرات لتوزيع 40 ألف كرتونة    25 فبراير 2026.. الذهب يرتفع 40 جنيها وعيار21 يسجل 7000 جنيه    موجة برد تضرب الشرقية.. ورفع درجة الاستعداد لمواجهة التقلبات الجوية    «مديرة المبادرات الصحية»: «المقبلين على الزواج» تطلق حزمة فحوصات لضمان صحة الأجيال| فيديو    اتصال هاتفي بين وزير الخارجية ووزيرة خارجية الفلبين    بمقولة الوطن باق والأشخاص زائلون، علاء مبارك يحيي ذكرى وفاة والده بكلمات مؤثرة    الطفولة والأمومة: خطة متكاملة لحماية الأطفال من المحتوى الضار إلكترونيا    كله هيصرف.. وكيل تموينية قنا يطمئن مستحقي منحة رمضان    جوتيريش يعلن تعيين مبعوث جديد للأمم المتحدة إلى السودان    وزير التعليم العالي: الدولة تدعم تطوير الجامعات التكنولوجية    رئيس وزراء باكستان يجري محادثات مع أمير قطر في الدوحة    بث مباشر مباراة النصر والنجمة اليوم في الدوري السعودي.. الموعد والقنوات الناقلة والمعلق وتشكيل العالمي    الجناح الناعم ل«تنظيم الدم».. كيف كشف «رأس الأفعى» استغلال الجماعة الإرهابية للنساء؟    عدوى وجفاف.. القصر الملكى النرويجى يعلن أخر تطورات الحالة الصحية للملك    وزير الصحة يبحث تفعيل تقنية الروبوت الجراحي لتعزيز المنظومة الطبية..والبداية من «معهد ناصر»    بشرى: المرأة قوية ولا تنتظر رجلًا ليقرر استقرارها    تصريح صادم من «ترامب» حول العاصمة الأمريكية: «خالية من الجريمة»    يارا السكري: مشهد "موت أيمن" في "علي كلاي" الأصعب بالنسبة لي    إدارة الأهلي تتحرك مبكرًا لصفقات الموسم الجديد قبل انطلاق الميركاتو الصيفي    رغيف واحد أفضل من عبادة سبعين عامًا.. قصة من أسرار الصدقة    حكم إلزام الطفل بصيام رمضان.. وما السن الواجبة لأداء الفرض؟    مع سابع أيام رمضان.. موعد أذان الفجر اليوم الأربعاء 25فبراير 2026 في المنيا    أمين البحوث الإسلامية يهنئ أحمد الطيب بالموافقة على إنشاء كلية القرآن الكريم للقراءات وعلومها بالقاهرة    ماروتا: غير صحيح اتفاق إنتر مع سيميوني    كبار القراء ونجوم دولة التلاوة يحيون سابع ليالي رمضان بتلاوات ندية وابتهالات روحانية عطرة    الزمالك يوضح سبب استبدال عمر جابر في مباراة زد بالدوري    حرس الحدود يفوز علي إنبي بالدوري    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



فى مصر: الشيطان ليس فى التفاصيل فقط
نشر في اليوم السابع يوم 03 - 01 - 2010

كلما شاهدت أو استمعت أو قرأت فى الجدل الدائر حول إصلاح الحياة السياسية فى مصر، وحول قضية التوريث وتسمية مرشحين لانتخابات الرئاسة المقبلة، والبحث عن الحزب البديل فى معادلة السلطة، تذكرت هذا المثل الغربى: الشيطان يكمن فى التفاصيل. ولا أدرى إن كان مثلا إنجليزيا أم ألمانيا أم فرنسيا، فقد سمعته بهذه اللغات كلها، ولذا آمن لوصفه غربيا.
ويطلق الغربيون هذا المثل تحذيرا من الواجهات البراقة، والمقولات العامة المنطقية والمنضبطة، والشعارات الجذابة لقيم متفق عليها وقد يكون بينها الحرية والعدل والتقدم، ذلك أنه من الوارد، وأحيانا من المعتاد، أن تعمى هذه البانوراما البهيجة على نقائص ومثالب وشياطين تعيش فى التفاصيل، ولا تنكشف إلا بالاقتراب منها والغوص المجهرى فى تلافيفها وجزئياتها.
وفى أمريكا تجد من الشائع أن ينصحك الناس بقراءة (البنط الصغير)، وهى نصيحة وقائية أفرزتها الخبرة الاستهلاكية تحذر من كم الاستثناءات والشروط والقواعد والإجراءات التى تفوت عليك الانتفاع بمزايا السلعة أو الصفقة أو التعاقد، تلك المزايا التى يركز عليها (البنط الكبير) فى الإعلان الجذاب، فإذا وقعت فى الشرك وفاتك قراءة شروط البنط الصغير، وجدت أنك بعيد عن الاستفادة من أى ميزة.
فى الحالة السياسية والفكرية المصرية، أجد هذا الوضع معكوسا، أو على الأقل مغلوطا، وقد كان عام 2009 مثلا جيدا على هذا، وأكاد أقول نفس الشىء عن 2008، 2007، الخ، آملا وداعيا أن تنجو سنة 2010 من نفس المصير.
فحياتنا السياسية قائمة على الغوص فى التفاصيل حتى الثمالة، والصراع مع شياطين صغيرة هى أجدر بتسميتها بالعفاريت، لأنها حتى لا ترقى إلى مرتبة الشيطنة، ونحن ندخل فى معركة صغيرة لنخرج منها إلى معركة صغيرة أخرى، ونحن نحضر عفريتا صغيرا ثم حين لا نعرف كيف نصرفه، ننصرف عنه إلى عفريت صغير آخر، وهكذا دواليك.
خذ عندك:
معارك صغيرة تصنع أبطالا صغارا ومناضلين جوفا (محشوين قشا على حد تعبير إليوت)، وكثير من هذه المعارك يدور تحت قبة البرلمان حول الوزير السابق الذى باع لبنته قطعة أرض، أو النائب الذى تاجر بأملاك اليهود، أو النائب الذى فلت لسانه على زميله، أو زميله الذى استخدم الحذاء، إلخ ...
وخذ عندك:
هوس الإعلام بمعارك انتخابية صغيرة لا تهم إلا فئات محدودة جدا من الشعب المصرى، كمعارك انتخابات نقابة المحامين، ونقابة الصحفيين، ورئاسة الأندية الرياضية، وهى هيئات ومؤسسات تتراوح عضويتها ما بين بضعة آلاف شخص أو بضع عشرات من الآلاف على أقصى تقدير، أى أقل من واحد فى المائة من تعداد شعب مصر، الخ ...
وخذ عندك:
الانشغال بنقد الأداء الحزبى المعارض، والانشغال بمعارك القادة الصغار لهذه الأحزاب الصغيرة على كراسى الزعامة الموهومة، ثم الانشغال أيضا بنقد أداء الحزب الحاكم، ومحاكمة شلله وحرسه القديم والجديد والمستعمل الخ....
وخذ عندك، وخذ عندك، وخذ عندك...
أسماء وأسماء وأسماء: علاء وزهران وبكرى ومكرم وضياء ومرتضى وشوبير وإبراهيم سليمان، وأيمن وموسى وعز وحميدة وغالى وهانى وخليفة وعاشور وطلعت وعفت ومصيلحى والجندى وإمام وعاكف وأبو الفتوح وزاهر وعبد الغنى وصادق ودعبس وأنس والشيخ وشلبى وعبده والغندور وهشام وسوزان وفلان وعلان الخ..الخ..الخ...
وليس هناك من أفكار.
وما من شك أن كثيرا من هذه المعارك شرعى، خصوصا ما ارتبط منه بقضايا فساد، ولكنه كالحق الذى يراد من ورائه باطل، تماما كحدوتة تجار المخدرات الذين يقدمون طوعا ضبطية هدفها بالضبط هو استمرار التجارة المحرمة، ومع أن الحرب على الفساد هو شعار معلن منذ زمن، ومع توالى سقوط فاسد سمين بين حين وآخر، فإن الفساد نفسه حسب آخر كلام كبير قد وصل للركب!
الأزمة فى رأيى المتواضع أننا بتنا غرقى فى التفاصيل، ومسار التفكير المصرى أصبح يسير فى اتجاه واحد: لتحت، فكم مرة سمعنا هذا التعليق: "يعنى نحط عسكرى مع كل مواطن؟!". أترون ما أعنيه؟ أليست هذه هى أسفل نقطة فى أسفل الهرم؟ ذلك لأن العيب الحقيقى هو فى المناخ الذى يسمح للفساد بالوجود والعيش والنمو والاستشراء وليس فى مجرد عدد أجهزة الرقابة وكفاءتها. إن أزمة الضمير ما هى إلا انعكاس لضعف الإيمان بالحاضر وانعدام الأمل فى أى مستقبل.
والحل فى رأيى هو أن نعمل (زووم أوت) للحد الأقصى وبسرعة، بل فورا، فقد جرت العادة فى مصر على أن الإصلاح والتغيير والقرار يبدأ من فوق، ولا سبيل حاليا فى فترة شهور قليلة أن تتخذ من التدابير والإجراءات ما يغير هذه القاعدة، ولعل هذا هو السبب فى تسارع وتيرة الحديث عن التغيير والإصلاح مع قرب الاستحقاق الرئاسى والشعور العام بإمكانية فراغ منصب الرئيس لتقدمه فى السن (أمد الله فى عمره) وبرغبته، وإلا فما كان لهذا الحديث أن يكون.
وإننى لأتفق مع ما قرأته منسوبا للدكتور مصطفى الفقى من قوله إن الشعب غير مؤهل للممارسة السياسية، وإن الساحة تعانى من فراغ فكرى وقيادى، ولكنى ألومه على عادته فى قول نصف الحقيقة وإن كنت أتفهم بواعثها، فالسؤال هو كيف وصلنا إلى هذه الحال؟ ومن المسئول؟ وفى أى عهد تم إفراغ القمة من العقول والرجالات، والقاعدة من مسئولية المشاركة؟
إننا الآن فى أشد الحاجة إلى نظرة بانورامية شاملة على الوضع المصرى برمته، لأن الشيطان فى مصر ليس فى التفاصيل فقط، بل هو أجلى وأوضح فى البناء العام.
فلن نختلف على هشاشة الأحزاب، ولن نختلف على قشرية الحياة السياسية، ولن نختلف على أننا نختلف وبشدة على الدستور، ولن نختلف على انعدام الوعى السياسى للقاعدة وكونها مصابة بلامبالاة حادة ويأس مزمن، ولن نختلف على أننا فى أشد حالات الافتقار إلى هوية ورؤية، فلماذا نختلف إذن على أن سبيل الإصلاح لن يتأتى بمسمار هنا وصامولة هناك؟ لماذا نختلف على أن الخرق اتسع على الراتق وأننا فى حاجة إلى ثوب جديد كلية؟
إن تجارب الإصلاح الجذرى فى التاريخ لم تحدث إلا فى أعقاب زلازل وعواصف: حرب مدمرة، ثورة دامية، كارثة طبيعية، وفى كل الأحوال فإن الثمن باهظ والتوقيت غير معلوم، فلماذا لا نأخذ أقدارنا بأيدينا ونقتنع قمة وقاعدة بضرورة إحداث التغيير قبل أن يأتى الطوفان؟ لماذا لا يأخذنا الرئيس مبارك أو نجله بالاتفاق أو التوافق مع رموز القوى الوطنية الراشدة فى مسار انتقالى سلمى حضارى نخرج منه من جديد فى شكل أمة ناهضة؟
إننى أتصور أن يكون العمل الوطنى فى السنوات السبع المقبلة (2010 + مدة رئاسية) فى مسارين متوازيين:
الأول: هو مسار أسميه ب(الإدارة) أكثر منه حكما، وتكون فيه مهمة النظام الأساسية هى تحسين الخدمات التى يتلقاها المواطن، ووقف تدهور الحال المعيشى لهذا الشعب.
الثاني: هو الإعداد الذى يتم فى الظل للمرحلة الجديدة بمشاركة من الجميع، ومهام هذا المسار الأساسية هى:
1) برنامج تثقيف سياسى شامل يعيد قطاعات شعبية واسعة إلى دائرة الهم السياسى والقدرة على المشاركة الواعية فى صنع القرار، فالحاصل أن الملايين ممن يصلون إلى صناديق الاقتراع يمارسون الحق دون أن يكونوا قد قاموا بالواجب، وأنى لهم ذلك فى ظل تعليم قاصر، وإعلام موجه نحو العشوائية والاستهلاكية، ومحاصرة أمنية على الأفكار، وحرمان السياسة من الوجود فى الجامع والجامعة؟
2) دستور جديد يكون عقدا اجتماعيا بحق يجمع طوائف الشعب وطبقاته وتياراته على الحد الأدنى الذى يصنع منا أمة من جديد، ذات هوية واضحة وتطلعات مشتركة.
3) خطط إصلاحية جريئة وجذرية وجراحية لأوضاع الاقتصاد والتعليم والصحة والأمن، لقد نفد صبر أهل مصر من سياسات المسكنات والقص واللصق والترقيع. وأنا كمصرى أفضل إجراء جراحة قاسية تقودنى للشفاء بشرط علمى بنسبة المخاطر (شفافية) واطمئنانى لأهلية الطبيب الجراح (شرعية).
إن كل ما أرجوه هو أن نهجر فكرة الإصلاح من الداخل التى تتبناها أمانة السياسات ومن يجرى مجراها، لأن الإطار نفسه معيب، والنظام مختلف عليه، والرموز لا ترمز إلا لنفسها.
ومن هنا لا بد من توسيع قاعدة أهل الرأى والمشورة والحل والعقد، لأن آفة الرأى الهوى، وجل من يتحدث عن الإصلاح هو مستفيد شخصيا من الوضع القائم فكيف نتوقع منه الحماس للتغيير؟!
إما أن نفكر خارج الصندوق، أو نظل سجناء فيه إلى أن يقضى الله أمرا كان مفعولا.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.